أخبارمقالات

هل استمرار الهيمنة الأمريكية ضرورة للأمن والسّلم الدوليين؟

يرى الكثير من الكتاب والمفكرين الأمريكيين والغربيين بأن استمرار الهيمنة الأمريكية على العالم، هو الخيار الأمثل من أجل الحفاظ على كل المكتسبات البشرية وفي جميع المجالات، إذ أن العالم بدون وجود أمريكا فيه كقوة عظمى مسيطرة سيصبح عالماً أقل أمناً وسينتشر فيه العنف بجميع أشكاله وأنواعه، وستتحول الكثير من الدول الديمقراطية ذات الاقتصاد المنفتح إلى دول ظلامية أو ديكتاتورية مستبدة، وخاصة إذ نجحت دول ذات نظام سياسي استبدادي ديكتاتوري مغلق كالصين في قيادة دفة السّيطرة والهيمنة العالمية في الخمسين سنة القادمة.
إذ يقول المفكر و الباحث والبروفيسور في جامعة هارفارد صمويل هتنغتون في هذا الصدد “أن عالماً دون سيادة أمريكية سيكون عالماً متسماً بدرجة من العنف والاضطراب أكبر، وبدرجة من الديمقراطية والنمو الاقتصادي أقل من العالم، الذي تستمر فيه الولايات المتحدة في ممارسة النفوذ أكثر من أي بلد آخر في إدارة الشؤون العالمية، وهكذا فإنّ السياسة الدولية المستمرة للولايات المتحدة هي أمر رئيسي ومهم لرفاه وأمن الأمريكيين ولمستقبل الحرية والاقتصاديات المفتوحة، والنظام الدولي في العالم”، كما جاء في كتاب زينغيو بريجنسكي” رقعة الشطرنج الكبرى، السيطرة الأمريكية وما يترتب عليها جيو استراتيجياً” ص 32.
وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية التي رسمت قواعد النظام الدولي في مؤتمر بروتن ووز سنة 1944م، الذي انعقد في الفترة ما بين 2 يوليو/جويلية 1944م في غابات بريتون في نيوهامبشر بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد حضره ممثلو 44 دولة واتفق الحاضرون من خلاله على وضع أسس وقواعد النظام العالمي المالي وتشجيع التجارة والتعاملات المالية بين تلك الدول بعد الحرب العالمية الثانية، وهو المؤتمر الذي انبثق عنه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتعمير، وبالتالي تكريس سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على عصب الهيمنة العالمية، وهو الاقتصاد المحرك الأساسي لعجلة التنمية والتطور والتقدم الرأسمالي.
ويعتبر إنشاء الأمم المتحدة بكل مؤسساتها المختلفة وفوق الأراضي الأمريكية أحد المؤشرات المهمة التي تشير إلى أن أمريكا كقوة عظمى ستكون هي المتحكمة بخيوط اللعبة العالمية وفق خارطة جيو استراتيجية ترى بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي امتداد طبيعي للإمبراطورية الرومانية، وبالتالي عليها أن تعيد تشكيل العالم بما يخدم استمرار الروح الإمبراطورية القديمة، وباستخدام معظم الأساليب الرومانية والتي سمحت لروما بالاستمرار كقوة عالمية بمقاييس ذلك العصر ولحوالي ألف سنة، وبالتالي إعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية الرومانية ذات النزعة المسيحية الغربية.
وكل ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها سنة 1776م في فيلاديلفيا عندما أعلن المؤتمر القاري الثاني استقلال المستعمرات باسم الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الجنرال جورج واشنطن في الحرب الثورية، كان هدفه أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية ذات المساحة التي تقدر بحوالي 9.826.675 كلم، والتي تحمل تقريباً نفس القيم الغربية الأوروبية، ولها ثروات طبيعية وبشرية هائلة الدولة العظمى التي ستكون خليفة الإمبراطوريات الغربية المعاصرة، وبالتحديد الفرنسية والبريطانية في السيطرة العالمية، وهو ما بدأت ملامحه الأولى في الظهور مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) وانعقاد مؤتمر فرساي سنة 1919م، إذ كانت الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الأكبر منه وخاصة من الناحيتين السّياسية والاقتصادية.

وتأكدت الهيمنة الأمريكية على العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، حيث أصبحت الكثير من الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا بشقيها الغربية والشرقية وبريطانيا ودول بينيلوكس وروسيا السوفياتية وغيرها تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية، التي قدت لها قروضاً بمليارات الدولارات من أجل تمويل المجهود الحربي وإعادة بناء اقتصاديات تلك الدول المتهالكة، وحتى عندما دخلت أمريكا في حرب باردة مع السوفيات كان من الواضح لكل المراقبين المستقلين أن النصر سيكون حليف أمريكا وحلفاءها، لأن السوفيات كانوا متخلفين اقتصادياً وتكنولوجيا بشكل كبير عن الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في خداع الاتحاد السوفياتي بعد توقيع معاهدتي سالت 1 وسالت 2، وذلك ما بين سنة 1969 إلى غاية 1979م، والتي انقضت مدتها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1985م، والتي كان هدفها الحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية، حيث أنها و نفس الوقت كانت تعمل على تطوير برامج عسكرية سرية للإنتاج أسلحة ذكية وبتكاليف أقل، وتطور من منظوماتها للحروب الإلكترونية والسيبرانية، وتعمل على إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي الذي أصبح يعتمد أكثر على تكنولوجيا الناتو تكنولوجي واستخدام أشباه المواصلات التي أصبحت الأساس حالياً في مختلف الصناعات المتطورة التي يعتمد عليها العالم أجمع.
وبعد أن أصبحت أمريكا هي الشرطي الوحيد في العالم نتيجة إعادة بناء النظام العالمي الجديد بداية من سنة 1991م، انتشرت القيم والثقافة الأمريكية ونمط العيش والتفكير والحياة وأثرت في معظم شعوب وثقافات العالم، وأصبحت عدّة دول من خرج المنظومة الغربية كجنوب إفريقيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها دول تتمتع بقدر كبير من الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وتحترم حقوق الإنسان، وتتمتع بنظام اقتصادي غربي رأسمالي قوي وتنافسي.
ورغم كل ما للسيطرة الأمريكية على العالم من إيجابيات لا يمكن لأحد أن ينكرها كجعل العالم عبارة عن قرية صغيرة عن طريق ربط مختلف القارات والدول بالشبكة العنكبوتية وتدخلها لإيقاف الحرب بين البوسنة والهرسك (1992-1995م) التي اندلعت في قلب أوروبا وتقديمها للعديد من مجرمي الحرب الصرب إلى محكمة العدل الدولية لينالوا جزائهم، كالرئيس الصربي السّابق سلوغدان ميلوزوفيتس والجنرال رادوفان كارازيدتش وغيرهم، وتقديمها برامج للمساعدات الغذائية والإنسانية للكثير من دول العالم المتضررة من الكوارث الطبيعية و التي تعاني من الأمراض والمجاعات…إلخ.
وتحول الولايات المتحدة الأمريكية لمنارة للعلم والمعرفة، إذ تستقبل جامعاتها ومعاهدها المختلفة حوالي 500 ألف طالب سنوياً فضّل معظمهم البقاء فيها بعد انتهاء دراستهم، ولا يوجد مكتب في أي دولة في العالم ليس فيه موظف تخرج من أمريكا. وغيرها من المساهمات الأمريكية القيمية وفي مختلف المجالات والتي جعلت العالم مكاناً أفضل للعيش مقارنة بالعهود السّابقة من تاريخه.
ولكن وعلى النقيض من ذلك فإن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية أدت لظهور الشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت بمثابة الوحوش التي تنهش في أجساد الشعوب وتدمر دولها وتسرق ثرواتها، كما أن الأيديولوجيا البرغماتية لحكام أمريكا سوء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، دفعتهم لمساندة دول وكيانات محتلة الأراضي الغير كالمغرب وإسرائيل التي تعتبر قواعد عسكرية دائمة لها، كما دعمت واشنطن الأنظمة الدكتاتورية في العديد من الدول في مختلف أنحاء المعمورة وساندتهم عسكرياً وسياسياً وإعلامياً ومالياً، وعملت في نفس الوقت على إبقاء شعوب تلك الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية غارقة في الجهل والعنف والتخلف، كما أنها قامت بتدمير دول بأكملها بعد احتلالها ولأسباب غير منطقية ولا أساس لها من الصحة كالعراق وأفغانستان وفيتنام.
لأنها رأت فيها تهديداً للمصالح الأمريكية ولأمنها القومي، فالكثير من الممارسات التي تقوم بها أمريكا لتأكيد استمرار سيطرتها على العالم، وبشكل انفرادي أصبحت تشكل تهديداً جدياً للأمن والسّلم الدوليين، لذلك يجب على العالم أن يتحول وبموافقة المجتمع الدولي إلى عالم متعدد الأقطاب والتوجهات والرؤى السّياسية والاقتصادية، والثقافية حتى يصبح مكاناً أكثر أمناً وسلاماً لجميع دوله وشعوبه.

عميرة أيسر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى