مقالات

إرهاق الإمبراطوريّة الأميركيّة وليس نهايتها المحتّمة

محمد علي فقيه

منذ الانسحاب الأميركي من أفغانستان، يتصاعد النقاش في وسائل الإعلام ومراكز الدراسات في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم حول مستقبل “القوة الأميركية” أو “الإمبراطورية الأميركية”، فدلالات ما جرى في أفغانستان تفوق بكثير ما حدث لحكومة الرئيس الهارب أشرف غني المنهارة وفسادها في أفغانستان أو التغير المحتمل لحركة “طالبان” بعد عودتها إلى السلطة أو تحديد مسؤولية الفشل الذريع عن هزيمة الولايات المتحدة وحلفائها.

أولاً: كانت أفغانستان مقبرة لثلاث إمبراطوريات عظمى في 3 قرون متعاقبة (19 ،20، 21)، ما يفرض مناقشة دور التاريخ في التحليل السياسي.

الحالة الأولى مع بريطانيا عندما كانت الشَّمس لا تغرب عن أراضيها، فيها خاضت أفغانستان 3 حروب؛ الأولى في الفترة من 1839 -1842، وهي المسمّاة بالحرب الإنكليزية – الأفغانية الأولى، وفيها احتلّ الإنكليز كابول.

يقول عبد السلام ضعيف في كتابه “حياتي مع طالبان” عن هذه الواقعة: “لقي الجيش البريطاني هزيمة مذلّة، فقد أُبيد الجيش البريطاني عن بكرة أبيه، وسقط له 17 ألف جندي. ولم ينجُ منه سوى شخص واحد. لذلك، وصفها المؤرخ البريطاني بريس كولينس بأنها أسوأ نكسة مرعبة في تاريخ حروب الإمبراطورية البريطانية”.

الحرب الثانية في الفترة الممتدة بين 1878 و1880، وانتهت بمذبحة للجنود البريطانيين. أما الحرب الثالثة، فقد بدأت في 6 أيار/مايو 1919، وهي معروفة بحرب الاستقلال، واستمرت أكثر من 3 أشهر، وفيها انتصرت أفغانستان، وحصلت بعدها على استقلالها.

والحالة الثانية مع المشروع السوفياتي، إذ بدأ بالتدخل العسكري في أفغانستان، واستمرّ احتلاله قرابة 10 سنوات في الفترة الممتدة من 24 كانون الأول/ديسمبر 1979 إلى 15 شباط/فبراير 1989، وانتهت بهزيمة قاسية للاتحاد السوفياتي، وكانت أحد الأسباب التي أدت إلى تفككه في العام 1991.

الحالة الثالثة هي الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي استمرَّت 20 سنة، ولم يتوقع فيها أحد أن تهزم “طالبان” أكبر قوة عسكرية واقتصادية في التاريخ، والتي، كما يبدو، لم تتعلَّم من تجارب التاريخ وتكرار حوادثه.

اللافت في هذه النماذج الثلاثة التي تجمع الهزيمة بينها، هو زيادة أمدها الزمني عبر القرون الثلاثة، فقد هُزِمَت بريطانيا خلال 4 سنوات، والاتحاد السوفياتي خلال 10 سنوات، والولايات المتحدة خلال 20 سنة. وقد يُفسر هذا بتعاظم القدرات العسكرية لتلك القوى العظمى، بما أبطأ من هزيمتها، وإن بقيت حتمية.

ثانياً: إن التغيرات التي تُدْخَل إلى نظم الحكم في العالم الثالث بإرادة خارجية تكون نهايتها الفشل المحتم. والحالة الأفغانية خير شاهد على وجود مثل هذه النماذج التاريخية.

لم تدرك أميركا ما حدث لكلِّ من الإنكليز والاتحاد السوفياتي من قبل، فهزيمة المشروعات الثلاثة (بريطانيا، والاتحاد السوفياتي، وأميركا) لم تكن عسكرية فحسب، وإنما سياسية بامتياز، فقد تمت المشروعات الثلاثة لنصرة حاكم أو نظام حكم معين أو سعت لبناء نظام حكم جديد ييسر لها تحقيق أهدافها، وانتهت بتلاشي التغييرات الداخلية التي أحدثتها القوى الخارجية، فعاد دوست محمّد الذي خلعه الاحتلال البريطاني إلى الحكم بعد الهزيمة البريطانية في العام 1842، وانهارت الحكومة التي تدخل الاتحاد السوفياتي لدعمها بعد انسحاب قواته في العام 1992.

ارتكبت الولايات المتحدة الأخطاء نفسها التي ارتكبها الإنكليز والسوفيات. بنت تحالفاتها الداخلية مع العناصر الفاسدة وغير المقبولة لدى الشعب الأفغاني، ولم تدرك أنَّ تجنيدها الحكام الفاسدين وفرضهم على الشعب الأفغاني، مثلما فعل الإنكليز والسوفيات، هو الاستدراج نحو الهزيمة، وإلا ما معنى عودة “طالبان” إلى السلطة في كابول في منتصف آب/أغسطس من العام الجاري قبل أن يكتمل الانسحاب الأميركي؟!

ثالثاً: وحتى لا نقع بما وقع فيه الكثير من الكتاب والصّحافيين من “نعي ودفن” المشروع الأميركي بعد هزيمته في أفغانستان، نشير إلى مقالة الكاتب الأميركي روس دوتهات في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تحت عنوان “الإمبراطورية الأميركية في تراجع”، والتي ناقش فيها بشكل عميق فكرة “الإمبراطورية الأميركية”.

 يرى روس دوتهات أنَّ هناك 3 إمبراطوريات أميركية، وليس إمبراطورية واحدة؛ الأولى هي الإمبراطورية الداخلية أو الولايات المتحدة التي تكاد تكون قارة قائمة بذاتها، والثانية هي الإمبراطورية الخارجية التي تتكون من المناطق التي احتلَّها الأميركيون، وأعادوا بناءها بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تقع في الأساس في أوروبا الغربية وحافة المحيط الهادي، والثالثة هي إمبراطورية العالم الأميركي، وهي المناطق التي توجد الولايات المتحدة في بنفوذها الاقتصاديّ والعسكريّ والثقافي.

 ويذكر روس دوتهات أنَّ معظم الهزائم التي تعرَّضت لها الولايات المتحدة تقع في هذا النطاق الإمبراطوري الثالث، في جنوب شرق آسيا في الستينيات، ثم في الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى بعد 11 أيلول/سبتمبر، وأنَّ أسباب الهزائم في هذا النطاق تنبع من الفكرة المتغطرسة القائلة إنَّ الولايات المتحدة تستطيع تمديد إمبراطورتيها الخارجية (النوع الثاني من الإمبراطورية)، وجعل الترتيبات التي أنشأتها على غرار حلف الناتو ذات طابع عالمي، وتطبيق نموذج اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية على فيتنام الجنوبية أو العراق أو أفغانستان.

وفي رأي دوتهات، ما دام لدى الولايات المتحدة الإمبراطوريتان الأخريان لتعتمد عليهما، فلا يمكن القول إنَّ الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو بالضرورة مقدمة لانهيار إمبراطوري حقيقي للولايات المتحدة، وهو يذكر أنَّ الفشل الأميركي في أفغانستان يشبه إلى حدّ كبير الإخفاقات التي تعرَّضت لها الإمبراطورية الرومانية في أطرافها، والبعيدة عن روما نفسها، عندما تجاوز نفوذ الإمبراطورية قبضتها، وهو وضع سيئ، ولكنه قابل للتعافي.

لكنَّ الكاتب يشير أيضاً إلى أنَّ الهزائم على الحدود البعيدة قد يكون لها عواقب في قلب الإمبراطورية وفي الإمبراطورية الخارجية، فالشعور بالتدهور الإمبراطوري المتسارع قد يوسع الانقسامات الأيديولوجية المتفاقمة بالفعل في الداخل الأميركي، ويزيد من حالة الاستقطاب. كما أنَّه قد يؤدّي إلى تشجيع منافسي الولايات المتحدة، وخصوصاً الصين، على المزيد من التحدي لها. وقد تنمّي هذه المشاعر أيضاً التيارات الانعزالية في الولايات المتحدة، والتي تدعو إلى تقليص الإمبراطورية العسكرية الأميركية في الخارج.

هناك رأي مشابه لفرانسيس فوكاياما، يرجع فيه أسباب ما جرى في أفغانستان إلى الانهيارات والهنات البنيوية التي تراكمت في الداخل الأميركي عبر زمن طويل، أكثر من التحديات الخارجية التي تواجهها، وخصوصاً الصعود الصيني، لكنَّ فوكاياما يؤكّد أنّ ما جرى في أفغانستان هو “نهاية إقصائية ومبكرة للهيمنة الأميركية على العالم “end of American hegemony، ويشكل تحولاً جسيماً في تاريخ العالم، على الرغم من تأكيده أنَّ الولايات المتحدة الأميركية ستظلّ قوة عظمى لسنوات عديدة.

خلاصة القول أنّ الولايات المتحدة الأميركية في حالة إرهاق إمبراطوري، وأنَّ تأثيرها سيضعف أكثر، وإلا ما معنى انسحابها من أفغانستان وإعلان نيتها الانسحاب من العراق وسوريا وتخفيف حضورها في الخليج! فلم تعد “قوة عظمى وحيدة”Lonely super Power” ، بحسب ما روَّج هنتنغتون في وقت من الأوقات، ولا “إمبراطورية”، كما خطط ونفَّذ لوقت اليمين الأميركي المحافظ. ومع ذلك، من السابق لأوانه الحديث عن نهاية الإمبراطورية الأميركية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى