صحافة

زافترا: تبقى دولة عربية واحدة.. ويكتمل النصاب

الإباء / متابعة

كانت آخر قمة سنوية عقدتها جامعة الدول العربية على مستوى القادة في مارس منذ عامين، 2019، ثم ألغيت القمة عامي 2020، و2021، بسبب جائحة فيروس كورونا.

لم تكن الأجواء سانحة على أي حال، فسوريا كانت ولا زالت تغلي بأحداث قاتمة تلقي بآثارها المأساوية على البلاد والعباد، بينما تُسمع أصوات الانفصال في الشمال الشرقي، بدعم ووجود أمريكي غير شرعي، وتسمع أصوات انتهاكات نظام التهدئة من قنابل وعمليات إرهابية في الشمال، ويقصف الجيش الإسرائيلي ما يقول إنه مخازن لأسلحة إيرانية، منتهكاً طول البلاد وعرضها، وتراوح الأزمة السياسية مكانها بين القيادة في دمشق ومنصات المعارضة، وتتوالى اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة في جنيف، حتى الآن دون جدوى، سعياً لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وكان وزراء الخارجية العرب قد قرروا تعليق مشاركة وفود سورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة اعتباراً من 16 نوفمبر 2011، لحين قيام الحكومة السورية بالتنفيذ الكامل لتعهداتها وتوفير الحماية للمدنيين السوريين من خلال الاتصال بين المنظمات العربية والدولية المعنية. ودعا الوزراء حينها الجيش السوري لعدم التورط في أعمال العنف ضد المدنيين. صوت لصالح القرار 18 دولة عربية، ورفضته 3 دول، وامتنعت عن التصويت دولة واحدة.

ظل المقعد السوري بالجامعة العربية شاغراً حتى مارس 2013، حينما منح المقعد خلال القمة العربية المنعقدة في الدوحة للمعارضة، حيث ألقى الرئيس السابق لـ “الائتلاف السوري المعارض”، أحمد معاذ الخطيب، كلمة باسم سوريا، لمرة واحدة في ذلك المكان والزمان.

لا زال المغرب يعتبر البوليساريو جماعة إرهابية، تتلقى الدعم من الخارج، بينما تتهم جبهة البوليساريو المغرب بانتهاك حقوق الإنسان ومحاولة السيطرة على الأقاليم الجنوبية وانتهاك “حق شعب الجمهورية العربية الصحراوية” في تقرير مصيره، ومنحه الاستقلال. وبعد سريان وقف إطلاق النار لما يقرب من 30 عاماً، تم خرقه إثر عملية عسكرية للجيش المغربي في منطقة الكركارات العازلة أقصى جنوب الإقليم الصحراوي، لإعادة فتح الطريق نحو موريتانيا، بعد إغلاقه من قبل المطالبين بالاستقلال، في نوفمبر 2020. انتهى وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية، وازداد التوتر بعد أن اتهمت الجزائر المغرب بقصف شاحنتين جزائريتين، وقتل ثلاثة من مواطنيها في الأراضي الصحراوية في نوفمبر من العام الماضي.

كان المغرب قد حصل من الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، نهاية عام 2020، على اعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل. لهذا أصبح تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، والتعاون العسكري الناتج عنه عاملاً رئيسياً في التصعيد الأخير، الذي لعبت الإدارة الأمريكية السابقة دوراً في تأجيجه.

في العام الماضي قامت ثلاث دول أخرى هي الإمارات والبحرين والسودان بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وكشف موقع “يديعوت أحرونوت” مؤخراً عن أن إسرائيل تجري محادثات متقدمة مع جزر القمر، بهدف التوقيع على اتفاق تطبيع بين البلدين.

أثار التصعيد الأخير في الغارات الجوية السعودية ضد أهداف الحوثيين في اليمن، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، وكذلك هجمات الطائرات المسيرة ضد مواقع في الإمارات، كثيراً من القلق حول الاتجاه الذي تسير إليه الحرب في اليمن، وما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط.

بهذه الملفات الثقيلة وصل يوم الاثنين، 24 يناير، الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى القاهرة في زيارة عمل تدوم يومين. وبالطبع سوف يكون على رأس تلك الملفات، ملف انعقاد قمة الجامعة العربية في الجزائر، والتي تأجلت، كما أُعلن بسبب انتشار فيروس كورونا، إلا أن ما تسرب من معلومات هو أن جهود الجزائر للحصول على الموافقة لدعم عودة سوريا إلى الجامعة لم تتكلل بالنجاح، لموافقة 21 دولة فقط مبدئياً، من أصل 22، بينما ظلت دولة واحدة ترفض ذلك رفضاً باتاً.

تضع الجزائر والقاهرة على رأس أولوياتهما عودة سوريا، حيث أعرب وزير الخارجية المصري، سامح شكري، منذ يومين، خلال مؤتمر صحفي مشترك، عقد في مقر وزارة الخارجية العمانية، مع نظيره العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، عن تطلع مصر لأن تتخذ الحكومة السورية الإجراءات المناسبة التي تسهّل عودة سوريا للجامعة العربية وقال: “نتطلع أن تتوفر الظروف لأن تعود سوريا للنطاق العربي، وتكون عنصراً داعماً للأمن القومي العربي”. مستطرداً: “سوف نستمر بالتواصل مع الأشقاء العرب، لتحقيق هذا الغرض”.

إن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية أمر في غاية الأهمية سوف يمنح تلك القمة زخماً وبعداً تاريخياً غير مسبوق، ولعله يكون بادرة خير لحلحلة خلافات أخرى، والتي ذكرت بعضاً منها عاليه، كذلك فلربما يشجع ذلك على حلحلة الأزمة الليبية، ويدفع بالوضع اللبناني نحو حلول عاجلة يحتاجها لبنان فوراً.

لابد من الإشادة هنا بالمجهودات، التي أدرك جيداً صعوبتها دبلوماسياً، التي قام بها المسؤولون الجزائريون للحصول على موافقة مبدئية من 21 عضواً من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، ولا أستطيع الجزم بما يكون قد وعد به الجانب السوري من إطلاق سراح بعض المعتقلين، وتغيير أسلوب التفاوض مع المعارضة، أو مشاركتها بخطوات إصلاحية، بحسب ما ينص عليه قرار مجلس الأمن رقم 2254.

إلا أن ما يبدو هو أن عدداً من الدول العربية المؤثرة تتحفظ على القيام بخطوات فعلية بسبب العقوبات الأمريكية ضد سوريا، في الوقت الذي يعي ويدرك فيه الجميع الكارثة الإنسانية التي يعاني منها الشعب السوري، والتي ربما ساهم فيها بعض تلك الدول، بدعمها دون أن تتوقع أن تتفاقم المأساة إلى هذا الحجم المرعب، خاصة وأن تلاحم الأنساب والأعراق بين جسد الأمة الواحدة واضح للجميع. فهناك الكثير من المصالح والقرابات المشتركة، وحتى بعض الأملاك لكثير من الأخوة الأشقاء العرب من الخليج داخل سوريا ولبنان، فقد كانت سوريا ولبنان بالنسبة لكثيرين مركزاً للاستجمام والاستراحة، لطقسها المعتدل وطبيعتها الخلابة، ليصبح كل ذلك اليوم خراباً ودماراً لا يثير سوى الأسى والدموع.

إننا بحاجة لبعضنا البعض، وكما تحتاج سوريا للأسرة العربية، فإن الأسرة العربية أيضاً تحتاج إلى سوريا، وهذا ما تسعى إليه الجزائر، وتطمح إليه غالبية الدول العربية، بدليل أن 21 عضواً قد وافقوا موافقة مبدئية على عودة سوريا. إلا أن الإرادة العربية لا زالت مقيّدة بأغلال تعجز، حتى اللحظة، عن كسرها. إلا أن كسرها سوف يكون قوة جبارة، قادرة على صنع التاريخ، ونفض الغبار عن سنوات طويلة من الخضوع لتأثيرات خارجية وخلافات حول تأثير دور ووزن إيران وتركيا، بالتزامن مع اعتداءات إسرائيلية متكررة. فالشعوب هي من يدفع الثمن، والثمن قد أصبح باهظاً بما فيه الكفاية ويزيد، تدفعه شعوبنا في أكبر كوارث إنسانية في العالم، في اليمن وغير اليمن.

أرى أن غالبية دول الخليج مهتمة لإعادة أجواء التضامن العربي، والمساهمة المشتركة في حل الأزمات، التي تعاني منها بعض الدول العربية، خاصة أن تلك الأزمات قد أصبحت تؤثر سلباً على مجتمعات الدول الغنية، خاصة فيما يخص عصابات تهريب المخدرات، وانتشار ظواهر التطرف، والذئاب المنفردة، ناهيك عن ذلك الوضع الأمني الحرج، الذي يضع منشآت اقتصادية حيوية، والبورصات الخليجية والعربية، تحت رحمة طائرة بدون طيار هنا أو صاروخ طائش هناك.

إن المنطقة تستحق أن تعيش في سلام وأمان، وتمتلك كل المقومات والإمكانيات والقدرات البشرية قبل المادية لذلك. فهل يقنع ذلك الدولة العربية المتبقية، ليكتمل نصاب الإجماع العربي التاريخي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى