مقالات

دلالات محادثات حماس الأخيرة في القاهرة

وسام أبو شمالة 

استقبلت القيادة المصرية وفداً رفيعاً من قيادة حركة حماس في القاهرة، وعُقدت لقاءات على مستويات مختلفة، أبرزها اللقاء مع وزير المخابرات المصري عباس كامل الذي يعتبر الرجل الثاني في الدولة المصرية. ويبدو أن اللقاء ركّز على الجانب السياسي، وخصوصاً تحذيرات حماس من سلوك العدو تجاه القدس والمسجد الأقصى وقضية الأسرى، وإجراءاته العقابية ضدهم، والمباحثات السرية بشأن ملف التبادل (إطلاق الأسرى والمفقودين الصهاينة لدى حركة حماس مقابل أسرى فلسطينيين لدى العدو)، التي اتّسمت بالغموض والتكهنات التي لا تشير حتى اللحظة إلى تقدم ملحوظ في الملف، إضافة إلى قضايا أخرى فنية، بُحثت في إطار المستويات الحكومية والقطاع الخاص، تتعلق بتطوير التبادل التجاري والاقتصادي بين مصر وغزة، وتحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية في غزة، بما فيها حركة الأفراد والمعابر والتجارة عبر مصر.

في السنوات الأخيرة، تبادلت قيادة حركة حماس والقيادة المصرية الزيارات عدّة مرات، وعلى مستويات مختلفة، ولكنها شهدت كثافة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، أبرزها اللقاء بين رئيس الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار وعباس كامل وزير المخابرات المصرية، في مدينة غزة، بعد أيام من انتصار المقاومة في معركة سيف القدس. فهل تحمل الزيارة الأخيرة دلالات مختلفة؟ وما هي توجهات السياسة الخارجية المصرية تجاه قطاع غزة؟ وهل أثّرت معركة سيف القدس على تلك التوجهات؟

لا يخلو وجود ثقل قيادي لحركة حماس، بهذا المستوى النوعيّ والكميّ، في القاهرة من دلالات مهمة، لكونها المرة الأولى، على هذا المستوى، منذ عشر سنوات، ويعكس ذلك تتويجاً لمرحلة جديدة بدأت منذ منتصف عام 2017 الذي خطّ مسارات جديدة في العلاقات بين الدولة المصرية وحركة حماس، على قاعدة المصالح المتبادلة، بعيداً عن المحددات الأيديولوجية؛ ما أثمر توقف الإعلام المصري عن محاولات شيطنة الحركة، ووصمها بالإرهاب، وتحسين حركة الأفراد والمعابر والتجارة بين الطرفين، وقد تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من تطور العلاقة.

من النتائج السياسية لمعركة “سيف القدس” أنها رفعت الثقل الاستراتيجي لحركة حماس على المستوى الفلسطيني، والإقليمي، وأصبحت أحد الفاعلين المؤثرين في المنطقة، لكونها تمتلك عوامل القوة العسكرية والشرعية الوطنية والشعبية، والأهم من ذلك قدرتها على مواجهة “إسرائيل”، وهذا ما سيتعارض مع السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، التي تهدف إلى خفض التصعيد والحدّ من بؤر التوتر، والتركيز على منافسها الصيني، وتفضيل الأداة الدبلوماسية تجاه مناطق الصراع، وتحديداً في فلسطين ولبنان وإيران.

ارتفاع مكانة حركة حماس أدّى في المقابل إلى تعزيز دور الفاعلين والوسطاء بين الحركة والعدو، ولا سيما مصر وقطر، إلى جانب تعزيز مكانة أطراف المقاومة في المنطقة، دولاً وجماعات.

لم تُخف مصر خشيتها من انتقادات إدارة بايدن الديمقراطية للسياسة الداخلية المصرية، وتحديداً في ملفّي الحريات وحقوق الإنسان، وسعت لاكتساب شرعية أكبر لدى الإدارة الأميركية. وفي ضوء تقديرها للموقف الأميركي تجاه الحفاظ على الاستقرار في المنطقة، لعبت مصر دوراً بارزاً في وقف إطلاق النار خلال معركة “سيف القدس”، وحظي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي، هي الأولى منذ تولّي جو بايدن الرئاسة الأميركية؛ ما فتح لمصر نافذة فرص ستؤدي إلى مستوى متدنٍ من الانتقادات الأميركية، والخطوات السلبية تجاهها، بما يحقق هدف الحفاظ على المستوى نفسه من المعونة الأميركية السنوية لمصر، علماً بأنّ مصر تعتبر ثاني متلقٍّ لتلك المعونة بعد “إسرائيل”، منذ اتفاقية كامب ديفيد.

عوامل عديدة أسهمت في أفضلية الدور المصري تجاه حركة حماس وقطاع غزة، أبرزها العامل الجيوسياسي، والعلاقة التي تتمتع بها مصر مع الأطراف والفاعلين كافة، ولا سيما حركة حماس والفصائل الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، و”إسرائيل”؛ ما عزّز من اعتماد الإدارة الأميركية على مصر، وأسهم في تعزيز دور الأخيرة في المنطقة.

حركة حماس، من جهتها، أدركت المتغيرات التي أعقبت معركة “سيف القدس”، وهي تسعى لاستثمار أكبر لنتائجها؛ فهي ترى أنها الأقدر على الدفاع عن القضايا الوطنية، والثوابت الفلسطينية؛ ما جعل محور حديثها مع القيادة المصرية حول تلك القضايا الاستراتيجية، إلى جانب تطوير العلاقات الثنائية، والخطوات الواجبة نحو دفع العدو إلى الكفّ عن سلوكه تجاه القدس والمسجد الأقصى وقضية الأسرى، وضرورة وضع خريطة طريق تنهي الحصار على قطاع غزة.

من المثير للاهتمام في دلالات الزيارة أنّ بحث موضوع “المصالحة” كان في الحدّ الأدنى؛ ما يعكس إدراكاً مصرياً لتعقيدات المسار الداخلي الفلسطيني، وتحديداً بعد القرار الأخير لرئيس السلطة محمود عباس إلغاء الانتخابات العامة.

الاهتمام المصري بتطوير العلاقة مع حركة حماس يعكس، أيضاً، الإشارات التي أصبحت أكثر وضوحاً، بعد لقاء مسؤول الملف الفلسطيني في الخارجية الأميركية، هادي عمرو، مع رئيس السلطة أبو مازن، مؤخراً، واتضاح أنّ المسار السياسي للتسوية بين السلطة و”إسرائيل” أصبح مغلقاً، ولا أفق أمامه على المديين القريب والمتوسط.

بات من الواضح أن مسار العلاقة بين مصر وحركة حماس يتجه نحو مستوى أكثر استقراراً وتطوراً ، في ضوء حاجة الطرفين كل منهما إلى الآخر، ومصالحهما المتبادلة، وفي ضوء مخرجات معركة “سيف القدس”، وانعكاساتها على مستوى تأثير الفاعلين في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى