مقالات

السيادة الأوروبية المنقوصة بين المعوّقات الداخلية والعراقيل الأميركية

وسام إسماعيل 

على الرغم من أن ظهور فكرة الاتحاد بين الدول الأوروبية سبق التوقيع على معاهدة ماسترخت عام 1991، لتعود إلى فترة خمسينيات القرن الماضي، فإن الإشكالية التي تواجه هذا الكيان ما زالت تتمحور حول التضامن والتكافل بين دوله. فواقع العلاقات بين الدول الأوروبية يدلّل على تباين عميق في وجهات النظر بشأن عدد من المسائل الاستراتيجية المصيرية، كموضوع العلاقة بروسيا، أو ضرورة تبنّي استراتيجية دفاعية تدل على نوع من السيادة الأوروبية المستقلة عن الإطار الأمني الأميركي من أجل حماية أوروبا، والمتمثّل بحلف شمال الأطلسي.

إذا قاربنا الرؤية الاستراتيجية للدول الوازنة في الاتحاد بمنهجية تحليلية، فإن النتيجة ستتمحور حول عمق إشكالية التضامن فيه. فالاستراتيجيات الوطنية لهذه الدول تدلّل على أن خيار العودة إلى الدولة القومية ما زال حاضراً في وعي بعض قادتها وشعوبها. يؤكد هذه الفكرة استمرارُ الخلاف العميق بشأن كيفية مقاربة المسائل الأكثر تأثيراً في فعّالية الاتحاد. فعلى الرغم من مستوى التكامل والاندماج الاقتصاديَّين اللذين نجحت دول الاتحاد في ملامستهما، فإن مسائل جوهرية ما زالت تشكل عائقاً أمام مشروع الوحدة الفاعلة والمتوخّاة من مشروع الاتحاد، مثل مسألة بناء جيش أوروبي وقيادة تدخل سريع، أو حتى مسألة خط السيل الشمالي (نورد ستريم 2) لنقل الغاز الروسي عبر بحر البلطيق وألمانيا إلى أوروبا، مع الإشارة إلى ما يعكسه هذا المشروع من تباين في تقدير الخطر الروسي المفترَض وكيفية التعاطي معه.

وإذا تعمّقنا في تعقيدات الخلاف بشأن مسألة بناء جيش أوروبي وضرورة تبنّي استراتيجية دفاعية مستقلة عن إطار حلف شمال الأطلسي، فسيظهر لنا حجم الخلل الذي يعانيه الاتحاد الأوروبي، إذ إن عجزاً بنيوياً يفرض نفسه على استراتيجياته، ويُعَوِّق أيّ محاولة لتكريس عقيدة أوروبية موحَّدة بين دوله. فالانقسام التقليدي بين معسكر شرقي وآخر غربي ما زال يُفرَض على التوازنات الداخلية للاتحاد. وبين معسكر شرقي يضع في سلَّم أولوياته ضرورةَ المحافظة على حلف شمال الاطلسي إطاراً رادعاً في وجه روسيا، وآخرَ غربي يبحث في كيفية إدارة الشؤون الدفاعية للاتحاد الأوروبي على نحو سيادي، يمكن أن نستنتج أن مسار تمتين أسس الاتحاد الأوروبي لن يكون سلساً. ويضاف إلى هذه الإشكالية انقسامٌ آخر مغاير، من حيث أطرافه. فالتباين يظهر، على سبيل المثال، في وجهات النظر بين طرفين هما: الفرنسي ومعه الدول الشرقية وأوكرانيا من جهة، والألماني من جهة أخرى، بشأن خط السيل الشمالي وآثاره في أمن الطاقة واستقلالية الاتحاد، بالإضافة إلى دوره في زعزعة عملية تمتين التضامن الأوروبي، المتصدّع أصلاً.

إذا سلّمنا بأنّ ما يُجْمع عليه القادة الأوروبيون ينحصر فيما يعتبرونه أثراً سلبياً للسياسات الروسية في الأمن الأوروبي، فإن هذا الإجماع ينقلب إلى انقسام حادّ بشأن مدى خطورة هذا الأثر، أو إمكان وجود أخطار أخرى تهدّد وحدة الكيان. فدول أوروبا الغربية تقيم أمنها الإقليمي انطلاقاً من أسس عالمية، بحيث إن الهدف الأساسي من الاتحاد الأوروبي، والمتمثّل بالسعي لتثبيته فاعلاً قطبياً، يفترض تأسيس بُنىً أمنية وعسكرية واقتصادية تراعي هذا الهدف، وتنطلق من براغماتية بنّاءة في توجُّهاتها الاستراتيجية، بالإضافة إلى افتراض ضرورة معالجة ملفات أخرى، كالهجرة غير الشرعية والتطرُّف وحقوق الإنسان، في حين أن ما يُصطَلح على تسميته المعسكر الشرقي في الاتحاد الأوروبي، يحصر اهتماماته في كيفية توفيق العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بهدف ضمان ألية ردع في وجه الدولة الروسية النشطة عند حدوده الشرقية، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدِّمه دول الاتِّحاد الغنية من مساعدات ومزايا ضرورية من أجل مواجهة أزماتها الاقتصادية.

في مقارنة هاتين الرؤيتين، سيظهر أن الاتحاد الأوروبي ما زال عاجزاً عن التحول إلى طرف فاعل على مستوى العلاقات الدولية، إذ إنه، ككيان يفترض ضرورة توحيد الرؤى الاستراتيجية في داخله كمنطلق لسياسات فعّالة تجاه الخارج، ما زال يواجه عدداً من القضايا التي تعكس تبايناً في الرؤى والأهداف. ولعلّ فلسفة بعض دوله تؤكد هذه المقاربة، بحيث إن المنطق، بحسب الرؤية الفرنسية ودول أوروبا الشرقية، يفترض أن وحدة الرؤية تجاه الخطر الروسي المفترَض، تستدعي عدم التشارك مع روسيا، أو الارتهان لها، في بناء خط السيل الشمالي، بسبب ما لهذا الخط من تأثير جيوسياسي في موقع أوكرانيا، وأيضاً في التوازن الأوروبي الروسي الهش والمثقَل بالامتعاض الأوروبي من التهديدات الروسية والتحركات العسكرية عند الحدود الشرقية وفي شبه جزيرة القرم، التي شكّلت استعادة روسيا لها أحدَ  أخطر تجليات العودة إلى مستوى التوتر الذي كان قائماً في زمن الحرب الباردة.

وإذا كانت الرؤية الفرنسية توافق تطلعات دول الاتحاد الأوروبية الشرقية، إذ تفترض ضرورة الحد من الدور الروسي المتعاظم على المستوى الجيوسياسي في أوروبا، عبر الحد من تأثير استخدام الغاز الروسي المستورَد كسلاح جيوسياسي، فإن فكرة الاستقلال الأمني، وضرورة تبنّي استراتيجية دفاعية ذات سيادة، أسّستا حالة فرنسية، رافضة تداخُل الأدوار بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ونتيجة ذلك، أسس موقفها حالةً من التباعد مع ثوابت دول الجوار الروسي وألمانيا المتمسكة بالدور الأميركي في آلية الأمن والدفاع الأوروبيَّين.  

بناءً عليه، فإن تقييم موقف الدول الأوروبية تجاه السياسات الروسية والدور الاميركي، يؤكد انقسام الرؤى الاستراتيجية لدول الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثٍ. فإذْ إن الموقف الفرنسي ينحو في اتجاه استقلالية ترفض الوصاية الأميركية وتفترض ضرورة الحدّ من خطر السياسات الروسية، فإن الموقف الألماني يتَّسم بالبراغماتية، بحيث يفضّل الاستئناس بالحماية الاميركية مع عدم ممانعة تمتين العلاقات الاقتصادية بالدولة الروسية. وبين الموقفين، تقف مجموعة دول المعسكر الشرقي في الاتحاد الأوروبي عاجزةً عن بلورة رؤية تتخطّى أرقها من الخطر الروسي، الأمر الذي يؤكد أن رؤيتها للاتحاد الأوروبي لا تخرج عن الإطار الأمني الذي كرَّسته الحرب الباردة.

من ناحية أخرى، فإن الإشكاليات التي تُلقي بثقلها على مسار توحيد استراتيجيات دول الاتحاد الأوروبي تلتقي مع الارتياب الأميركي من المسار الأوروبي الساعي للتحرُّر من وصاية حلف شمال الاطلسي. فالولايات المتحدة الأميركية تقارب علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، في مختلف المجالات، انطلاقاً من تقدير الأمن القومي الأميركي، بعيداً عن أيّ اعتبار لخصوصية الاتحاد الأوروبي.

فالإطار الحاكم لواقع الاستراتيجية الأميركية التي تحكم سياساتها الخارجية، يدلّل على تصنيف الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي كإحدى أدوات القوة الأميركية التي يمكن اللجوء إليها كلما دعت الحاجة، على أنّ من الممكن التخليَ عنها أو إهمالها إذا اقتضت المصلحة ذلك. يُضاف إلى ذلك أن التقدير التحليلي للغاية الأميركية من المحافظة على حلف شمال الأطلسي، إطاراً أمنياً للاتحاد الأوروبي، يمكن اعتباره استكمالاً لعملية الربط العضوي، والذي كرَّسته الولايات المتحدة عبر مشروع مارشال. وهي، إذ تحرص على هذا الربط، فإن انسحابها العشوائي من أفغانستان، بالإضافة إلى إصرارها على تحديد شكل المواجهة مع الدولة الروسية والصين وأسسها، أو حتى مقاربتها للملفات الحيوية في أوروبا، تؤكد أن الأمن القومي الأوروبي مجرّد تفصيل ثانوي في إطار مشروع المحافظة على ما تبقّى من مكتسبات الأحادية الأميركية المتراجعة أصلاً. واتفاقية أوكوس دليل على ذلك.

بناءً عليه، يمكن القول إن المعوّقات الداخلية التي تعرقل عملية تمتين أسس الاتحاد الأوروبي، وتمنع انتقاله إلى مرحلة الحكم الذاتي، سياسياً وأمنياً، تلتقي مع الغاية الأميركية المتمثّلة بضرورة المحافظة على القارة الأوروبية ساحةً للمناورة، وحاجزاً لصدّ ما تعتبره مشاريع مناوئة لوجودها ومصالحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى