مقالات

4 اعتبارات تعزّز المكانة الاستراتيجية لآسيا الوسطى

محمد علي الفقية

بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان في منتصف اَب/أغسطس من العام الجاري، برزت من جديد القيمة الاستراتيجية لـ”اَسيا الوسطى”، فتحوّلت إلى منطقة تجاذب دولية، أطرافها قوى كبرى، مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، أو بعض القوى الإقليمية الصاعدة، كتركيا وإيران.

بقيت منطقة “اَسيا الوسطى” مدةً طويلة خارج متناول الأوروبيين بعد أن فقدت قيمتها في عهد الاتحاد السوفياتي، فبقيت العلاقات بين أوروبا وهذه المنطقة أضعف كثيراً من العلاقات التي أقامتها الأولى مع الشرق الأوسط والقوقاز.

عقب تفكُّك الاتحاد السوفياتي، وخلال حقبة التسعينيات، شهدت منطقة آسيا الوسطى والقوقاز تراجعاً واضحاً لروسيا في مواجهة نمو متزايد في النفوذ الأميركي، فلقد رأت القيادة الروسية آنذاك أن الجمهوريات الإسلامية السوفياتية في آسيا الوسطى والقوقاز تمثّل عبئاً على روسيا. وبدا كأن روسيا تريد أن تتنصّل من علاقاتها بهذه المنطقة، والتي دامت قروناً.

حتى طبعة عام 1993، كان قاموس “الجيوبولتيك” لا يشير إلى “اَسيا الوسطى”، بل يشير فهرسه إلى: اَسيا، اَسيا الجنوبية، اَسيا الجنوبية الشرقية، اَسيا الصغرى، الصحراء والتتار.

فقبل تأسيس الاتحاد السوفياتي، كانت هذه المنطقة جزءاً من “تركستان” الغربية. أمّا تركستان الشرقية، فتُطلَق على إقليم سينكيانج الصيني.

هناك أسباب إثنوغرافية وسياسية واستراتيجية قوية فرضت إخراج هذه الكلمة، “تركستان”، بالتدريج من الاستعمال، منذ عشرينيات القرن الماضي. ودفعت القادة السوفيات إلى أمرين:

تقسيم تركستان كوحدة جغرافية إلى خمس جمهوريات، والاستعاضة عنها بعبارة “اَسيا الوسطى”. فمنذ فترة (19241936–)، قامت جمهوريات سوفياتية: أوزباكستان في الأراضي القديمة لتركستان، وفُصلت طاجيكستان عن أوزبكستان، وباتت جمهورية عام 1929. وحصلت كل من كازاخستان وقيرغيزستان على كيان جمهوري عام 1936.

أعلنت هذه الجمهوريات، بعد استقلالها عام 1991، رسمياً، أنها جزء من اَسيا الوسطى عام 1993.

استبعد الاتحاد السوفياتي التعبير الخطير، “تركستان”، من معجمه السوفياتي، وتم شطبه، لأن وجود منطقة اسمها “تركستان” غير ممكن، لأن ذلك يدلّل، على نحو فاضح، على العودة إلى تركيا الكبرى. فإلغاء كلمة “تركستان” له أكثر من دلالة، منها حرمان سكان هذه المنطقة من حقّهم في تحديد هويتهم الذاتية.

إن هذه اللحظة، أي لحظة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، لها أبعادٌ تتخطّى تفاصيل الانسحاب والاتفاق مع “طالبان”، وهروب حكومة أشرف غني، وتصل إلى الأهمية الاستراتيجية لاَسيا الوسطى. فهناك 4 اعتبارات تجعل آسيا الوسطى ذات مكانة استراتيجية، فهي قلب آسيا، وقريبة من مجموعة من الكتل الجغرافية والتكتلات السياسية.

الأولى: جمهوريات اَسيا الوسطى لها وضعٌ جغرافي خاص بها، فهي تشكل جزءاً مما سمّاه الجغرافيُّ البريطاني، السياسي هالفورد ماكيندر، “المِحورَ الجغرافي للتاريخ”، و”قلبَ الجزيرة العالمية”، التي يسيطر على العالم مَن يسيطر عليها لأجَل محدَّد، بحسب رأيه.

ثانياً: على المستوى الآسيوي، تقع المنطقة على تماس مباشِر مع روسيا والصين وإيران وتركيا، وتطل على شبه القارة الهندية. وتشكّل، في الوقت نفسه، منطقة عازلة تحدّ الاحتكاكَ المباشر بين هذه القوى الآسيوية الإقليمية. فهي تقع في قلب الكتلة القارية الأوروبية –  الاَسيوية من الناحية الجغرافية، وهي في ملتقى طُرُق حضارات ألفية وطُرُق تاريخية للتبادل، اقتصادياً ودينياً وثقافياً، بين أوروبا والشرق واَسيا (محور شرق –  غرب) و(طريق الحرير)، وبين الشرق والعالم السلافي (محور شمال –  جنوب). وتعلو فوق شبه القارة الهندية، وتستند في ظهرها إلى الشرق الأوسط والصين، وتمتد على طول “الحديقة الخلفية”، أو “الخاصرة الضعيفة” لروسيا، بحيث يمكن اعتبارها جسراً جغرافياً واستراتيجياً بين اَسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

ثالثاً: تطل أغلبية منطقة آسيا الوسطى على بحر قزوين الغني بالنفط والغاز، إذ تتعدّى احتياطياته أكثر من 150 مليار برميل من النفط، وتقدَّر احتياطياته من الغاز الطبيعي بأكثر من 75 ألف مليار متر مكعب.

 رابعاً: المساحة الكبيرة التي تتربَّع عليها منطقة آسيا الوسطى، نحو 4 ملايين كلم، هي أكبر من مساحة دول أوروبا، أو ما يعادل 8 مرات مساحة فرنسا، وتسكنها شعوب ولغات وأعراق متنوعة. فطاجيكستان تبلغ مساحتها 143,100 كم مربع، وتبلغ مساحة كازاخستان 2,7 مليون كيلومتر مربع، وتضم ثلثي أراضي اَسيا الوسطى.

وعلى الرغم من هذه المكانة الاستراتيجية فإن هناك عوائق رئيسة تهدِّد سيادة هذه الدول:

1 ـ إن الانغلاق الجغرافي، والذي يشكّل إحدى المشاكل الرئيسة، هو ما يميّز اَسيا الوسطى، إلى جانب أفغانستان ومنغوليا، عن الشرق الأوسط وجنوبي اَسيا وغربيّها. فهي المنطقة الأكثر بعداً عن البحار المفتوحة (200 كلم عن البحر الأسود وعن الخليج)، وعن المحيطات (5000 كلم عن الباسفيك). وتضم اَسيا الوسطى دولة من أكثر الدول انغلاقاً في العالم، وهي أوزباكستان، التي ليس لها حدود مشتركة إلاّ مع دول أخرى مغلقة أو محصورة.

2 ـ يعتبر بعض المؤرخين أن السلطات السوفياتية انطلقت في تقسيمها بلدان اَسيا الوسطى من منطلق قاعدة “فَرِّقْ تَسُدْ”، وحتى لا تكون أي من هذه الجمهوريات قابلة للحياة خارج النظام السوفياتي.

فكيانات اَسيا الوسطى هي كيانات مزعزَعة بفعل الترسيم المعقَّد للحدود، وبفعل خلق المغالق وإيجاد أقليات إثنية مهمة فوق أراضيها. ومن الأمثلة على ذلك أن مدينة أوك، ذات الأغلبية الأوزبكية، أُلحقت بقيرغيزستان. ونجد أقلية أوزبكية في الجمهوريات الأربع من اَسيا الوسطى وأفغانستان.

فالقوميات، التي تعيش خارج جمهوريتها والتي تحمل اسمها، تشكّل مصدراً مهماً للمشاكل الكامنة. ويشكل الروس المنتشرون في منطقة اَسيا الوسطى (37.8 %) من عدد سكان كازاخستان، وقيرغيزستان (21 %)، وتركمانستان (9 %)، وأوزبكستان (8 %)، وطاجيكستان (8 %).

ولا ننسى الضعف السكاني لجمهوريات اَسيا الوسطى، التي يقدَّر عدد سكانها بنحو 90 مليوناً. وإذا قارنّا عدد سكان اَسيا الوسطى بعدد سكان جيرانهم القريبين (إيران، روسيا، باكستان، الهند، الصين)، فإن اَسيا الوسطى ستبدو كفراغ حقيقي محاط ببقاع ممتلئة.

لهذا، من الصعب تحديد أيّ هوية لاَسيا الوسطى ضمن جمهورياتها. وخير مثال على هذه المشكلة هو وادي فرغانة الموحدة، على الصعيدين الجغرافي والتاريخي، والتي قُسِّمت بين 3 جمهوريات: أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان. فأيّ إثارة لواقع اَسيا الوسطى بمنزلة من يفتح علبة الباندورا، أو يفجر برميل بارود.

3 ـ شكّلت منطقة اَسيا الوسطى منطلقاً لإمبراطوريات أكثر مما كانت “مركز إمبراطوريات”. فكانت إطاراً لملتقى الطرق بين المناطق الصينية والروسية والإيرانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى