مقالات

المشهد العراقي بين الخيارات المرتبكة والمعادلات القلقة

عادل الجبوري

طيلة 19 عاماً، لم يكن تشكيل أيّ من الحكومات السبع التي تعاقبت على إدارة شؤون العراق منذ العام 2004 وحتى الآن أمراً يسيراً وسهلاً وسريعاً، إنما كانت المفاوضات الماراثونية الطويلة والشاقة بين الفرقاء، والتأثيرات والضغوطات الخارجية الإقليمية والدولية، هي السمة الأبرز والأوضح في المشهد العام، بما تتخلّله من مساومات وترضيات وتنازلات وصفقات، لتنتج في نهاية المطاف معادلات قلقة ومرتبكة وهشة، تعكسها التجاذبات والاحتقانات السياسية المستمرة، والأوضاع الأمنية المضطربة، والمشاكل والأزمات الحياتية الشائكة والمعقدة والمزمنة.

وبدلاً من أن تتجه الأمور نحو فضاءات الحلول والمعالجات الواقعية العملية، فإنها كانت تنحو إلى مساحات التأزم والتصادم والانسداد، رغم أن الدستور العراقي الدائم الذي تم إقراره عبر استفتاء شعبي عام في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2005، حدَّد كلّ المسارات، ووزع المهام والأدوار، وتضمن في إطاره العام خارطة طريق مقبولة من الناحية النظرية على الأقل لإدارة شؤون الدولة والمجتمع وتسييرها، مع ما اكتنفه من غموض وضبابية في بعض بنوده وفقراته.

وما يجري الآن من سجالات ونقاشات حادة حول الصيغة الأفضل لشكل الحكومة الثامنة وصورتها وهويتها، يعد في جانب كبير منه استمراراً وتكراراً للعديد من المحطات والمنعطفات السابقة، ولكن بإيقاع أعلى، ووتيرة أسرع، واستقطاب أكبر.

منذ اليوم الأول بعد إطاحة نظام صدام في 9 نيسان/أبريل 2003، راحت تتشكّل وتتبلور وتنضج وتتكامل معادلات الحكم المرتكزة على أسس محاصصاتية مؤطرة بعناوين ومسميات التوافق والتفاهم، وكان رائد هذا المنهج ومؤسسه هو الحاكم المدني الأميركي للعراق السفير بول بريمر (6 أيار/مايو 2003-30 حزيران/يونيو 2004)، ابتداء من تشكيل مجلس الحكم، ومن ثم الحكومة الأولى برئاسة إياد علاوي، والهيمنة على مفاصل الدولة الأساسية السياسية والأمنية والعسكرية والمالية.

وإذا كانت المحاصصة السياسية على أساس طائفي وقومي ومذهبي وديني، وحتى مناطقي، جنبت العراق أزمات ومشاكل كبيرة وخطرة، وساهمت بشكل أو بآخر في الحفاظ على تماسك المنظومة المجتمعية وهيكلية الدولة بمفاصلها ومؤسساتها وسلطاتها المختلفة، إلا إنَّها من جانب أخرى أوجدت حالة مزمنة من عدم الاستقرار، وعمقت مظاهر الفساد الإداري والمالي، وأضعفت بناءات الدولة المؤسساتية لمصلحة نفوذ الأحزاب والتيارات السياسية وبعض القوى الاجتماعية، وفاقمت معاناة فئات وشرائح اجتماعية كثيرة جراء تدني الخدمات الأساسية وفرص العمل وغير ذلك، ناهيك بكونها هيّأت بشكل أو بآخر المناخات والأرضيات المناسبة لنشوء الإرهاب بشتى أشكاله وصوره ودوافعه وأهدافه. وكما يقول بعض الساسة وأصحاب الرأي، “بسبب تعرض الدولة للمحاصصة، أصبحت الإدارات غير قادرة على العمل وفق القانون أو تقويم الاعوجاج أو الانحراف”.

ولعلَّ منهج المحاصصة – التوافق – أتاح لشخصيات سياسية عليها الكثير من الملاحظات والتحفظات والاعتراضات والشبهات، الدخول في العملية السياسية، وتزعم أحزاب، والمشاركة في الانتخابات، وتبوؤ مناصب حكومية مهمة، وعرقلة وتعطيل أيّ إجراءات قانونية بحقها، رغم وجود أدلة وحقائق دامغة تدينها بتهم تمويل الإرهاب والضلوع بارتكاب عمليات إجرامية وعمليات فساد تسببت بهدر أموال طائلة من ممتلكات الدولة والشعب.

وأتاح منهج المحاصصة ظهور تنظيم “القاعدة”، ثم “داعش” ومجامع إرهابية مسلحة، بأسماء وتوجهات وانتماءات مختلفة، وهيمنة الأجندات والمشاريع الخارجية وطغيانها، وتزايد حدة الاستقطاب والصراع والتنافس بين الخصوم الإقليميين والدوليين في الساحة العراقية، ناهيك بأن “وصفة” المحاصصة أوجدت ورسّخت وكرست ظاهرة أو ثقافة انعدام الثقة بين الشركاء أو قل الفرقاء السياسيين، وهو ما تجلّى واضحاً في بعض المرات، من خلال تمرير 3 قوانين أو أكثر من قبل البرلمان بصيغة “الحزمة الواحدة” (The one package)، لكي يضمن كل طرف مصالحه أو مصالح المكون الذي يمثله، ولا يقع في فخ خيانة الشريك!

وبصرف النظر عما إذا كانت الشخصيات والقوى السياسية التي تعاقبت على تشكيل الحكومات وإدارة شؤون الدولة راغبة في كسر معادلات المحاصصة، فإن الأمور بقيت تسير باتجاه تعميق كل الآليات والسياقات التوافقية الهشة وتثبيتها، ابتداء من تقسيم الرئاسات، مروراً باللجان البرلمانية والوزارات ووكالاتها، وليس انتهاء بالدرجات الوظيفية العليا الخارجة عن دائرة التقاسم المقيّد بخطوط وحدود وأرقام لا تقبل البحث والجدل والنقاش.

ولأنَّ المحاصصة ترتكز على معادلات هشّة وقلقة، فإنها غالباً ما تكون محكومة ومرتبطة بمساومات وإملاءات واشتراطات غريبة عجيبة، من قبيل منح الضوء الأخضر لشخصيات مشمولة بقوانين اجتثاث البعث أو المساءلة والعدالة لخوض الانتخابات والدخول إلى البرلمان، وتقلّد مناصب حكومية عليا وحساسة، وكذلك القبول بشخصيات أُقصيت في أوقات سابقة من مناصبها بسبب قضايا فساد مؤكدة، لتشغل مناصب أهم وأكبر من المناصب التي أُقصيت وأُخرجت منها!

من الطبيعي جداً أن تولّد كل تلك المخرجات والنتائج الكارثية للمحاصصة التوافقية انطباعات سلبية لدى الرأي العام العراقي، وتصبح في نظر الغالبية العظمى من الشعب نقمة كبيرة، وغطاء للطبقة السياسية الحاكمة من أجل تقاسم الموارد والمكاسب والامتيازات في ما بينها.

مثل هذه الانطباعات السلبية كانت – وما زالت – تمثل انعكاساً للواقع بمجمل تداعياته وإرهاصاته التي عبرت عنها بمقدار معين التظاهرات الاحتجاجية بمختلف أساليبها ووسائلها وأدواتها وشعاراتها وأهدافها، رغم ما شابها من ممارسات وسلوكيات بدت بعيدة عن جوهرها ومضمونها، سواء في مدن إقليم كردستان، أو مدن المناطق الغربية، أو في العاصمة بغداد ومدن الجنوب والفرات الأوسط.

وبينما شغل الجدل والسجال الدائر اليوم بشأن الصيغة الأفضل لإدارة الدولة في المرحلة المقبلة الحيز الأوسع خلال الشهور القلائل الماضية، ولا سيما بعد ظهور النتائج المفاجئة وغير المتوقعة إلى حد ما للانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن جوهر ذلك الجدل والسجال يتمحور حول فكرة صياغة معادلات واصطفافات جديدة، كجزء من مخرجات الانتخابات، سواء انتهت الأمور إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية، كما يطالب زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، الذي أحرزت كتلته البرلمانية 73 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 329 مقعداً، أو إلى تشكيل حكومة توافقية، كما تدعو قوى الإطار التنسيقي.

ملامح التوافقية المحاصصاتية ومظاهرها بدت واضحة، وطغت على أجواء الجلسة البرلمانية الأولى التي عقدت في 9 كانون الثاني/يناير الجاري، وحتى قبلها، وستلقي بظلالها على الحكومة المرتقبة ومجمل المفاصل المؤسساتية الحكومية العليا.

من الناحية النظرية، يبدو الحديث والتسويق لخيار حكومة الأغلبية الوطنية جميلاً وجذاباً جداً، وخصوصاً في ظلّ التراكمات السلبية على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، ولكنه في أرض الواقع يصطدم بجملة حقائق تجعله مقحماً، شاء أصحابه أو لم يشاؤوا، في بوتقة التوافق والتفاهم. ومن هذه الحقائق:

أولاً: إن الأطراف التي يراد أن تشكل حكومة الأغلبية الوطنية من المكونين السني والكردي قد تتوافق وتتفاهم في ما بينها، كما حصل بين تحالفي “تقدم” و”عزم” بزعامة كل من خميس الخنجر ومحمد الحبلوسي، وهذا يعني أن الأغلبية لا بد من أن تمر عبر بوابة التوافق، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير العامل الخارجي في تجسير الخلافات بين التحالفين، وتحديداً أبو ظبي وأنقرة، اللتين رعتا اجتماعات ولقاءات مشتركة بين الخنجر والحلبوسي، أفضت إلى التوصل إلى صيغة مقبولة لكليهما، لتقاسم حصة المكون السني من الوزارات والمواقع الأخرى.

ومن الممكن أن تختلف المكونات التي يفترض أن تساهم أطراف منها في تشكيل حكومة الأغلبية في ما بينها حول المناصب والشخوص، كما هو حاصل داخل البيت الكردي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة نجل الراحل جلال الطالباني، بافيل الطالباني، وهما في نهاية المطاف، إما يتوافقان ويتفاهمان على منصب رئيس الجمهورية والمناصب الأخرى، ليساهما بتشكيل حكومة الأغلبية، وإما يصلان إلى طريق مسدود، لتتعقد الأمور وتختلط الأوراق.

ثانياً: إنَّ خيار الأغلبية سوف يؤدي إلى تفكّك وانقسام وتشظي المكون السياسي والمجتمعي الأكبر، أي المكون الشيعي، ما يجعل بناءات الأغلبية هشّة وعرضة للانهيار في أيِّ وقت، وقد لا تدوم طويلاً، مثلما يتوقع ويتنبأ البعض، وخصوصاً أن الطريق شائك ووعر، وفيه الكثير من قنابل الخلافات والتقاطعات الموقوتة بين تحالفات تشكَّلت في جانب منها على عجل، واستناداً إلى ردود أفعال ونقاط التقاء تمتزج وتختلط معها نقاط افتراق كامنة.

ثالثاً: إن وجود معارضة قوية – سياسياً وبرلمانياً وشعبياً – تمتلك القدرة على الضغط والعرقلة والمناورة والتعطيل، في ظل أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية قلقة ومرتبكة، كالأوضاع التي يعيشها العراق، ربما يكون عاملاً معوقاً، في وقت تبدو الحاجة ملحّة جداً إلى إيجاد فضاءات واسعة تتيح التوصل إلى حلول ومعالجات حقيقية للمشاكل والأزمات القائمة، والحؤول دون تكرار الأخطاء السابقة وتجنب الوقوع في المطبّات نفسها.

ويُخطئ من يفترض أنّ التفكّك والانقسام والتشظي الشيعي يمكن أن يعود بمكاسب على المكونين السني والكردي. قد تكون هناك أجندات ومخطّطات خارجية تستهدف إضعاف المكون الشيعي عبر تفكيكه وإبعاد قواه الرئيسية عن إيران، وقد تدفع أطراف إقليمية ودولية بعض القوى السنية والكردية بهذا الاتجاه، لكنَّ خلط الأوراق وبعثرتها خارج السياقات الطبيعية، ووفق المنهج البريطاني الاستعماري الشهير “فرق تسد” (divide and rule)، سينعكس سلباً على الجميع، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً.

من غير الممكن أن تُعالج أخطاء المراحل والتجارب السابقة وسلبياتها في ظلِّ البيئة نفسها، وبالأدوات والأطراف والظروف نفسها التي أوجدتها وأنتجتها ورسّختها وكرّستها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إنَّ كسر قوالب التوافقية المحاصصاتية ينبغي أن يكون بالتدريج، وأن يترافق معه التأسيس لقواعد ومرتكزات رصينة لخيار الأغلبية ومفهومها، تبدأ من الآن لتنضج وتتكامل بعد دورتين أو 3 دورات برلمانية، لكن من الخطأ الفادح أن ينتهي كل ذلك الجدل والسجال إلى المعادلات نفسها شكلاً ومضموناً، وكأن شيئاً لم يكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى