مقالات

“ميتا” وإعادة إنتاج العالم

محمد سيف الدين

بالنسبة إلى الأجيال المعاصرة، والمولودة قبل العقد الأخير من القرن الماضي، فإن اختبار الإنترنت كتحولٍ جذري في وسائط الاتصال والإعلام والأعمال، كان تحدياً كبيراً يبعث على الارتباك والتردُّد، نظراً إلى اتّسامه بالتشوّشٌ والضبابية، بالإضافة إلى جِدّته التي شكّلت صاعقةً معرفية بالنسبة إلى تلك الأجيال.

ويعود السبب في هذا الارتباك، الذي رافق بزوغ نجم الإنترنت، وتالياً مواقع التواصل الاجتماعي، إلى حقيقة مفادها أن هذه الأجيال اختبرت الحياة الواقعية التامّة من دون وسائل “اتصالٍ افتراضي”، وإن كانت عرفت وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية منذ عقودٍ سبقت ذلك، لكن هذه الأخيرة كانت وسائل حقيقية، في كل عناصرها وتقنياتها. وإن شكّلت ثورةً في سرعة الاتصال وانتشاره وتطوره، غير أنها لم تشكّل انقلاباً على النمط السابق، وإنّما سرّعت وتيرته، وأتاحته لمزيد من البشر، وفي مساحة أكثر اتساعاً حول العالم.

لكن، مع ظهور الإنترنت، اختلف الأمر. كان انقلاباً كبيراً وثورةً بالغة التقدم فيما يخص وسائل الاتصال والإعلام، على وجه التحديد. لقد مكّنت هذه التقنية العالم من اختبار حياةٍ جديدة أكثر سرعة وأوثق ترابطاً، ودفعت معدّلات النمو في مختلف مجالات النشاط البشري إلى مستوى آخر وبعيد، لم تشهده من قبل. وكان لسمة التشوُّش، التي أفرزها هذا العالم، فعلُها في فرز الناس بين رافضٍ لهذا التحول، يرى في هذا النمو وبالاً على البشرية، وبين مؤيدٍ مزهوّ بنبوغ الإنسان، الذي أوصله إلى هذه المرحلة في الإبداع والاختراع.

الواقع الافتراضي

مع شيوع استخدام الإنترنت، وتحوُّله إلى المسرح الفعلي الذي يجري عليه مقدار مهم من النشاط البشري، تولّدت ديناميات متعددة من العلاقات والتفاعلات التي امتدت من التواصل، شخصياً وفردياً وجماعياً، إلى التواصل، عملياً وتجارياً ومالياً… إلخ. وسُمّيت هذه الديناميات المتفاعلة بتسارعٍ مطّرد بـ”الواقع الافتراضي” (VR Virtual Reality).

لقد تكوّن في الشبكة عالمٌ موازٍ للعالم الفعلي الذي تجري فيه الأحداث، مثلما كانت تجري طوال التاريخ. وهذا العالم، كان مغايراً تماماً، بحيث يشكّل انعكاساً مساعداً لتفاعلات العالم الحقيقي، ومحفزاً له، وأحياناً قائداً له.

سمحت هذه التقنية للمستخدمين بتجربة لم تكن ضمن توقعات البشر قبل وقتٍ ليس بعيداً، بحيث أدّى الحاسوب دوراً أساسياً في عكس واقع مستجد على الواقع الحقيقي، وسمح للمستخدمين بمحاكاة بيئات وفرضيات واحتمالات غير موجودة في العالم الحقيقي، على نحو ملموس، وأمكن  الحاسوب من إجراء عمليات تقنية كانت ستتطلب زمناً أطول بما لا يقاس، فيما لو بقيت ضمن وكالة الإنسان. ومن الناحية المتعلقة بالتواصل الاجتماعي، فإن الواقع الافتراضي مكّن المستخدم من صنع هوية موازية لهويته الحقيقية. هوية يصنعها كما يشاء، ويخرج بها افتراضياً في الفضاء العام، ثم ما لبثت هذه الإمكانات، التي وضعتها هذه التقنيات في أيدي المستخدمين، أن تحوَّلت إلى عالمٍ موازٍ قائمٍ في ذاته.

كان واقعاً غير موجود، لكنه في حقيقة الأمر كان تطوراً لا يمكن إغفاله، أو تجاوزه في مسيرة البشرية. فمن حاول المواجهة سرعان ما استسلم لمخرجاته، ومن حاول الاندماج سرعان ما وجد نفسه متأخراً بفعل التسارع اللحظي للمستجدات والأحداث المرتبطة بهذا المجال.

لقد تحول العالم الافتراضي، خلال سنواتٍ قليلة من عمر هذا الكوكب، إلى واقع يَقضي فيه البشر معظم أوقاتهم، بين العمل والدراسة والترفيه وغير ذلك، لكنه بقي هشّاً في كل مرةٍ يوضع في الكفة الأخرى من ميزان المقارنة مع الحياة الحقيقية، التي بقيت تمثّل للناس الحقيقةَ المطلقة التي لا يمكن للتطور تجاوزها أو ضرب قوانينها المتجذرة، وإنما يمكن تحويلها ورسم مسارات جديدة لها.

لقد وفّر الواقع الافتراضي بيئةً لصناعة الأفكار والأنشطة، أكثر وفرةً وخصوبة من البيئة الحقيقية، وخصوصاً عندما تجاوزت حدود إمكان الكائن البشري الحقيقي للتواصل مع الآخرين. ففي حين كان الإنسان محكوماً بمحدودية قدرته على التواصل مع الآخرين عددياً، ومحدودية الزمن المتاح له، وهو عدد ساعات يومه، تمكّن الواقع الافتراضي من خلق بيئةٍ لا تنام، تستمر فيها كل أشكال التفاعلات طوال الوقت، ومن دون توقف. وهذا ما جعل العالم الافتراضي يتجاوز محدودية الوقت إلى فضاءٍ لانهائي من الزمن الذي يترك في يد المستخدم احتمالاتٍ جديدة كلياً. لكن الأكثر أهمية من ذلك، كان الإتاحة التي وفّرها الواقع الافتراضي للمستخدمين من أجل أن يوضّحوا أفكارهم، وفق طريقةٍ مغايرة وأكثر فاعلية. لقد قفزت هذه التقنية، في مختلف أنواع الأعمال التي استفادت منها، إلى مستوى جديد كلياً من الإنتاج، فولدت برامج التصميم والتجارة والصناعة، وتوسعت آفاق الخدمات، وتداخل العالم الحقيقي بالعالم الافتراضي ضمن أبعاد ثلاثية تستجيب للمستخدمين بطريقة طبيعية، ولا حصر للمجالات التي استفادت من هذه التجربة، التي شملت الطب والتعليم والتجارة والترفيه… لقد تمّ، من خلال هذه التقنيات، عرض العالم على الشبكة، بعد أن غصّت وسائل الإعلام التقليدية بموادها، وبقيت حبيسة الساعات الـ24 يومياً والصفحات المعدودة على الورق.

ظهرت إرهاصات الواقع الافتراضي في الثمانينيات من القرن الماضي، حينما بدأ تطوير أجهزة ناقلة للبيانات. لقد أصبحت هذه التقنية الثورة المقبلة في الاتصال والإعلام والأعمال، على حدّ سواء، لكن ذلك لم يكن نهاية المطاف. وما هي سوى سنوات قليلة حتى ظهرت تقنية “الواقع المعزَّز” (Augmented Reality AR).

الواقع المعزّز

ظهرت هذه التقنية في السنوات الأخيرة لتشكل المرحلة المتطورة من الواقع الافتراضي، والتي أرادت تعزيز قدرة هذا الأخيرة على الاقتراب من الواقع الحقيقي والاندماج فيه. وبسرعة، دخل الواقع المعزز مختلفَ مجالات النشاط عبر الشبكة، لتشكل المستوى الجديد من الثورة الرقمية التي تتسارع من دون قدرة البشر على اللحاق بمجمل تفصيلاتها وفهمها بصورةٍ تامة. لقد أحدث هذا التطور قفزة جديدة في السباق الذي تخوضه الأجيال الحالية مع التطورات والابتكارات الجديدة، ومع نفسها أولاً وآخراً.

والواقع المعزّز هو في الحقيقة تطوير للواقع الافتراضي، أي أنه يضيف إلى هذا الأخير مزيداً من خصائص الواقع الحقيقي ومميزاته، حتى يصبح أكثر شبهاً به واندماجاً معه. وتعزز هذه التقنية الواقع الافتراضي بمعطيات افتراضية جديدة لم تكن جزءاً منه، فتصبح الحقيقة التامة مزيجاً من الوقائع الحقيقية والوقائع الافتراضية التي أنشأها الحاسوب.

يحاول الواقع المعزز أن يردم الهوة الموجودة بين الواقعين الحقيقي والافتراضي، بحيث لا يترك فارقاً في التجربة بين الحقيقة وما أضيف إلى الافتراض من معطيات معززة. وتخدم هذه التقنية اليوم في مختلف المجالات، وأحدثت قفزةً جديدة تُضاف إلى الواقع الافتراضي. لكن هذا التطور لم يكن الأخير، فمع التنامي والتسارع في وتيرة التقدم التكنولوجي ونوعه، اندمجت بيئات العلوم والصناعات والهندسة والعسكر والطب والترفيه… اندمجت كلها في وجودٍ واحد يجمع بين الحقيقة وأدوات الواقع المعزز.

لم تكن جذور التقنية جديدة، فهي تطورت بموازاة تطور الإنترنت نفسه، لكنها انتقلت لتشكل موضة وسائل الاتصال عبر الشبكة في السنوات القليلة الماضية. لقد بدأت التطبيقات النقالة للواقع المعزز بالظهور في عام 2008، وكان مجال الخرائط والتواصل الاجتماعي أول المستفيدين من هذه التقنية. كما أن استخدامها التدريبَ، في الطب والمجال العسكري، هو الأكثر تقدماً.

وتعتمد تقنية الواقع المعزز على تطوير الواقع الافتراضي إلى درجة يمكنه معها جمع عناصر الواقع الحقيقي مع العنصر الافتراضي الملائم لها والمخزَّن مسبَّقاً في ذاكرته؛ أي تعزيز الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي بمعطيات مخزَّنة سابقاً، تجعل التجربة شاملة لكل هذه العناصر معاً. ويمكن الحديث هنا عن معلومات عن الأمكنة أو تاريخها، أو فيديوهات تعريفية تغذي تجربة المستخدِم بصورةٍ أكثر تعمقاً من الواقع الحقيقي المجرد نفسه، وأكثر غنىً بالتأكيد من الواقع الافتراضي التقليدي. وهناك طريقتان لعمل الواقع المعزز. ففي حين تعتمد الطريقة الأولى استخدام “علامات” تستطيع الكاميرا التقاطها وتمييزها من أجل عرض المعلومات المرتبطة بها، تستعين الطريقة الثانية بالموقع الجغرافي عن طريق خدمة (GPS)، أو ببرامج تمييز الصورة (Image Recognition) لعرض المعلومات.

ميتافيرس

مع الجريان المتوثب نحو المستقبل، والسباق الذي لا نهاية له نحو التطور، قفزت الشركة المطورة لموقع التواصل الاجتماعي الشهير “فايسبوك”، والتي تمتلك أيضاً منصتي “واتس آب” و”إنستغرام” قفزةً عملاقة نحو عالم جديد من عوالم الاتصال الحديث. وكان العنوان الإعلامي لهذه القفزة هو تغيير اسم الشركة لـ”ميتا”، اختصاراً للتعبير، “ميتافيرس”؛ الاسم الجديد لشركة “فيسبوك” الأم، وهو عالم رقمي مستقبلي يراد له أن يكون الحقيقة المستقبلية بدلاً من – وبالإضافة إلى – تقنيات الواقعين الافتراضي والمعزز، وحتى للواقع الحقيقي المجرد نفسه. فكيف يكون ذلك؟

“ميتا” مشتقة من “ميتافيرس”، وهو أحد العوالم المستقبلية للإنسان الجديد الذي تعمل عليه “فايسبوك” سابقاً – “ميتا” حالياً – على نحو يجعل الإنسان أكثر”online”  عبر دمج العالم الواقعي بالعالم الافتراضي، من خلال إقامة مجتمعات كاملة نتحول فيها من مستخدمين للإنترنت إلى جزء منه.

أعلن رئيس “ميتا” مارك زوكربرغ أن مشروعه الجديد سيكون لمحة عن المستقبل، بحيث يريد أن يوفر للمستخدمين صنع عوالمهم المدمجة بين الافتراض والحقيقة، من أجل أن يتحكموا في مكان عيشهم وعملهم من دون الحاجة إلى الانتقال الجسدي الدائم، الأمر الذي يعني أنه يمكن للإنسان، عند توافر هذه التقنية، العيش في عالمين متوازيين، وحياتين متباينتين، إحداهما في مدينة سكنه الجسدي الحقيقي، والأخرى في مكان عمله مع كامل الخصائص والمميزات التي تجعله يختبر الوجود هناك من دون الإحساس بالفارق بين الواقع والافتراض.

وبالتأكيد، فإن ذلك سوف يتجاوز كل ما هو معروف حتى اليوم من وسائل التواصل الاجتماعي، ويجعلها تبدو ألعاب فيديو قديمة أمام الفضاءات التي سوف تفتح على “العالم الماورائي”. ثم إن هذه الشركة سوف تكون لها القدرة على أن تنشئ متاجرها وأسواقها الافتراضية، والتي ستمكّن المستخدمين من صنع تجربة حقيقية عبرها، من دون أن يكونوا زاروا تلك المتاجر بصورةٍ حقيقية.

وفي الواقع، فإن هذه التقنية الجديدة تحتاج إلى وسائلها المتطورة، وهو ما ستوفره متاجر “ميتا”، والتي قد تكون الخطوة الأولى في مشروع “ميتافيرس” العملاق، بحيث ستُستخدم هذه المتاجر من أجل تعريف الأشخاص بالأجهزة التي صنعها قسم Reality Labs التابع للشركة، مثل سماعات الواقع الافتراضي، ونظارات الواقع المعزز، وهي الوسائل التي سوف تنقل الشركة، من خلالها، مستخدمي خدماتها إلى العالم الجديد.

إن الأخبار المتداولة عن المشروع، وتلك التي أعلنها زوكربرغ نفسه، توحي بأن التجربة ستكون ساحرةً في البداية، لكنها ستتحول مع الوقت لتصبح الواقع الفعلي والذي ستعيشه الأجيال الحالية والمقبلة، والتي كلما كان اندماجها به أسرع لن تكون قادرةً على التصرف من دونه، فيما يشبه تعلّق الأجيال المولودة خلال الألفية الحالية بوسائل التواصل الاجتماعي، بصفتها وسائل اتصال طبيعية لا جدال في استخدامها، ولا تصور للاستغناء عنها، بينما تدرك الأجيال المولودة قبل ذلك إمكان التصرف براحةٍ من دونها. مع “ميتا” ستكون التجربة أكثر قابلية للإدمان، أو بوصفٍ أقل حدة، تكون هذه الأجيال أكثر قدرة على الاندماج في العالم الجديد.

عالم المستقبل

في حين لا يزال المشروع قيد التطوير، فإن انعكاسه على العلاقات البشرية قد يكون حاسماً لناحية التوغل أكثر في العوالم المصطنعة، والتي على الرغم من تطورها والنبوغ الذي تعبر عنه، فإنها تبقى عرضةً للتبخر في لحظة، تماماً كما تتبخر كل تسهيلات المنصات في الهاتف المحمول بمجرد نفاد طاقته.

وبالإضافة إلى ذلك، لا يمكن حصر الآثار المترتبة على هذه الديناميات الجديدة، والتي سوف يفرزها العالم المستقبلي هذا في الجهاز العصبي للإنسان، وفي صحته النفسية في الدرجة الأولى. فتطور علوم الإعلام والاتصال، وسرعة التغييرات التي تُحدثها وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع، وبين المجتمعات، يزيدان بصورةٍ ملموسة في الضغوط النفسية التي تكثر الدراسات التي تُبرز جوانبها السلبية هذه الأيام. كل ذلك يُبرز إلى الذهن مخاطر جديدة من أن يشكل “ميتا” جداراً أكثر ارتفاعاً بين الإنسان وإنسانيته، أو حاجزاً بصرياً بين العين والمرئي، فتعتاد العيون رؤية شاشات الأجهزة بدلاً من وجوه الآخرين، بينما تعتبر ذلك الواقع المستقبلي المأمول.

لكن، على الرغم من كل ذلك، فإن التجربة مع الثورة الرقمية تقول إنها سيل جارف لا إمكان لإيقافه، وإنما فقط لتعديل مساراته، والاختيار من بينها، والانخراط فيها من أجل فهمها وقيادتها تطوراتها قبل محاكمتها.

لكن، كيف يمكن تخيُّل آثار هذا المشروع في السياسة والعلاقات الدولية، وفي وجود الدول في حد ذاتها، وفي سلطاتها الحصرية؟ كيف ستتعامل الدول مع عالمٍ تديره شركات، في تفاصيله الدقيقة، وتفاعلاته اللحظية؟ ما هي هذه الشركات؟ وهل الدور الذي يؤدّيه مؤسسوها الشبان يتلاءم مع حقائق التاريخ؟

مَن هم هؤلاء ليصنعوا عالماً جديداً؟ فـ”ميتافيرس” ليس لعبة فيديو، وإنما هو عالم المستقبل.

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلةً بالقدر الذي قد تبدو عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى