مقالات

أسد الريف امُحَنْدْ بن عبد الكريم الخطابي.. أسطورة المقاومة المغربية

خالد البوهالي

مرّت الذكرى التاسعة والخمسون لوفاة المجاهد الكبير المغربي الأمير مولاي امحند بن عبد الكريم الخطابي في القاهرة، والتي تصادف 6 شباط/فبراير، وهي مناسبة للوقوف على أمجاد هذا البطل الأممي الَّذي حمل لواء التحرّر وبطولاته، ليس في المغرب وحده، بل في جميع دول العالم التواقة إلى التحرّر أيضاً.

وإذا كان المغرب عرف قبل فترة الحماية وخلالها مجاهدين أشاوس صناديد عُرفوا بمقاومتهم الشرسة للاحتلال الفرنسي، مثل مُوحَا أُوحَمُّو الزَّيَانِي وأحمد الحَنْصالي في الأطلس المتوسط، وحُمَّان الفُطواكي في منطقة دمنات ناحية مراكش، وامبارك ولد كِيتّو (مهدي تافيلالت)، ومقاومتهم المحتل الإسباني أيضاً، مثل الشريف محمد أمزْيَان في منطقة الريف، إلا أنَّ الأمير امحند بن عبد الكريم تفرّد بخاصية ميّزته عن إخوته من المقاومين المغاربة الآخرين، هي مجابهته أقوى قوتين إمبرياليتين عرفهما التاريخ آنذاك، إسبانيا وفرنسا معاً، وألحق بهما هزائم نكراء ما زال التاريخ شاهداً عليها، فمن هو محمد بن عبد الكريم الخطابي؟

هو “رْقَايْدْ امُحَنْد” (القائد امحن) أو “أمْجَاهَدْ أمَقْرَانْ” (المجاهد الكبير) لدى الريفيين، صاحب نظرية حرب العصابات. ازداد سنة 1880 بقبيلة بني ورياغل الريفية الأمازيغية، وهي إحدى كبرى قبائل الريف الأمازيغي المغربي التي تقع ضمن تراب بلدية أجدير الخاضعة لدائرة نفوذ مدينة الحسيمة، أو “بيا سان خورخو” (Villa Sanjurjo)، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الملك الإسباني ألفونسو الثالث عشر، تَيمّناً باسم أحد الجنرالات الإسبانيين، تكريماً له لاحتلال المدينة.

نشأ مولاي امحند بن عبد الكريم الخطابي وسط عائلة ذات حظوةٍ لدى القبائل الريفية، فوالده هو عبد الكريم الخطابي؛ أحد وجهاء القبيلة وقاضيها. بعث ابنه امُحَنْدْ إلى فاس، فدرس الفقه والشّريعة الإسلامية، واشتغل بعدها قاضي القضاة في مدينة مليلية، ثم صحافياً في “تيلغراف ديل الريف”، ثم مترجماً لدى الإدارة الاستعمارية الإسبانية، ما مكَّنه من الاطلاع على النيات الاستعمارية لإسبانيا.

أدَّت السياسة الاستعمارية التوسعية للإسبان تجاه الريفيين المغاربة إلى بلورة وعيٍ وطنيٍ بضرورة مجابهة الاستعمار الإسباني بالقوة المسلّحة. لذا، عمد الأمير مولاي امحند أولاً إلى توحيد القبائل الريفية تحت لوائه، من خلال نبذ الحساسيات والصراعات القبلية التي كانت سائدة آنذاك، وتوجيه البوصلة نحو العدو المشترك، المحتلّ الإسباني، ثم تسليح القبائل ووضع الخطط والاستراتيجية العسكرية اللازمة لمجابهة الاستعمار الإسباني الغاشم ثانياً.

وجّه الأمير مولاي امحند رسالةً إنذاريةً إلى الجنرال سيلفستر، القائد العام على المناطق الريفية، وحذَّره من مواجهة محرقة في حال همّ بالزحف وعبور “أُغْزَرْ أَمَقْرَان” (الوادي الكبير)، لكن العقلية الاستعمارية للجنرال سيلفستر وغروره وغطرسته جعلته يتجاهل رسالة الأمير مولاي امحند، إلى درجة أنَّه كان يقول مستهزئاً إنّه سيشرب الشّاي في بيت محمد بن عبد الكريم الخطابي، كعلامة على استسلامه.

شكّلت معركة “دهار أُوبَرَان” (تلة أوبران) التي وقعت في قبيلة تمسمان الواقعة شرق مدينة الحسيمة بحوالى 36 كلم، في 21 يونيو/حزيران 1921، الشرارة الأولى التي أشعلت نار المقاومة الريفية في شمال المغرب، إذ استدرج الأمير مولاي امحند بن عبد الكريم الخطابي الجنرال سيلفستر وقواته إليها بسبب وعورة المنطقة وتضاريسها الجبلية الصّعبة، وألحق به هزيمة نكراء، معتمداً في نهجه أسلوب حرب العصابات، وهو نهج لم يعهده المستعمر من قبل.

شكّل انتصار الريفيين في معركة “دهَار أُوبَرَان” حافزاً لهم، فانطلقوا في الإغارة على تمركز قوات الاحتلال الإسباني، إلى أن اندلعت معركة أنوال بتاريخ 17 تموز/يوليو 1921 بين المقاتلين الريفيين الذين لا يزيد تعدادهم على 2000 مقاتل وجيش إسباني جرار مدجّج بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية بقيادة الجنرال سيلفستر.

 ألحقت قوى المقاومة الريفية المغربية هزيمة مذلّة بالجيش الإسباني المحتل، زعزعت أركان النظام الحاكم في إسبانيا، واعتبرها الإعلام الإسباني نكسة، إذ عرفت مقتل الجنرال المغرور سيلفستر ومن معه، وأوقعت الجنود الذين قُدِّر عددهم بـ15000 بين قتيل وجريح، وأدت إلى أسر 700 آخرين.

وقد غنم الريفيون المغاربة 200 مدفع، وأكثر من 20 ألف بندقية، وعدداً لا يُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش والسيارات والشاحنات، وإمدادات كثيرة تفيض عن الحاجة، وأدوية وأجهزة تخييم، علاوة على المعدات العسكرية.

كان لانتصار الريفيين صدى واسع على الصعيد العالمي، وخصوصاً لدى حركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث، الأمر الذي دفع فرنسا – التي كبّدتها قوات محمد بن عبد الكريم الخطابي خسائر في الأرواح والعتاد في نواحي مدينة تازة – إلى التحالف مع إسبانيا وبعض المرتزقة الخونة المحليين، لِوَأْدِ مقاومة الزعيم المغربي ابن عبد الكريم الخطابي في مهدها، خشية امتداد نفوذها إلى باقي تراب المغرب.

لجأ هؤلاء إلى ارتكاب جرائم أكثر وحشيةً ضدّ الإنسانيّة، عبر قصف منطقة الريف بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة المحظورة دولياً – بتواطؤٍ مع الولايات المتحدة الأميركية – رغم المقاومة الشرسة التي أبداها محمد بن عبد الكريم الخطابي وإخوانه، ما سبّب العديد من الأمراض الخطرة للأبرياء، مثل السرطان، والتي ما زال أبناء المنطقة يعانون آثاراها إلى يومنا هذا.

وأمام هول هذه الفظاعات، لم يجد الأمير امحند بن عبد الكريم الخطابي بدّاً سوى الاستسلام حَقْناً لدماء السكان، فسَلَّمَ نفسه للقوات الفرنسية بعد مفاوضات نُفِي في إثرها إلى جزيرة لاريينيون، ومن ثم لجأ إلى مصر، وبقي لاجئاً فيها حتى وافته المنية في العام 1963.

كان بيته في القاهرة مَحَجّاً لكل الثوار، وفي مقدمتهم الثائر الراحل الكوبي الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا، الذي قال يوم زيارته له: “أيها الأمير، أتيت إلى القاهرة على وجه التحديد لكي أتعلم منك”، كما أنّ الزعيم الفيتنامي هوشي منه أشاد بفضل الزعيم المغربي، قائلاً: “لولا محمد بن عبد الكريم الخطابي، لما تحررت فيتنام من الاحتلال الفرنسي”. أضف إلى ذلك بيانه عبر أثير إذاعة فيتنام، والذي يدعو فيه الجنود المغاربة العاملين في الجيش الفرنسي إلى الانشقاق عنه والالتحاق بصفوف المقاومة الفيتنامية، وهو ما استجاب له المغاربة.

ويُحكى أن قادة الثورة الفلسطينية في الخمسينيات زاروا الزعيم ماو تسي تونغ عقب الثورة الصينية، ليتعلَّموا منه فنون حرب العصابات، فأجابهم: “جئتُم إلينا ولديكم عبد الكريم الخطابي الذي تعلَّمنا نحن منه فنون حرب العصابات؟”.

ومن منفاه في مصر، كان الأمير يقود حركات المقاومة المغربية بتنسيقٍ مع جيش التحرير المغربي ضد القوات الإسبانية والفرنسية، وخصوصاً في المنطقة التي عُرفت آنذاك بمثلث الموت، وهي أكنول – تيزي وسلي – بورد، المكونة لمنطقة كزناية إقليم تازة، والتي وجّهت قوى المقاومة المغربية الريفية فيها ضرباتٍ قاصمة إلى المحتل الغاشم.

ختاماً، إن استراتيجية الزعيم امحند بن عبد الكريم الخطابي العسكرية التي رسمها بحنكةٍ ودهاءٍ، ما زالت عِلْماً يُدَرَّسُ في أرقى الأكاديميات العسكرية في العالم. وقد ألهمت ثوار دول العالم الثالث التواقين إلى تحرير أوطانهم من براثن الغزاة الإمبرياليين.

رحم الله المجاهد الأمير مولاي امُحَنْد بن عبد الكريم الخطابي.

ملاحظة: كررت اسم مولاي، لأن الريفيين في البلاد ما زالوا يطلقون عليه اسم “مولاي امحند”، تعبيراً عن حبهم لهذا القائد العظيم. اسم امُحَند هو اسمه الأصلي، وهو مرادف لاسم محمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى