مقالات

أبعاد الحرب السيبرانية الإسرائيلية ضد إيران

شرحبيل الغريب

يُعدّ الهجوم السيبراني الإسرائيلي الأخير، الذي استهدف محطات  لتزويد المواطنين الإيرانيين بالوقود، من أشكال المواجهة الممتدة والمستمرة بين إيران و”إسرائيل”، ضمن إطار الحرب الباردة. وقد أعلنت إيران أنها لم تتأثر كثيراً بمثل هذا الهجوم السيبراني، وأنها نجحت سريعاً في احتواء هذه الهجمات التي تتعرض فيها للمرة الأولى بشكل مباشر لمصالح الشعب الإيراني، سواء كانت على صعيد محطات الوقود أم على صرافات البنوك وغيرها من المصالح التجارية، ومن ينظر إلى مثل هذا الحدث يصل لنتيجة واحدة، وهي أن ما جرى هو تطور جديد من نوعه يجب التوقف عنده، وفهم أبعاده الحقيقية.

لقراءة المشهد بشمولية كاملة، علينا أن ندرك أن ما جرى من استهداف إسرائيلي، يتعارض بشكل واضح وأساسي مع النظرية التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت مؤخراً، خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما قال: “إن إسرائيل تفصل في تعاملها بين النظام الإيراني والشعب الإيراني”، إذ إن ما جرى يعدّ تغييراً واضحاً في الموقف الإسرائيلي وإقراراً في استهداف مصالح الشعب الإيراني مباشرة. 

الهجوم السيبراني الإسرائيلي ضدّ مصالح إيرانية هذه المرة، يأتي في إطار الحرب المفتوحة التي لم تتوقف منذ عام 2005، ولو عدنا إلى التاريخ قليلاً، فعلينا أن نتوقف أمام ما فعله رئيس الموساد الإسرائيلي العاشر، مائير داغان، الذي عقد اجتماعاً مهماً مع رئيس جهاز الشاباك وجهاز أمان الإسرائيليين، حيث خلص هذا الاجتماع إلى نتيجة مفادها أنه إذا أرادت إيران أن تصنع سلاحاً نووياً، فإن “إسرائيل” لا تستطيع وقفها، وقال بشكل واضح علينا أن نفكر ماذا نفعل.

الخلاصة التي خرج بها رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي آنذاك هي أن الحرب المباشرة مع إيران مكلفة، وأن الظروف والعوامل والضغوط الدولية لا تسمح أو تساعد على ذلك، وقرر منذ تلك اللحظة اعتماد “إسرائيل” سياسة الحروب السرية الباردة التي تعتمد اعتماداً كلياً على الحرب التكنولوجية المتطورة، واستخدام التقنيات المتطورة، عبر استخدام الحرب السيبرانية أو الاغتيالات غير المعلنة، لكن النتيجة التي يمكن قراءتها تجاه هذا الحدث هو عدم قدرة “إسرائيل” على مواجهة إيران من خلال الحرب المباشرة، خوفاً من تبعاتها، وهذا يعدّ جزءاً لا يتجزأ من حرب ليست بالجديدة، بل طويلة وممتدة.  

ثمة أبعاد واضحة من وراء الحرب السيبرانية الدائرة بين إيران و”إسرائيل”، وهي جزء لا يتجزأ من الحرب المفتوحة. والحرب السيبرانية تعدّ شكلاً من أشكال المواجهة القائمة، وها هي تتخذ طابعاً ذا أهمية يوماً بعد يوم، ولا سيما أن “إسرائيل” معنية بشكل كبير بالتشويش على البرنامج النووي الإيراني من جهة، والتخريب داخل البيئة الإيرانية الداخلية من جهة أخرى، من  دون حدوث ردود فعل عنيفة من قبل إيران أو تحمّل تبعات أي سلوك كبير ومباشر، إذ تعتبر “إسرائيل” الحرب السيبرانية أقل كلفة وأكثر أماناً من الحروب التقليدية التي يمكن أن تكون على شكل هجوم أو اعتراض سفن مثلاً أو ممارسة سياسة الاغتيالات المعلنة.

“إسرائيل” تقصد من وراء هجماتها السيبرانية تسليط الأضواء على برنامج إيران النووي، بهدف رفع حدة التوتر وتبرير النزعة العسكرية لديها عندما تقول إنها تتعرض لهجمات سيبرانية من قبل إيران، كما علينا أن لا نغفل أهداف “إسرائيل” الكامنة من وراء ترويج الصناعات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لكثير من الدول التي ترغب في اقتناء مثل هذه التقنيات الأمنية والعسكرية. 

التفوق الإيراني في مجال السايبر واضح ومستمر، وقدرة إيران مؤخراً على نشر معلومات خاصة عن وزير الأمن الإسرائيلي، وهو بالطبع شخصية ليست عادية، ومئات الشخصيات الإسرائيلية من الجنود الإسرائيليين، تعدّ اختراقاً أمنياً ونجاحاً إيرانياً يسجل أمام “إسرائيل”، بل يعدّ بمنزلة رسالة إيرانية واضحة لها مفادها أن الذي يستطيع أن يصل إلى معلومات سرية ويخترق هاتف وزير الأمن الإسرائيلي يستطيع أن يصل إلى أبعد من ذلك بكثير، ويصل إلى معلومات شديدة الأهمية، قد تكون ذات ارتباط بقضايا أمنية وعسكرية. 

الحرب السيبرانية بين إيران و”إسرائيل” ليست سهلة، وتعدّ حرباً جدية بالفعل، ومكلفة، من حيث النتائج، كما أنها تعدّ حلبة رئيسية من حلبات المواجهة القائمة، إذ إن الحلبات الأخرى كلفتها عالية جداً، لكن في تقديري أن الحرب السيبرانية ستحتل مزيداً من الأهمية خلال الفترة المقبلة، مع تزايد القلق الإسرائيلي من هذا الأسلوب في المواجهة أمام إحصائية للهجمات السيبرانية الموجهة ضد “إسرائيل” للعام 2020، والتي تسجل ارتفاعاً واتساعاً في حجم المعركة السيبرانية الدائرة بين إيران و”إسرائيل”. 

الحرب السيبرانية بين إيران و”إسرائيل” لم تقف عند هذا الحد، وقدرات إيران السيبرانية أصبحت عالية وكبيرة، وربما السبب الرئيسي وراء سياسة الولايات المتحدة و”إسرائيل” وحربهما تجاه ايران هو القدرة الكبيرة التي اكتسبتها إيران على مدار السنوات الماضية، بالنجاح والتحكم في عملية إنتاج اليورانيوم بما يمكنها من القدرة على إنتاج سلاح نووي  لا ترغب به أميركا وحلفاؤها في المنطقة مع الإشارة إلى أن طهران سبق أن أعلنت عن حرمة اقتنائه.

نحن أمام حقائق، وقد أصبحنا نعيش اليوم أمام ثورة من المعلومات والتقنيات لم تعد حكراً على “إسرائيل” أو الولايات المتحدة كما كان الأمر في السابق؛ فلو نظرنا إلى المشهد، فسنجد أن الصين هذه الأيام تنافس أميركا في الصناعات التكنولوجية وغيرها من الصناعات، وكذلك الهند تسير على الطريق ذاته، وبالتالي ليس مستغرباً أن تمتلك إيران هذه القدرة الكبيرة على تطوير ذاتها في المجال السيبراني، فلقد أصبح العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، وبالتالي نحن أمام نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تعودا وحدهما المتفوقتين في هذا المجال، وهذا أكثر ما بات يؤرّق “إسرائيل”، بعد أن بات واضحاً أن السبب الرئيسي الذي يجعل الولايات المتحدة، ومن خلفها “إسرائيل”، تخشى الملف النووي الإيراني، هو إدراكها أن إيران أصبحت تمتلك المعلومات الكافية حول إنتاج اليورانيوم من الألف إلى الياء.  

إيران، وعلى مدار الحرب الدائرة في المجال السيبراني، لم تقف متفرجة على مثل هذا التطاول الإسرائيلي، وبكل تأكيد، وفق أحداث ومعطيات كثيرة تقول إن هناك هجمات كثيرة تقوم بها إيران ضد “إسرائيل” ربما لا نسمع الكثير عنها أو نسمع عن بعض منها، لكن مثل هذه الهجمات تأتي في إطار الحرب السرية التي تهدف من ورائها إيران إلى الحصول على معلومات أو نتائج تحافظ على تفوّقها وتدافع عن نفسها أمام التغوّل الإسرائيلي في المنطقة. 

معروف أن “إسرائيل” تسعى من وراء تسعير الحرب السيبرانية مع إيران إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها تسليط الأضواء على التطور العسكري والأمني والاستخباري والصناعي الذي تشهده إيران، وتصويره كبعبع يخيف الجيران من الدول، ومعروف أيضاً أن “إسرائيل” لا تريد إيران دولة قوية لديها قدرات وصناعات تكنولوجية أو عسكرية أو سيبرانية، كما أن “إسرائيل” تعتمد اعتماداً كبيراً في صناعاتها الأمنية والعسكرية على سياسة التجارة، وتقوم ببيع برامج من هذا القبيل لكثير من الأنظمة المطبّعة معها وغيرها من الدول، كما جرى من خلال برنامج  بيغاسوس مؤخراً. 

مقاصد “إسرائيل” متعددة من وراء هجماتها السيبرانية، وهي تعمل لإيجاد أرضية مناسبة لتنفيذ مخططاتها، لإبقاء تصعيدها الأمني قائم في المنطقة، بحجة أن لديها مخاطر أمنية كبيرة تتمثل في إيران، كما أنها تحاول تبرير ذلك لاستمرار تحالفها مع أنظمة عربية مطبّعة تشاركها حالة القلق والخوف من اتساع نفوذ إيران في المنطقة، على قاعدة ورؤية مشتركتين، مفادهما أن إيران تمثل بالنسبة إليهم العدو المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى