مقالات

العدوان على النقب واليمن والحكاية ذاتها

حسن لافي

يمكن الربط بين ما يحدث من استيطان تهجيري إحلالي إسرائيلي لكل ما هو فلسطيني في صحراء النقب، واشتداد الحرب الوحشية على الشعب اليمني من جانب العدوان الخليجي، من خلال إدراك الأهداف الحقيقية للمشاريع الإقليمية الكبرى المنويّ تنفيذها ضمن الشق الاقتصادي من اتفاقات أبراهام التطبيعية، والتي ستحقّق، في حال إتمامها، حلم “إسرائيل” بأن تصبح دولة المركز للشرق الأوسط، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، والتي تدور في فلكها سائر دول المنطقة.

فالمشاريع الاقتصادية الإقليمية المنويّ القيام بها ضمن الاتفاقات التطبيعية، مسرحها الرئيس منطقة خليج العقبة، التي تتقاسمها كل من مصر والأردن والسعودية و”دولة” الاحتلال. وأهم تلك المشاريع:

1- مشروع مدينة “نيوم” السعودية، والتي يُتوقَّع أن تغطي 10230 ميلاً مربعاً في شمالي غربي السعودية عند تخوم خليج العقبة، والتي ستبلغ تكلفة المشروع ما يقارب 500 مليار دولار، ولا يمكن إنجاحه من دون أن تكون “إسرائيل” شريكة فيه. لذا، فعلى الرغم من عدم وجود اتفاق تطبيعي معلن مع السعودية، فإن الشركات الإسرائيلية الخاصة ستشارك في المشروع. وبالتالي، تحقق “إسرائيل” عبر مشروع نيوم الامتداد البحري وصولاً إلى “إيلات”، ثم براً في اتجاه ميناء حيفا وعسقلان، بما يرافق ذلك من مشاريع سكك الحديد مع الأردن ودول الخليج، مضافاً إليها خطوط الغاز، وخصوصاً بعد أن تحولت “إسرائيل” إلى دولة مصدّرة للغاز.

2- مشروع نقل النفط الإماراتي عبر إفراغ ناقلات النفط في ميناء “إيلات” الإسرائيلي المطل على البحر الأحمر، ونقله عبر خط أنابيب في اتجاه ميناء عسقلان المطل على البحر المتوسط. وعلى الرغم من عرقلة وزارة البيئة في حكومة الاحتلال الإسرائيلي للمشروع، فإنَّه لم يُلغَ في حقيقة الأمر، بل جرى تأجيله حتى يتمّ حلّ أزمة المخاوف المصرية من تأثير المشروع السلبي في مداخيل قناة السويس.

3- مشروع الطاقة البديلة في مقابل الماء بين الأردن و”إسرائيل” بتمويل إماراتي، بحيث سيتم إنشاء أكبر محطة توليد للطاقة الشمسية في صحراء الأردن تغذي “دولة” الاحتلال، في مقابل تزويد “إسرائيل” الأردنَّ بالمياه من محطة تحلية لمياه البحر المتوسط.

تخلق تلك المشاريع لـ”إسرائيل” جغرافيا اقتصادية متصلة، واقعة تحت هيمنة أنظمة تكنولوجية وبنية تحتية إسرائيلية، وبتمويل من استثمارات بالتشارك مع الخليج، يُديرها اقتصاد إسرائيلي. وبالتالي، تتحوّل المنطقة من شمالي غربي السعودية إلى العقبة الأردنية، ومنطقة شمالي شرقي مصر، ومنطقة النقب المحتل، إلى “ميغالوبيليس” يتشكّل من عدة مدن ذات تعداد سكاني وكثافة ديمغرافية كبيرين، وتتميّز بتعدد أنشطتها الاقتصادية ووفرة خطوط المواصلات فيما بينها، وتُعَدُّ “إسرائيل” نواتها الرئيسية.

لكنّ إنجاح تلك المشاريع التطبيعية الاقتصادية، وتحقيقَ أهدافها المرجوة، يتطلّبان:

أولاً، السيطرة الإسرائيلية التامة على منطقة النقب، من خلال تهجير الفلسطيني واقتلاعه من أرضه، بحيث إن الانفتاح الاقتصادي للمشاريع المشتركة لدول التطبيع الخليجية مع “إسرائيل”، سيجعل تمركز “إسرائيل” الاقتصادي الأساسي ينتقل تلقائياً من منطقة “غوش دان”، وخليج حيفا، في السهل الساحلي الضيق عند البحر المتوسط، إلى منطقة النقب ذات الموقع الجيو استراتيجي، والرابطة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وذات المساحة الكبيرة، والتي يمكنها أن تكون مسرحاً للمشاريع التطبيعية. وعلى الرغم من أن النقب من أقل المناطق نمواً في “إسرائيل”، فإن هناك مخططات إسرائيلية تنموية واقتصادية، تُنَفَّذ منذ عدة سنوات، تهدف إلى تنمية صحراء نقب فلسطين، وتحويلها إلى قاعدة صناعية وزراعية جديدة، تعزّز قوة الاقتصاد الإسرائيلي، وتمنحه التفوق النسبي على الاقتصادات المجاورة، ولاسيما الخليجية.

ثانياً، إتمام السيطرة على البحر الأحمر، وخطوط الملاحة فيه، ومضيق باب المندب، والطرق المؤدية إليه في خليج عدن، وخصوصاً بعد ضمان الشواطئ السودانية من خلال اتفاق التطبيع مع السودان. وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة تحالف العدوان على اليمن من دون الأخذ في الحسبان تقاسم الأدوار بين “إسرائيل” ودول التطبيع الخليجي، من أجل تحقيق هدف السيطرة على البحر الأحمر، وخصوصاً الدور الإماراتي في العدوان، والذي وضعت الإمارات لنفسها، منذ بدايته، هدف السيطرة التامة على الموانئ اليمنية المطلة على خليج عدن جنوباً، وعلى موانئ البحر الأحمر غرباً، بالإضافة إلى قواعدها العسكرية في جزيرة سقطرى، وميناء المخا اليمني المطل على مضيق باب المندب.

لذا، فإن تقدُّمَ قوات الجيش واللجان الشعبية اليمنية تجاه مناطق الساحل، وعدمَ قدرة السعودية على منع هذه القوّات من تحرير مزيد من الأراضي اليمنية، ناهيك بزيادة المخاوف الإسرائيلية من امتلاك اليمن صواريخَ باليستيةً وطائرات مسيّرة قادرة على ضرب “إسرائيل”، كل ذلك يشير إلى وجود قرار صهيوخليجيّ يقضي باستمرار العدوان على اليمن حتى تحقيق السيطرة على السواحل اليمنية على الأقل، الأمر الذي يفسّر تراجع الإمارات عن تخفيض وجودها العسكري في اليمن منذ عام 2019م، وممارسة قوى العدوان المجازرَ ضد المدنيين اليمنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى