مقالات

التموضع الروسي في سوريا ومصالح تركيا وإيران

الإباء / متابعة

التقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في العاصمة طهران، يوم الإثنين 15-11-2021، نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، كما التقى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في زيارة تهدف إلى وضع رؤية استراتيجية وتطوير خريطة طريق شاملة للتعاون بين البلدين في القضايا الأمنية والإقليمية، وتحديداً حول المستجدات في الوضع القائم في سوريا بصورة خاصة.

هذا ما أكده الرئيس الإيراني، معتبراً أن “على البلدين وضع خارطة طريق للنهوض بالعلاقات إلى مستوى التعاون الشامل بين البلدين”. في المقابل، ذكر جاويش أوغلو أنَّ “العقوبات المفروضة على إيران ظالمة، ويجب العمل على رفعها”، في دلالة واضحة على توجيه رسالة إلى أكثر من طرف معني، ولا سيما الروسي.

التقارب الإيراني والتركي ليس وليد الصدفة، كما أنه ليس نتيجة لمرحلة آنية ظرفية تجمع البلدين، بل يبدو أنه تأسيس استراتيجي يحاكي تطورات المنطقة المقبلة، فدخول الروسي في الحرب الدائرة في سوريا لا يهدف إلى تأمين نقاط لروسيا في المياه الدافئة على البحر الأبيض المتوسط أو إنشاء قاعدة عسكرية جوية في منطقة حميميم السورية فحسب، بل أتى أيضاً ليكرّس واقعاً جيوسياسياً يتماشى مع نظرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

كذلك، فرمل التدخل الروسي الطموح التركي بالتوسع في العمق السوري، الأمر الذي أحدث أكثر من صدام بين الطرفين، واستدعى أكثر من لقاء عاجل بين الرئيس رجب الطيب إردوغان والرئيس بوتين. ورغم اللقاءات المتكررة بينهما، فإنَّ اللاتوافق كان سيد الموقف، وخصوصاً أنَّ الإصرار الروسي على تحرير الشمال السوري لا نقاش فيه.

برزت رؤية تركيا وإيران في سوريا منذ اندلاع الأزمة في العام 2011، إذ عمل كلا الطرفين على تحقيق الأهداف التي دفعتهما إلى ربط الاشتباك حفاظاً على المصالح المشتركة، وتجنباً لأي تصعيد عسكري قد يسمح لأعدائهما باستغلاله وقلب مقاييس الصراع، فإيران اعتبرت أن محاصرة “إسرائيل” تنطلق من الجولان السورية عبر إنشائها مقاومة رديفة لحزب الله، إذ تستطيع من خلال “سياسة الردع” التي تعتمدها تجاه “إسرائيل” إفشال مخططها عبر قيامها بضربة مباغتة لمنشآتها النووية. في مقابل التموضع الإيراني، يعمل التركي في سوريا على إيجاد “حدود آمنة” أشبه بـ”حزام أمني” في عمق 30 كلم في الداخل السوري، لإبعاد خطر العمليات الكردية المتكررة على الداخل التركي والمهددة للأمن القومي.

تتعاطى روسيا مع تركيا وإيران بطريقة الصديق الحذر الَّذي عليه أن يتوقع دائماً أن يصل معهما إلى نقطة اللاعودة في أي الحرب. لقد كادت العلاقة بين الروسي والتركي أن تنزلق إلى صدام عسكري في أكثر من أزمة، لولا ترك المجال للدبلوماسية لإنقاذ الوضع بالطريقة المناسبة، بدءاً من أزمة إسقاط طائرة “السوخوي 35” الروسية من قبل الطائرات التركية، وصولاً إلى اللقاء الأخير بين الرجلين في سوتشي على البحر الأسود في 29-9-2021، والذي انتهى بعبارة “نبقى على تواصل”، من دون الوصول إلى تفاهمات حول مصير إدلب.

روسيا تجد في إيران وتركيا حاجة أساسية لنزاعها مع الغرب، ولا سيما أن الأزمة في البحر الأسود قد تتحول إلى صدام عسكري بسبب الاستفزازات المتوالية التي تقوم بها القوات الغربية في أوكرانيا. هذا ما يجعل روسيا متمسكة بأفضل العلاقات معهما، لما لدورهما الفعال والمؤثر أيضاً في الحرب الدائرة في إقليم ناغورنو كاراباخ، إذ تريد روسيا هدوءاً نسبياً كي لا يشكل لها عبئاً إضافياً في نزاعاتها على أكثر من جبهة.

أخيراً، قد تقدم روسيا على بعض التنازلات في سوريا لمصلحة تركيا وإيران، مع اشتداد الضغوط الغربية عليها في أكثر من جبهة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على دور كل من تركيا وإيران في سوريا بما لا يتمناه العدو الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى