مقالات

6 أسباب في 6 جهات ليست منها بيروت وراء أزمة افتعلتها الرياض

محمد سعد

إبان اندلاع الأزمة بين لبنان والسعودية، كان السؤال الذي يطرح نفسه: هل من المنطقي والمعقول أن تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي قبل أن يصبح وزيراً للإعلام يمكن أن تؤدي إلى هذه المواقف السياسية السعودية المتطرفة؟ وهل موقفه المعلن في برنامج تلفزيوني يستدعي هذه الأزمة الكبيرة، إلى درجة تلويح السعودية بإجراءات سياسية واقتصادية ومالية ضد لبنان؟

ثمة حقيقة لا جدال ولا نقاش فيها، مفادها أن الانشغال بتصريحات الوزير قرداحي هو تعمية مقصودة عن الأسباب الحقيقية وراء تطرف الموقف السعودي إزاء لبنان، وأعتقد أنَّ الرياض كانت ستخلق الذريعة المناسبة لافتعال الأزمة مع لبنان للذهاب إلى أقصى حدٍ فيها للانتقام منه، وتحديداً قوى المقاومة والممانعة التي لها موقف واضح تجاه السياسيات السعودية المدمرة على مستوى الوطن العربي، وشواهد ذلك كثيرة في سوريا والعراق والبحرين ولبنان والسودان وليبيا، واللائحة تطول وتطول، ولا تنتهي، ولن تنتهي.

أسباب 6 تكمن في 6 جهات ليس من ضمنها العاصمة اللبنانية بيروت وراء الأزمة المفتعلة، وتبعد آلاف الكيلومترات، وهي طهران ومأرب وبغداد وواشنطن والرياض والكيان الصهيوني.

أولى الأسباب الستة تكمن في المفاوضات الشاقة والصعبة والمثقلة بالملفات، والتي بدأت في نيسان/أبريل الماضي في العراق بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية، إذ تسعى الأخيرة إلى تحسين وضعها التفاوضي ودعمها بالأوراق التي ترغب في استخدامها، والتي تفتقدها الرياض.

لذا، تشكل بيروت إحدى الساحات التي يمكن الضغط من خلالها، وخصوصاً مع اقتراب تحرير حركة “أنصار الله” لمحافظة مأرب اليمنية، ما يشكّل نكسة كبرى للسعودية، وحصاداً مراً لحربها العدوانية التي تشنها على اليمن وأهله منذ سنوات، إذ تنفق الرياض وحلفاؤها، وفق تقدير مركز “ويلسون” الأميركي، على حربها العدوانية في اليمن مبلغ 200 مليون دولار يومياً، تتولى السعودية تغطية معظم هذه التكاليف، فالقصة ليست كما تدعي السعودية التي غرقت في بحر تناقضاتها وتخبطها، إذ قال وزير خارجيتها فيصل بن فرحان في حوار على قناة “CNBC”، ما حرفيته: “لا يمكن وصف ما جرى بين السعودية ولبنان بالأزمة، عقب تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي”، بل توصّل إلى خلاصة بأنَّ “التعامل مع لبنان وحكومته الحالية لم يعد مثمراً أو مفيداً”، على حد تعبيره.

وأضاف: “مع استمرار سيطرة حزب الله على المشهد السياسي، ومع ما نراه من امتناع مستمر من هذه الحكومة والقادة السياسيين اللبنانيين عامة عن تطبيق الإصلاحات والإجراءات الضرورية لدفع لبنان باتجاه تغيير حقيقي، قررنا أن التواصل لم يعد مثمراً أو مفيداً، ولم يعد في مصلحتنا”.

ثاني الأسباب الستة يكمن في الحاجة السعودية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتهدئة الاندفاعة الكبرى لحركة “أنصار الله” والجيش اليمني ومنع تحريرهما لمأرب، إذ يعتقد السعوديون أنَّ طهران تحظى بنفوذ كبير يتيح لها التأثير في حركة “أنصار الله”، وأن هذه الأخيرة تأتمر بأوامرها، وبالتالي دفعها إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض مع الرياض، وهذا اعتقاد خاطئ وجهل كبير باليمن وأهله.

ولعل السعوديين يجهلون التاريخ وقراءته، وهذا ليس بجديد أو غريب، فاليمن كان الساحة الوحيدة العصية على السقوط في قبضة أكبر القوى الدولية الاستعمارية التي احتلت المنطقة ردحاً طويلاً من الزمن.

ثالث الأسباب الستة يتمثّل بالانتصارات الكبرى التي تحققها حركة “أنصار الله” ودخولها إلى محافظة مأرب واقتراب تحريرها، ما يعني عملياً تحرير القسم الشمالي من اليمن، وهذا ما سيؤدي حكماً إلى سيطرة حركة “أنصار الله” على بحر العرب وخليج عدن وباب المندب وقسم مهم من البحر الأحمر والممرات والطرق المؤدية إليه، الأمر الذي يخشاه السعوديون، لأن ذلك سيدفع اليمنيين، في اعتقادهم، إلى المطالبة باستعادة مدن نجران وعسير وجيزان التي سلخت عن اليمن وألحقت بالسعودية نتيجة اتفاقية الطائف في العام 1934، وتطورت مع اتفاقية جدة في العام 2000، إذ احتلت الرياض بالكامل المدن الثلاث.

كما يخشى السعوديون أن تحرير مأرب سيفتح الباب على مصراعيه لتهديد استغلالها مواقع في محافظة المهرة لمد أنبوب نفط استراتيجي وإنشاء ميناء نفطي سيكفلان لها الاستغناء عن مضيق هرمز الذي تسيطر عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما سيؤدي عملياً إلى فشل الحرب العدوانية السعودية على اليمن، المستمرة منذ آذار/مارس 2015، والتي روَّجت الرياض في حينها أن الحرب ستحسم لمصلحتها خلال عدة أسابيع، الأمر الذي ستكون له تداعيات استراتيجية كبرى في المنطقة العربية عامة، ومنطقة الخليج بشكل خاص.

رابع الأسباب الستة يتمظهر في الخوف السعودي المتصاعد من الموقف الأميركي الذي اعترف بحركة “أنصار الله” كطرف شرعي في اليمن، فضلاً عن إلغاء تصنيف الحركة كحركة “إرهابية”، والتي فرضتها إدارة ترامب، وإنهاء الدعم الأميركي لكل العمليات العسكرية الهجومية وما يتعلق بها من صفقات تسليح، ودعم جهود الأمم المتحدة لحل “النزاع” وفق التوصيف الأميركي، ودعوة الرياض لوضع حد للمأساة الإنسانية التي سببتها حرب اليمن، إذ شكل الموقف الأميركي من السعودية واليمن تطبيقاً عملياً لما ورد في تقرير مجموعة الأزمات الدولية، والتي يرأسها روبرت مالي، وهو الذي يشغل المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران في إدارة بايدن، فضلاً عن الموقف الذي أدلى به بايدن عقب ترشحه إلى انتخابات الرئاسة الأميركية في النصف الثاني من العام 2020، والذي قال فيه إنه سيعاقب ابن سلمان على جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

وقد تمظهر ذلك في نشر مقتطفات من تقرير الاستخبارات الأميركية بعد انتخاب بايدن رئيساً، والذي يشير إلى مسؤولية ابن سلمان من خلال المقربين منه عن جريمة قتل خاشقجي وتقطيعه بالمنشار. لذا، تحتاج السعودية إلى إحداث زوبعة من رمال صحرائها الملطخة بدماء عشرات الآلاف اليمنيين، في محاولة يائسة لإعادة تقديم أوراق اعتمادها وطاعتها لسيدها الأميركي، باعتبارها إحدى أهم الدعامات الأساسية، وواحدة من مثلث العدوان مع الكيان الصهيوني وتركيا، باعتبارهما العصا الضاربة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

خامس الأسباب الستة، نوجزه بالأزمة الداخلية الكبيرة التي يعاني منها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والتي تكبر يوماً بعد يوم، إذ فرضت عليه اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لحماية نفسه، ولا سيما بعد الإجراءات القمعية التي قام بها بحجة مكافحة الفساد واستعادة المال العام (علماً أنه ليس هناك مال عام في السعودية، بل المال هو مال العائلة الحاكمة)، والتي استهدفت العديد من الأمراء النافذين في المملكة بغية إخضاعهم لمبايعته، ما أدى إلى نقمة كبيرة في صفوفهم تجاه ابن سلمان، وسعي بعضهم للانتقام منه. لذا، إنَّ إثارة الأزمة مع لبنان وتكبير بحصتها من بوابة المقاومة ومحورها، يستتبع تكتلاً جماعياً للعائلة المالكة خلف ابن سلمان المأزوم والمعزول والمحاصر داخلياً وخارجياً.

سادس الأسباب، كما يظهر بوضوح، أنّ الحرب التي تخوضها الرياض ضد المقاومة وقواها في المنطقة عموماً، ولبنان خصوصاً، تشكل معبراً طبيعياً للذهاب باتجاه “السلام” مع الكيان الصهيوني والتطبيع معه، وهذا ما ظهر في الزيارات المعلنة المتبادلة جهاراً نهاراً للكثير من السعوديين والصهاينة إلى السعودية والكيان الصهيوني، في سياقٍ يؤدي إلى الالتحاق السعودي بما يسمى زوراً “السلام الإبراهيمي”، وباعتبار الكيان الصهيوني الصديق الحميم والحليف المخلص الذي يشكّل الموئل في ردع “الخطر الإيراني” المزعوم.

أزمة بذريعة تصريح وصف الحرب السعودية على اليمن بـ”الحرب العبثية”، وهي ليست عبثية فقط، هي حرب عدوانية بتوصيف القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والمواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة، هي حرب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، جرائم الإرهاب السعودي المتنقل الذي ضرب في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء والكثير من أسماء الشرف العربية التي فضحت مملكة العدوان في حروبها المستمرة لقتل العرب كل العرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى