مقالات

نولاند في روسيا.. الخيارات الصعبة والمقايضة على الصين

سلام العبيدي 

تعدَّدت القراءات والتكهنات حول زيارة هذه الدبلوماسية المحنّكة التي تمثل النهج المحافظ في المعسكر الديمقراطي، والتي اشتهرت في الفضاء السوفياتي السابق بتوزيع قطع البسكويت الأميركي على المتظاهرين الأوكرانيين في أحداث ميدان الاستقلال في كييف؛ تلك الأحداث الدرامية التي أطاحت الرئيس الأوكرانيّ آنذاك فكتور يانوكوفيتش.

في الواقع، إنّ بعض ما نوقش في وسائل الإعلام وأوساط الخبراء والمحلّلين يحمل طابع المضاربة والإيحاء بنظرية المؤامرة، وبعض الاستقراءات يذهب بعيداً في افتراض معادلات للمقايضة والإتجار بملفات إقليمية ودولية، بل بقضايا الأمن والسلم العالميين والاستقرار الاستراتيجي.

لا شكّ في أنَّ التغيّرات في العالم وصلت إلى درجة، وتصرّفات النخب السياسية في بعض الدول وصلت إلى حدّ، تجعل كلّها الاهتداء بنظرية المؤامرة في هذه القضية أو تلك أمراً مقبولاً ويمكن التسليم به، أو على أقلّ تقدير يمكن افتراضه، لكن ما الَّذي يحدد اليوم ملامح السياسة الدولية والاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين؟ 

لا يختلف اثنان على أن لا مفرّ من المواجهة بين الولايات المتحدة والصين. والمثير للقلق أنّ وتائر هذه المواجهة تتسارع باطراد، وبدأت تقترب من المجابهة المفتوحة. ليس سراً أنّ الزعيم الصيني شي جينبينغ يعتزم توحيد الشتات الصيني قبل أن يغادر الحياة السياسية، ما يعني أنه لن يكتفي بضم هونغ كونغ، بل يريد أن تعود تايون أيضاً إلى الصين على يديه. 

وهنا تحديداً، تتحوَّل المواجهة إلى مجابهة لا محالة. ولعلّ حادثة غواصة “Connecticut” النووية الأميركية قرب المياه الإقليمية لتايوان هي أوّل السجال في هذه المجابهة التي يمكن أن تتطور إلى صدام عسكريّ بين أسطولي البلدين، لفرض السيطرة على مياه شاسعة في المنطقة في مستقبل لا يبدو بعيداً، فمن يسيطر على الملاحة التجارية في جنوب شرق آسيا يهيمن في الاقتصاد العالمي ويفرض نفسه قوةً أولى عالمياً.

على خلفية هذه الآفاق الدرامية، زارت نولاند موسكو، ربما لتعرض على الكرملين مقايضات معينة؛ ففي ظروف تنامي أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الموارد الهيدروكربونية وانخفاض المخزون الاستراتيجي الأميركي من النفط، تتحوَّل أنظار واشنطن إلى الثروة النفطية الفنزويلية التي كانت في الماضي القريب غنيمةً للشركات الاحتكارية الأميركية، إلى أن تم تأميمها في عهد القائد البوليفاري الراحل هوغو تشافيز. 

في ضوء احتدام المواجهة مع الصين وحاجة الولايات المتحدة إلى تحييد روسيا في هذه المواجهة، لا تبدو مقايضة أوكرانيا بفنزويلا ضرباً من الخيال. من وجهة نظر الأهمية الاستراتيجية، تبدو المقايضة متكافئةً، فأوكرانيا تشكّل الخاصرة الهشّة لروسيا، كما تشكّل فنزويلا عمقاً استراتيجياً للمصالح الأميركية في القارة الأميركية الجنوبية. 

إنَّ ما يجعل هذه المقايضة واردةً في حسابات المصالح والمخططات الاستراتيجية الأميركية هو استنفاد إمكانيات استغلال الملفّ الأوكراني لابتزاز روسيا، والشعور بخيبة الأمل من النخب السياسية الأوكرانية التي تهتمّ بالصراع على السلطة وتقاسم ما تبقى من كعكة الثروات والمقدرات الأوكرانية أكثر من اهتمامها بالحفاظ على وتائر عالية في المواجهة مع روسيا.

لكنَّ إتمام مشروع خط أنابيب الغاز “السيل الشمالي – 2” دفن الأحلام المرتبطة بابتزاز روسيا بخط أنابيب الغاز الذي يشقّ طريقه إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية إلى الأبد. من هذه الزاوية، فقدت أوكرانيا أهميتها كورقة ضغط يمكن أن تقايض روسيا بها. في واقع الحال، أصبحت أوكرانيا عبئاً اقتصادياً وسياسياً ومعنوياً على واشنطن، بدلاً من أن تكون عبئاً على موسكو، كما خُطط لها. 

وفق مبدأ مونرو “Monroe Doctrine” بصيغته الجديدة التي تتبعها إدارة جو بايدن، تريد الولايات المتحدة إحكام سيطرتها على النصف الغربي من الكرة الأرضية، لتتفرغ للمعركة المقبلة لا محالة مع النصف الشرقي من المعمورة بقيادة صينية تلوح معالمها في الأفق. 

السؤال اليوم: أين روسيا من هذه المعادلة؟

واستباقاً لزيارة نولاند إلى موسكو، كان صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بكل وضوح أنَّ موسكو تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من الصين. أما نائبه سيرغي ريابكوف الذي افتتح سلسلة اللقاءات مع الدبلوماسية الأميركية، فأوصل عن طريقها رسالةً واضحةً من الكرملين إلى البيت الأبيض: “روسيا لن تقبل بالتواجد العسكري الأميركي في دول آسيا الوسطى بأيّ شكل من الأشكال”.

هذه الرسالة تعني أنَّ روسيا والدول التي تدور في فلكها لن تصبح قواعد انطلاق لمحاصرة الصين واحتوائها. إذاً، هي في الوقت ذاته رسالة طمأنة لبكين للتأكيد على وفاء موسكو بالتزاماتها التحالفية مع الصين.

مفاوضات نولاند التي جرت في غرف مغلقة، واكتنفها سرية تامة، لم تنته من دون نتائج، الجانب المعلن منها تضمن اتفاقاً على تخفيف القيود التي فرضها البلدان في عمل الدبلوماسيين لديهما. كما أكدت مفاوضات موسكو استمرار الحوار في قضايا الاستقرار الاستراتيجي والتعاون في مسائل عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وتنفيذ اتفاقيات مينسك المتعلقة بالتسوية في شرق أوكرانيا. 

لكن ماذا بالنسبة إلى الملف الصيني؟

روسيا تقف في موقف صعب لا تُحسد عليه. في الواقع، هي تتوسط عملاقين يتمتعان بشهية شرهة، فالولايات المتحدة تكافح بكلّ الوسائل لكي لا تنزل عن عرش الهيمنة العالمية. أما التنين الصينيّ الناهض، فهو يعدو بخطوات مضاعفة لفرض سيطرته على نصف العالم.

وفي هذا السّباق، تظهر موسكو أنَّها أقرب مسافةً من بكين منه إلى واشنطن، لكنَّ مواقف النخب السياسية والاقتصادية الروسية متفاوتةٌ. لا شكّ في أن اللوبي الصيني في أروقة السياسة الروسية يبدو أكثر قوةً على خلفية المواجهة مع الغرب، لكنْ ثمة فريق يدعو إلى اغتنام فرصة الوهن الغربي لفرض شروط في المفاوضات مع واشنطن وبروكسل للحصول على تسهيلات وتنازلات منهما في الملفات الخلافية مقابل حيادية أكبر في العلاقات مع الصين. 

معضلة روسيا الحقيقية، على الرغم من أنها دولةٌ عظمى من حيث القدرات العسكرية، إلا أنَّ حجمها في الاقتصاد العالمي لا يتجاوز 4%، ما يضعها أمام خيارين أحلاهما مرٌّ؛ إما أن تكون ملحقاً بالصين وإما مساوماً للغرب الجماعي، لكن هذا لا يمنع الكرملين من المناورة الذكية بين الخيارين، إلى أن يأتي يومٌ وتقف روسيا بكامل قامتها كقوة تمتلك كلّ مقومات العظمة الاقتصادية، كما كان ذلك واقعاً في أفضل فترات الاتحاد السوفياتي، فهل سيرحم الزمن روسيا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى