مقالات

انعكاسات قرار البناء الاستيطاني في الضفة الغربية

وسام أبو شمالة

أثار قرار الحكومة الاسرائيلية بناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية في الضفة الغربية ردود فعل دولية واسعة، ندّدت بالقرار الإسرائيلي، ودعت إلى التراجع عنه.

أبرز ردود الفعل ما كشفته وسائل الإعلام العبرية عن مكالمة وُصفت بالحادة بين وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس، عبّر فيها الوزير الأميركي عن معارضة إدارته للخطوة الإسرائيلية.

فما هي دوافع القرار الإسرائيلي وانعكاساته وتبعاته؟

تاريخياً، اتّبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسات تهدف إلى فرض السيطرة على الأرض الفلسطينية، عبر إنشاء التجمعات الاستيطانية اليهودية، التي تحوّل الجغرافيا الفلسطينية إلى كانتونات معزولة وبُقع محاصرة.

السياسة الاستيطانية الإسرائيلية قامت على أسس استراتيجية سياسية، واقتصادية وعسكرية وأمنية وإيديولوجية.

يُعتبر حزب العمل الإسرائيلي صاحب الدور الرئيسي في التأسيس لخريطة الاستيطان، ووضع المخططات والبنى التحتية له، كما قاد حزب الليكود خططاً توسعية لشبكة الاستيطان وتهويدها والسيطرة عليها.

وحرصت الخطط الاستيطانية على تكثيف الاستيطان حول القدس، لتكريس الطابع اليهودي لها.

وفّرت اتفاقية أوسلو الغطاء لاستمرار سياسة الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتراجعت مطالب السلطة الفلسطينية من المطالبة بإنهاء الاستيطان، إلى المطالبة بتجميده فقط، وهو ما لم يتم، بل على العكس، فقد شهدت الضفة الغربية زيادة مطّردة في أعداد المستوطنات والمستوطنين، الذين وصل عددهم إلى نحو 800 ألف مستوطن، بعد أن كان عددهم عند توقيع اتفاقية أوسلو لا يتجاوز مئة ألف.

شهد عام 2000 وصول عملية التسوية إلى طريق مسدود، واندلاع انتفاضة الأقصى، التي أخذت طابعاً عسكرياً، ما أدى إلى تراجع النشاط الاستيطاني أمام عمليات المقاومة، التي أجبرت “الجيش” الإسرائيلي على تفكيك المستوطنات وإجلاء كامل المستوطنين عن قطاع غزة، واندحر آخر جندي صهيوني عن القطاع في 12 أيلول/ سبتمبر 2005.

في المقابل، تغوّل الاستيطان في الضفة الغربية وشرق القدس؛ فلا تكاد توجد قرية أو مدينة فلسطينية إلا وبجانبها مستوطنة، أو نقطة عسكرية، أو بؤرة استيطانية، أو شارع التفافي يمزّق الأرض، أو الجدار الذي يلتف حول الضفة الغربية ويحوّلها إلى سجن كبير، ما يؤكد أن مسار المقاومة هو ما يكبح سياسات الاحتلال عموماً، والسياسة الاستيطانية تحديداً، بينما مسار التسوية أدى إلى مزيد من قضم الأرض الفلسطينية.

القرار الاستيطاني الأخير للحكومة الإسرائيلية لا يبتعد عن الدوافع والخطط الاستراتيجية الاستيطانية للحكومات المتعاقبة كافة، وكما لم تنجح الإدانات الدولية، ومنها الأميركية، في وقف النشاط الاستيطاني أو تجميده في مراحل سابقة، فلن تؤدّي المواقف الدولية الحالية إلى تراجع “إسرائيل” عن قرارها وخططها الاستيطانية.

وقد كشفت “حركة السلام” الإسرائيلية أن حكومة بينيت تعتزم المضيّ قدماً في تنفيذ مخططات استيطانية جديدة ومزيد من ضمّ أراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

تدرك الأحزاب الإسرائيلية المشارِكة في حكومة بينيت أن استقرار الحكومة مهدّد، وبالتالي تتطلع الأحزاب إلى اليوم التالي لسقوط الحكومة، وتسعى لاتخاذ مواقف ترضي به قواعدها الحزبية.

من جانب آخر، فإن الحكومة الإسرائيلية لا تشعر بالقلق من الموقف الأميركي تجاه قرارها، وهي تدرك أن إدارة بايدن حريصة على استقرار حكومة بينيت، ولن تضغط عليها، لكونها حريصة على عدم عودة نتنياهو إلى الحكم.

السلطة الفلسطينية أدانت القرار الإسرائيلي، لكنها ستكتفي بالإدانة، ولن تتخذ خطوات عملية تكبح السلوك الإسرائيلي، كوقف التنسيق والتعاون الأمنيّين.

أكثر ما تخشاه “إسرائيل” موقف المقاومة الفلسطينية، ولا سيما حركة حماس، التي هدّدت سابقاً باعتبارها قرار ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية بمنزلة إعلان حرب، وأبلغت الوسطاء أن استمرار الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية في القدس والضفة، والمس بالأرض والمقدسات، سيمثّلان تهديداً لحالة الاستقرار والهدوء، وهو ما لا ترغب فيه الإدارة الأميركية، التي تسعى لخفض التصعيد والتوتر في المنطقة، بهدف عدم التشويش على أولويات سياستها الخارجية التي تركّز على مواجهة التحدّي الصيني.

تستغل الحكومة الإسرائيلية حرص الإدارة الأميركية على استقرارها، وتتّخذ قرارات تتناسب مع خطط وسياسات الاستيطان والضم، وتدرك محدودية الضغط الدولي عليها، لكونه يفتقد أدوات العقاب، ويكتفي بالاستنكار والإدانة، ولا تُلقي بالاً لموقف السلطة، ولا تخشى من تغيير نسق العلاقات الأمنية بين الطرفين، وهي تسعى لإثبات جدارتها أمام القواعد الانتخابية اليمينية، لتحظى بثقتها في اليوم التالي لتفكّكها.

ولكن ما يمثّل تحدّياً للموقف الإسرائيلي، هو سلوك المقاومة الفلسطينية التي تتابع الخطوات والإجراءات الإسرائيلية التي تمس الحقوق والثوابت الوطنية، وهو الموقف الذي ثبّتته المقاومة الفلسطينية إبّان معركة سيف القدس، وما زالت تتمسّك به؛ وهو التحدّي الذي قد يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تأجيل قرارها أو تجميده، حتى تتجنّب سيناريو التصعيد والمواجهة مع المقاومة الفلسطينية، في هذه المرحلة، لاعتبارات داخلية وخارجية وعملياتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى