صحافة

بحث محمد بن سلمان عن الشرعية… في حفلات الرقص

الإباء / متابعة

في وقت يفشل فيه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في تحصيل شرعيّة من الخارج، من بوّابة إنهاء المشاريع الاندفاعية التي بدأ بها حياته السياسيّة وخسرها جميعاً، يواصل عمله في الداخل على إعادة هندسة المجتمع، بصورة تستهدف تثبيت وقائع لا يُمكن لأحد تجاوزها، وهو ما يحرز نجاحاً متفاوتاً حتى الآن، يظلّ محفوفاً بمخاطر كبيرة.

كتبت صحيفة الاخبار اليوم الاربعاء: “موسم الرياض”، الذي انطلق قبل أسابيع بإشراف تركي آل الشيخ، و”بتوجيهات سموّ سيدي”، كما يتذلّل آل الشيخ لابن سلمان، يُعدّ واحدة من المحطّات المهمّة لاستقطاب الشباب إلى صفّ ابن سلمان، على طريق فرْض وقائع يصعب تغييرها حتى على الأميركيين الذين كانوا، وربّما ما زالوا، المعنيّين الأساسيّين بمواكبة انتقال السلطة في المملكة، ممّا يضطرهم إلى التسليم ببقاء ولي العهد، كما هو حاصل حتى الآن، ولو من دون التعامل المباشر معه من قِبَل رأس الدولة، جو بايدن.

في التسويق الداخلي، يعتمد ابن سلمان، بصورة أساسية، على آل الشيخ المتخصّصين في عقد الصفقات مع الملوك من أيّام جدهم محمد بن عبد الوهاب.

فلولا سكوت مفتي عام المملكة، عبد العزيز آل الشيخ، لكانت حفلة واحدة من حفلات محمد رمضان مثلاً كفيلة بهزّ العرش، لكن الشيخ الجليل ارتأى التحريض المذهبي للتغطية على العملية الجارية لتحويل المجتمع.

أمّا كيفية تطويع المؤسسة الدينية فلا بدّ أن “المنشار” من جهة، والحياة المترفة من جهة أخرى، لعبا دوراً حاسماً فيها، بحيث أصبح رجال الدين فئتَين: واحدة تُطبّل لابن سلمان وتَنعم بحياة مترفة، وثانية يكفي ألّا تُطبّل، حتى لو لم تُعارض، ليجد المنتمون إليها أنفسهم في السجن مع وعد بالذهاب منه إلى القبر مباشرة.

الشواهد كثيرة، لكن الأكثر نفوراً بينها آل القرني، حيث مات موسى القرني أخيراً في السجن وسط حديث من جانب المعارضة عن أنه تعرّض للتعذيب، فضلاً عن عوض القرني الذي يمكث في الاعتقال ويجري التلويح له بعقوبة الإعدام.

وفي المقابل، يحظى عائض القرني بحياة مترفة أين منها حياة ملوك العباسيين، كما يؤكّد شريط فيديو لوليمة استضاف خلالها نحو عشرين شخصية معروفة على سبع ذبائح، بينما ظهر في شريط آخر وهو يركب المقعد الخلفي لسيارة “رولز رويس”.

ولرجال الدين في السعودية، سواءً كانوا مطبّلين أو غير مطبّلين، ملايين المتابعين على “تويتر” (لعائض وحده مثلاً 19.1 مليون متابع)، وهو ما يجعل لهم وزناً إضافياً في التجاذبات الداخلية.

موسم الرياض”، الذي يسعى تركي لجذب ملايين الشباب للمشاركة في فعالياته، يُراد منه توفير “شرعية” بديلة للمجتمع السعودي، ترتكز دائماً على الأسرة المالكة، ولكن مع نسف التقاليد المتّبعة لانتقال الحكم. وهي استراتيجية صار معروفاً أنها تقوم على فتح البلد إلى أقصى حدّ ممكن على “التغريب”، مع التشدّد في المقابل بأكبر درجة ممكنة إزاء أيّ تعبير سياسي، مهما صغُر.

لكن مهما كانت قوّة التغطية الدينية متوفّرة، فإن عملية “التغريب” تلك تبقى سيفاً ذا حدَّين؛ فإذا سلّمنا جدلاً بأن قسماً كبيراً من الشباب سيمشي خلف ابن سلمان، وهو ما يحصل بالفعل، فماذا عن بقيّة الشرائح العمرية؟

هل يظنّن أحد أن مجتمعاً مغلقاً إلى هذه الدرجة يمكن أن يتخلّى عن عادات عمرها آلاف السنين؟

لا يمكن بعد الوصول إلى استنتاج حاسم حول ما إذا كان “التغريب” سيفيد ابن سلمان، أم يضرّه، لكن العملية بلا شكّ تحظى إلى الآن بتأييد نسبة كبيرة من الشباب غير المعتادين على هذا القدر من الحرية (غير السياسية).

مع ذلك، لم تشفع إعادة الهندسة المُجتمعية الجارية حالياً لابن سلمان لدى الغرب؛ فالرجل ما زال منبوذاً غربياً، وأميركياً خاصة، الأمر الذي تجلّى أخيراً في امتناعه عن حضور “قمة المناخ” في غلاسكو.

الجانب الآخر الذي يعمل عليه ابن سلمان لتسويق نفسه، هو الاقتصاد. هنا، ليست ثمّة حيرة؛ فالنتيجة سلبية بشبه إجماع من الصحافة الاقتصادية في كلّ العالم، فيما التخبّط الذي يَسِم “رؤية 2030” واضح للعيان، والمواطن السعودي لا يلمس سوى ارتفاع الضرائب والرسوم والبطالة وتضخّم أسعار السلع الاستهلاكية، حتى إن فوائد ارتفاع أسعار النفط في الشهرَين الماضيَين لم تنعكس على ميزانية العائلة السعودية.

يضع المسؤولون الحكوميّون أرقاماً مستهدفة، وحين يخطئونها، يضعون أرقاماً أعلى منها. كما يعلنون عن مشاريع، وبعد أن يخفّ وهجها في الإعلام، يعلنون عن مشاريع أخرى، قبل أن تَظهر معالم الأولى.

فقد سبق لابن سلمان أن وضع هدف جذب عشرة مليارات دولار استثمارات أجنبية مباشرة في 2020، لكنه لم يجتذب أكثر من 5.5 مليارات، ثمّ بدل أن يتواضع، عمد إلى تحديد هدف أكثر طموحاً، وهو جذب 100 مليار دولار استثمارات أجنبية مباشرة سنوياً بحلول عام 2030.

وعلى المنوال نفسه، تَمثّل آخر المشاريع الكبرى المعلَن عنها، في “مدينة الأمير محمد بن سلمان” التي ستكون أوّل مدينة غير ربحية في العالم، “لتُشكّل نموذجاً ملهِماً لتطوير القطاع غير الربحي عالمياً، وحاضنة للعديد من المجاميع الشبابية والتطوّعية وكذلك المؤسسات غير الربحية المحلية والعالمية”.

ويُفترض أن تشمل المدينة التي ستقام على أرضٍ يملكها ولي العهد في حيّ العرقة في الرياض، مجمّعاً سكنياً متكاملاً للشباب، إلى جانب مشاريع تكنولوجية ومشاريع أخرى.

لكن ثمّة سؤال يطرح نفسه في هذا الصدد: هل ستكون لدى المستثمرين شهية للاستثمار في بلد يحكمه رجل واحد، كان قد سجَن عشرات السياسيين ورجال الأعمال في فندق “ريتز كارلتون” في عام 2017، ثمّ أخذ منهم نصف ثرواتهم من دون محاكمة، فيما الكثيرون منهم ما زالوا في السجن أو ممنوعين من السفر؟ الإجابة سالبة على الأغلب.

ولعلّ عيّنة استثمارية واحدة تبدو كفيلة بالتأكيد أن المال العام تحت إدارة ابن سلمان ليس في أمان، لا من الاستثمار الخاطئ ولا من السرقة، والمقصود بها شراء لوحة “مُخلّص العالم” لليوناردو دافنشي قبل أربع سنوات بمبلغ 450 مليون دولار. فقبل أيام قليلة فقط، كشفت مجلة “آرت” أن متحف “برادو” الإسباني خفّض تصنيف هذه اللوحة على أساس أن دافنشي أشرف على العمل عليها، ولم يقم به بنفسه، مستشهداً بمشكلة في الألوان، ممّا يخفّض سعرها عالمياً بشكل كبير، ويجعل الاستثمار فيها فاشلاً بجدارة.

أمّا في شأن طموح ابن سلمان إلى سرقة دور دبي، وقطر إلى حدّ أقل، كمركز عالمي للتجارة والسفر، فما زال في مراحله الأولى، ويحتاج إلى تطوير البنية القانونية والبيئة الاستثمارية في المملكة، حتى يصبح الحديث ممكناً عن قدرة السعودية على منافسة هاتَين الوجهتَين من عدمها. والشاهد في ذلك سيكون قرار الشركات الكبرى نفسها التي فرضت عليها المملكة أن تنقل مقارّها الإقليمية إليها، إن كانت تريد العمل فيها، في ما فهمته الإمارات على أنه مسعىً لتفريغ دبي من مقرّات هذه الشركات.

لم ينجح ابن سلمان في تسويق نفسه في الداخل، كما في الخارج. لكنه استطاع، من خلال القسوة، فرض نفسه على الداخل، وبالتالي صار أمراً واقعاً بالنسبة إلى الخارج أيضاً. إلّا أنه، في ظلّ واقع كهذا، وحتى إذا تمكّن ولي العهد من البقاء في الحُكم، فسيجد في وجهه معارضين سعوديين أقوياء في الخارج والداخل، وأعداء كثراً، بشكل لم يواجهه أيّ حاكم للسعودية من قَبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى