مقالات

مواسم إدلب الضّائعة

ليليان معروف

تشتهر محافظة إدلب السوريّة بأرضها الخصبة وخضراواتها وفواكهها وزيتونها، لكنَّ حركة “تحرير الشام” (“النصرة” سابقاً) لم تترك شيئاً لأحد، وخصوصاً أولئك الذين اختاروا الخروج إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة السوريّة، وأيضاً أولئك الذين ينتمون إلى طوائف ومذاهب “لا تستحقّ الرزق ولا الحياة” في عقيدة الحركة التكفيرية، فقد صادرت “النصرة” كل أملاكهم، من بيوت ومزارع وحقول وأملاك وأرزاق مختلفة خلّفها هؤلاء وراءهم، كما صادرت أملاك كلّ من تشكّ في أنّه يكنّ الولاء للدولة السوريّة.

سيطرة “النصرة” على أملاك المهجّرين

منذ احتلال جبهة “النصرة” لمحافظة إدلب في العام 2015، بدأ السكّان ينزحون بالآلاف، هرباً من بطش الجماعات التكفيريّة، فقامت الأخيرة على الفور بمصادرة أراضيهم الزراعية، ووضعت لافتات تشير إلى استحواذها عليها، مع تحذيرات من الاقتراب منها “تحت طائلة المسؤولية”. 

يقول أحد سكّان بلدة كفرتخاريم الإدلبيّة: “منذ أن خرجنا من إدلب، لم يستطع أحد الاقتراب من أراضينا التي سيطرت عليها النصرة، والتي تتضمن مواسم زيتون وفواكه صيفية وجوز ولوز وغير ذلك، إذ يُمنع الاقتراب من أراضي المرتدين، كما يصفوننا”.

ويضيف: “صادروا منزلنا كباقي الأملاك، وباعوا الأثاث في المزاد العلني، ثم باعوا المنزل لأميرٍ تونسيّ. وبعد أن قُتل، اشتراه أمير آخر… وقد استولوا على الأبنية المجاورة أيضاً، وأسكنوا فيها “مجاهدات” من مختلف الجنسيات”.

ولأنّ “النصرة” كانت أعلنت عن “موقفها من العلويين والمسيحيين”، فقد نزحوا من قرى إدلب وبلداتها، ولم يبقَ سوى كبار السنّ وقلّة قليلة جدّاً ممّن اختارت البقاء. وباعتبارهم “مرتدّين وكفاراً”، كما تصفهم، صادرت “النصرة” بيوتهم ومحالّهم وأراضيهم الزراعية في بلدتي اشتبرق والغسّانية، وبلدات ريف جسر الشغور الغربي، وغيرها من القرى والبلدات.

إضافةً إلى ذلك، واجه كلّ من حاول حمل السلاح لحماية أرضه وممتلكاته مصير القتل أو الترهيب بأساليب مختلفة، وكذلك كان حال الكثيرين ممّن وقفوا جانباً، واختاروا عدم حمل السلاح والوقوف إلى جانب الحركة التكفيريّة.

وفي حديث إلى أحد المواطنين الذين نزحوا إلى مناطق سيطرة الدولة السورية، أخبرنا أنَّ أحد أقربائه زار أخيه الَّذي يقطن في مناطق تقع تحت سيطرة المسلّحين في إدلب سراً، لكنّ الجماعة كشفت أمره، وجرى إعدامه ميدانيّاً، بتهمة “الانتماء إلى الجيش السوريّ”، كما صرّحوا. وحُرم العديد من سكان المنطقة من عائدات محاصيلهم وأرزاقهم، بحجّة أنّ أقاربهم يخدمون في صفوف الجيش أيضاً.

كساد المحاصيل وتصحّر الأراضي

بعد إغلاق جبهة “النصرة” المعابر مع الدّولة السوريّة، ومنع المزارعين من نقل محاصيلهم إلى خارج المنطقة بهدف بيعها، كسدت المحاصيل في مخازن أصحابها، وأدّى ذلك إلى خسائر كبيرة للمزارعين الَّذين ظلوا في إدلب، إمّا بسبب تلف المحصول، وإما نتيجة بيعه بأسعار متدنية، خوفاً من الخسارة التامّة.

وفي ظلِّ إغلاق المعابر، ظهرت فئة من التجار الَّذين تعاملوا مع “النصرة”، وعمدوا إلى احتكار السوق وشراء محاصيل الزيتون وزيت الزيتون بأسعار زهيدة، ثم نقلها إلى السوق التركيّة عن طريق بلدة عفرين المحتلة شمال حلب، وبيعها بأسعار عالية.

كذلك، عمدت الجماعات الإرهابيّة في إدلب إلى قطع الأشجار المعمّرة التي يبلغ عمر بعضها آلاف السنين، لتحويلها إلى حطب وفحم وبيعها بأسعار مرتفعة، الأمر الذي أدّى إلى تحويل بعض المساحات الزراعية إلى صحراء مكشوفة تماماً.

ورغم أنّ غالبية السّكّان المهجّرين قسراً لم يحصلوا على عائدات مواسمهم وأرزاقهم، فإنَّ هناك نسبةً لا تتعدى 1% من هؤلاء استطاعوا الحصول على جزء يسير من جنى أرزاقها، عن طريق أقاربهم. 

وعن هذا الأمر، تقول إحدى مالكات الأراضي، وهي تسكن خارج إدلب: “إنّ مبيع موسمنا يبلغ أكثر من 4 ملايين ليرة سورية سنويّاً، لكننا لا نحصل على أكثر من ربع هذا المبلغ، أي ما يقارب مليون ليرة سورية أو أقل، ويذهب قسم منه لتحويل المال من إدلب إلى تركيا، ومنها إلى لبنان، ثم إلى سوريا، حيث نتواجد”.

الوضع الحالي في إدلب

حالياً، تسير أمور من بقي من السكّان في إدلب من سيّئ إلى أسوأ كل يوم، فبعد أن أعلنت الجماعات المسلّحة في إدلب منع التعامل بالليرة السوريّة (3500 ليرة للدولار الواحد)، والتداول بالليرة التركية (تعادل 350 ليرة سوريّة) أو الدولار الأميركيّ، باتت الأوضاع المعيشية والقدرة الشرائية للمواطن العادي في حدودها الدنيا، إذ يبدأ إيجار الغرفة الواحدة، وفي بناء متهالك أو قيد الإنشاء، من 75 دولاراً أميركياً، في استغلال تام لغياب الدولة والقانون، ليأكل الغني فيهم الفقير. 

أما بالنسبة إلى حال سوق الخضار، فيعيش الباعة معاناة بفعل الضرائب الكبيرة التي تفرضها جبهة “النصرة” على مبيعاتهم. وتحدَّث إلينا أحدهم، وأخبرنا أن الجبهة أن منعتهم من البيع في المحال، ما اضطرهم إلى البيع على عربات صغيرة، لتعود من جديد إلى ملاحقتهم وفرض غرامات توازي ما يحصلون عليه في يومهم.

كما أنها تقوم بالتضييق عليهم بكل الوسائل، ومن لا يتمكَّن من دفع غرامته في الحال، سيدفعها مضاعفة لاحقاً، ومن يضع ميزاناً للكيل على عربته، سيدفع غرامة كبيرة تصل إلى 35 ليرة تركية، بينما لا يتجاوز المبلغ الذي يجنيه هذا البائع بعد عمل يوم كامل أكثر من 50 ليرة تركية. وتقوم “النصرة” أيضاً بتهديد الباعة بنقل عرباتهم إلى أماكن بعيدة جداً عن التجمّعات السكنية، في حال خالفوا تعليماتها.

وإلى جانب وسائل الترهيب والتهديد، وفي ظلّ منع البيع في المحالّ وفرض العمل على عربات، يقسم السوق إلى “داخل” و”خارج”. ويتراوح الإيجار بين 200 ليرة تركية للعربة أو “البسطة” خارج السوق و125 داخله، ويعاني الباعة من الفرق أيضاً داخل السوق وخارجه. وإذا قرَّرت “النصرة” أن تستوفي من البائع إيجار 4 أشهر على أطراف السوق، يصل المبلغ الذي تفرضه إلى 800 ليرة تركية، بينما يصل إلى 500 ليرة في داخله، ومن لا يرضخ لهذه القوانين، عليه أن يترك بضاعته كما هي، ويرحل مجبراً.

وإضافةً إلى ما تعرَّضت له مواسم المدنيين وأملاكهم من نهبٍ وسرقة وحجزٍ وإحراق، جرى نهب الممتلكات العامة وسرقتها، كالمعامل والمصانع والسكك الحديدية التي تم تفكيكها وبيعها، وجرى تحويل بعض الأملاك العامة، من مدارس وساحات، إلى مقرّات تدريب للعناصر المسلَّحة… وكل من يعترض على ذلك، يكون مصيره القتل. وقد فارق أحد المواطنين الحياة بعد أن تم الاستيلاء على منزله عنوةً. 

هذا الوضع السيئ ما زال على حاله، مع تواصل الدعم التركي للفصائل المسلَّحة في إدلب، بينما ينتظر السواد الأعظم من المواطنين هناك فرجاً قريباً يجلبه الجيش السوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى