مقالات

قطع العلاقات الخليجيَّة مع لبنان.. آخر أوراق الضغط لدى ابن سلمان

وسام إسماعيل

يُجمع أكثر المحلّلين على أنَّ محدّدات السّياسة الخارجية التي كرَّسها محمد بن سلمان، منذ ما قبل توليه ولاية العهد، شكَّلت انقطاعاً مع السياسات التي كانت المملكة قد وضعتها لنفسها، فبعد أن كان الحرص على حسن الجوار وتعزيز العلاقات مع الدول الخليجية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى معياراً تنطلق منه المملكة في رسم مسارات سياساتها، مهَّدت علاقة محمد بن سلمان بأبيه الملك، وهيمنته على مفاصل القرار في السعودية، لطغيان عقلية كان لها الأثر البارز في نقل المملكة من الموقع الذي حرصت عليه القيادات السعودية السابقة وفرضته ظروف المملكة التاريخية.

وحيث إنَّ المكانة الدينية والإقليمية التي كانت حاضرة في الوعي السعودي غابت عن المرتكزات الفكرية لولي العهد، افتتح محمد بن سلمان عهده، كملك في الظلّ، بحرب على اليمن، ثم أعقبها بتصريحات عدائية تجاه إيران، إذ وعد بمعركة داخل أراضيها وتعهَّد بإسقاطها.

ولم ينتهِ الأمر مع حصار دولة قطر، الجار والشريك في دول مجلس التعاون الخليجي، بل تعداه إلى محاولة تكريس نوع من الانقطاع مع ما كانت القيادات السابقة تحرص عليه في علاقاتها مع الدول العربية، ومنها لبنان.

إنَّ الاندفاع الذي حكم سلوك ابن سلمان، إضافةً إلى قلة خبرته ومحاولته الخروج من العقلية التقليدية السعودية، دفعه إلى جرّ المملكة إلى الغرق في مستنقع الفشل المحتوم، نتيجة فقدان الرؤية الواضحة وغياب الأهداف الواقعية، إذ إنَّ العمل على إنشاء 5 تحالفات إقليمية ودولية خلال 5 سنوات، ثم التخلي عنها نتيجة فشل أهدافها أو تغير المعطيات التي دفعت إلى إنشائها، دفع المملكة وحلفاءها التابعين إلى التقوقع في دائرة الانعزال المحكوم براديكالية في التعاطي مع الدول الأخرى.

وإذا كانت هذه الاندفاعة قد ترافقت في المرحلة الماضية مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، إذ توافق السلوك السعودي مع المحددات الشخصية لدونالد ترامب، واستطاع ابن سلمان أن يتلقف المسار الاستراتيجي للسياسات الأميركية في تلك الفترة، عبر تعهده وقبوله بتنفيذ الرغبة الأميركية في تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية بصفة المتعهد القادر على التنفيذ من دون الحاجة إلى التدخل الأميركي المباشر، فإن القيادة الأميركية الجديدة المجسّدة بوصول الرئيس جو بايدن أعلنت عن تغييرات جذرية في إدارتها لملفات المنطقة، بطريقة أمكن توصيفها بما يشبه الطلاق مع المرحلة السابقة.

وفي هذا الصّدد، ظهرت الولايات المتحدة بشكل جديد، يوحي بتخلّيها عما يمكن توصيفه بالخطط الفاشلة للإدارة السابقة، وعزمت على تبني مشروع يقوم أساسه على ربط النزاع مع القوى المناهضة لها في المنطقة واعتماد خيار المفاوضات كأسلوب وحيد لإدارة جبهاتها الساخنة.

إنَّ القرار الأميركي بالانسحاب العشوائي من أفغانستان والتخلّي عن مشروع إسقاط الدولة السورية بقيادة الرئيس بشار الأسد، معطوفاً على الرؤية الأميركية الحازمة بالتفاوض مع الجمهورية الإسلامية، كرَّس لدى الجانب السعودي ارتياباً من إمكانية التخلي الأميركي عن قرار الحماية التاريخي للأسرة الحاكمة فيها.

وبما أنَّ وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة ترافق مع إعادة تظهير ملف اغتيال الصحافي السعودي الأميركي جمال الخاشقجي إلى دائرة الضوء، وإصرار الإدارة الأميركيَّة على الوصول إلى حقيقة ما جرى داخل السفارة السعودية في إسطنبول، إضافةً إلى إعلانها وقف الدّعم الأميركي للقوات المشاركة في العدوان على اليمن، وتجميدها بعض صفقات السّلاح، فإنَّ ولي العهد اتّخذ القرار بإدارة ملفات السياسة الخارجية للملكة بطريقة أحادية، يمكن من خلالها، وفق تصوّره، أن يدفع الإدارة الاميركية إلى تغيير مسارها المستجد.

ولأنَّ القيادة الشابة لولي العهد تفتقر إلى الخبرة، وقد يحكمها التخبّط في كثير من الأحيان، استمرت المملكة السعودية في إدارة ملفاتها وفق ما كانت تعتبره مقبولاً لدى دونالد ترامب. وقد غاب عنها أن الإدارات الأميركية المتعاقبة تمتاز بالبراغماتية التي تحلّل إمكانية الانعطاف الحاد على مستوى التوجهات.

وحتى لو تم التأكيد أنَّ الخطوط العامة للسياسات المعتمدة من الإدارات الأميركية على اختلافها ستبقى محكومة لثوابت وعناوين محددة، فإنَّ المسار الذي قد تتبناه أيّ إدارة سيبقى محكوماً لمتغيرات تجعل من السهل تغييره عند أيّ تطورات أو منعطفات.

ولإضافة المزيد من التعقيد إلى السياسات الخارجية للملكة، كانت النتائج الكارثية لحربها على اليمن، والقرار الأميركي بالعودة إلى المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، كفيلين بأن يخرجا ولي العهد عن طوره، فالانتكاسات المتلاحقة في اليمن والهزيمة المرتقبة في مأرب، مع ما تعنيه هذه المحافظة على المستوى الاستراتيجي، إضافةً إلى القرار الأميركي الدولي بتثبيت صيغة التفاوض مع الجمهورية الإسلامية وفق الأسس التي سادت قبل خروج الولايات المتحدة من الاتفاق، كرست لدى الجانب السعودي قناعة بإهمال الولايات المتحدة الأميركية وعودها بحفظ المصلحة الاستراتيجية السعودية عند أي تعاطٍ مع الجمهورية الإسلامية.

ولأن الأطراف الإقليمية والدولية الحليفة للملكة أو غير الحليفة سلَّمت بالإرادة الإيرانية الداعية إلى فصل الملفات عند أي تفاوض، وجد ولي العهد السعودي نفسه منزوع الأظافر ومعزولاً، ليتجرّع الهزيمة في اليمن وحيداً من دون أي مواساة من حلفائه أو تدخل للتخفيف من انعكاسات ما قد يحدث في مرحلة ما بعد حرب اليمن.

واستناداً إلى تقدير داخليّ سعوديّ مرتكزه تقارير إعلامية واستخبارية، مفادها دور مركزي لحزب الله في اليمن، انتقل الجهد الدبلوماسي السعودي من محاولة إقناع الإدارة الأميركية وحلفائها بضرورة إشراك المملكة في أي مفاوضات مزمعة مع الجمهورية الإسلامية، وتأكيد ضمان ما تعتبره مصالح استراتيجية لها في المنطقة، إلى محاولة تعقيد الواقع اللبناني المتأزم أصلاً، عبر ترسيخ نوع من التعطيل ومحاولة تفجير الواقع الحكومي المترنح أصلاً، تحت عنوان مواجهة نفوذ حزب الله في لبنان والإقليم.

وإذا كان الجانب السعودي متيقّناً من أن تفجير الوضع في لبنان وإسقاط حكومته يشكل خطاً أحمر فرنسياً أميركياً، فإن ما تصبو إليه المملكة من خلال الضغط على لبنان، يتمحور حول نوع من المساومة بين الاستقرار في لبنان ومنع سقوط مأرب أو الحد من انعكاسات هذا السقوط على أقل تقدير.

وللتدليل على عمق الأزمة السعودية الأخيرة، يمكن الاستناد إلى الضغوط الحاسمة التي مورست على الدول الخليجية الأخرى لتبني الخيارات السعودية المستجدة في لبنان، فإذا كان القرار السعودي في لبنان مبرراً، نتيجة الموقف الصعب في اليمن والإهمال الدولي لمصالحها في أيِّ مفاوضات مع الجمهورية الإسلامية، فإن المستغرب كان في الدرجة الأولى التزام الإمارات العربية المتحدة، إذ إنَّ هزيمة المملكة في اليمن تناسب تطلعاتها التوسعية في هذا البلد.

وإذا أهملنا الموقف البحريني نتيجة ارتباط بقاء الملك في الحكم بالحماية السعودية، فإن موقف دولة الكويت يعبر عن هذه الضغوط، إذ إنّ قيادتها كانت السباقة دائماً لأداء دور الوسيط في حال الخلافات العربية العربية.

وبناء عليه، إنّ محاولة السعودية لتظهير مشروعها المستجد في لبنان على أنه خيار استراتيجي ستبذل كلّ الجهود الممكنة لضمان إنجاحه، إما عبر المقاطعة الشاملة وإما عبر اعتذار السلطة في لبنان وإعلان ولائها وانغماسها في مشروع محاربة حزب الله، تؤكد أنَّ الإدارة السعودية بدأت تتحسّس قدوم مرحلة ستفقد فيها أي إمكانية لممارسة دور ريادي، أراده محمد بن سلمان تذكرة عبور نحو العرش السّعودي بعد وفاة والده أو تنحّيه.

إنَّ تراكم الملفات الفاشلة التي أدارها من اليمن إلى لبنان، مروراً بقطر وإيران، سيؤثر حتماً في فعالية قبضته الأمنية داخل المملكة، وسيعزز شعور دول الجوار، وخصوصاً الخليجية، بسقوط الدور السعودي وفعاليته من أجندة القوي الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى