مقالات

فرنسا تكون أو لا تكون.. اختبارُ الحكمةِ والقوة

ميشال كلاغاصي

“طعنة في الظهر”… يا لها من صرخة أطلقتها الدولة الفرنسية في عصر إيمانويل ماكرون! هل تاهت فرنسا وفقدت أنيابها وأصبح من السهولة بمكان القفز على “سياجها”، أم هو ضعف الرئيس ماكرون داخل الحدود وخارجها؟ أين أصدقاؤها وجيرانها؟ هل تحوَّل حلفاؤها إلى أعداء؟ ماذا عن سيّد الأطلسي؟ ولماذا أراد لها أن “تغوص” وتكون أول ضحايا التحالف الأميركي الجديد؟

بشكل مفاجئ، قرَّرت أستراليا إنهاء العقد الفرنسي للغواصات المبرم منذ العام 2016، والتحقت وبريطانيا والولايات المتحدة بما سمي “التحالف الأمني بين الهند والمحيط الهادئ – أوكوس”، الذي أعلن إنشاءه الرئيس الأميركي جو بايدن بعد محادثات ثلاثية الأطراف.

ومن المفترض أن يسمح هذا التحالف العسكري للدول المشاركة بتوسيع إمكانياتها العسكرية المشتركة، وتبنّي ظهور ما لا يقل عن 8 غواصات نووية في المياه الأسترالية… وسط آمال أميركية بربط الهند واليابان بالتحالف الجديد إلى جانب كوريا الجنوبية، من خلال هدفٍ معلن، هو “الدفاع عن المصالح المشتركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”… لكنَّه أخفى هدف منع الصين من تحقيق مصالحها، وخصوصاً التجارية في المنطقة، وامتلاك القدرة على قطع الطرق البحرية التي تربط الصين ببقية العالم، بعد رفضها تقييد نموها والخضوع للهيمنة الأميركية، فكانت فرنسا أولى ضحايا التحالف الجديد.

بات من الواضح أنَّ احتدام العلاقات بين بكين وواشنطن وصل إلى مستوى جديد، شكَّلت لأجله الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً لمحاربة المنافس الصيني وخنقه، بمساعدة حلفائها الأنجلو ساكسونيين، إلى درجة أنَّهم اضطروا إلى الخلاف مع فرنسا من أجل ذلك، وتوجيه رسالة تحذير وتهديد إلى موسكو أيضاً، وهي الحليف الاستراتيجي الأكبر للصين.

وكالعادة، أعلن الأميركيون رواية حربهم الجديدة على لسان بايدن، وتحت عنوان “ضمان السلام والاستقرار على المدى الطويل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”، وتحويلها إلى منطقة حرة ومفتوحة، في إشارةٍ واضحةٍ إلى القواعد الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وخصوصاً في تلك الجزر “المتنازع عليها” في بحر الصين الجنوبي، في ميانمار وباكستان وبعض الدول الأخرى…

وعليه، أطلق بايدن البروباغندا الأميركية الجديدة، لتبرير نشوء التحالف وشراء أستراليا غواصات مزودة بمفاعلات نووية ومجهزة بأسلحة تقليدية لا نووية، “التزاماً بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، بحسب بايدن، في حين اعترف رئيس الوزراء البريطاني بأن المشروع الرئيسي لإنشاء أسطول الغواصات النووية الأسترالي في إطار تحالف أوكوس “سيصبح واحداً من أكثر التقنيات تعقيداً في العالم، وسيتطلب استخدام أحدث التقنيات… الأمر الذي يؤكد تطلعات بريطانيا لتقديم “خدماتها” التكنولوجية للتحالف وبرامجها المتطورة للغواصات النووية.

أما رئيس الوزراء الأسترالي، فلم يخفِ أن هذه الإجراءات تستهدف الصين، لكنها ستنعكس إيجاباً على أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وستجعلها بفضل التحالف “أكثر أماناً واستقراراً”، وكشف أنَّ بناء الغواصات الثماني في أحواض أستراليا سيمنحها قدرات عسكرية غير مسبوقة، وحصولها على صواريخ أميركية الصنع، بما في ذلك صواريخ “توماهوك كروز” لتجهيز المدمرات الأسترالية… وأن هذا سيساعد في الحديث المستقبلي مع الصين من موقع القوة.

في المقلب الصيني، أثار ظهور الكتلة المناهضة للصين رد فعل عنيفاً من السلطات الصينية، والتي دعت كانبيرا ولندن وواشنطن إلى الابتعاد عن “التفكير في زمن الحرب والتحيز الأيديولوجي”، وإنشاء “تكتلات استثنائية تستهدف مصالح أطراف ثالثة أو إلحاق الضرر بها”.

في الوقت نفسه، شنّت الصين حملة قوية لإدانة السلوك الأميركي في العالم، على لسان المتحدث باسم الخارجية الصينية، الذي أكد استخدام الولايات المتحدة معلومات استخبارية مزيفة بهدف إثارة الحروب، وإبادة المدنيين بلا حسيب ولا رقيب باسم محاربة الإرهاب، وباستخدام الفوضى والعقوبات الأحادية والجرائم التي تنتهك حقوق الإنسان، وأكد أن الأميركيين يقومون بالعدوان العسكري، ويلوحون بهراوة العقوبات، تحت راية “الدفاع عن حقوق الإنسان”، وتساءل عن ماهية حقوق الإنسان التي يدافعون عنها.

رغم تحالفها ومسيرتها الطويلة خلف السياسات الخارجية للولايات المتحدة، فإنَّها لا تزال تعتقد أنّها “دولة عظمى”، وتحاول الخروج عن دورها وحجمها وطاعتها للسيد الأميركي. ومن المثير للشّفقة أن تعتقد أنّها الرقم الصّعب الّذي يحتاجه الأميركيون، في الوقت الّذي يشعرون بالامتعاض وعدم الثقة بالسياسة الفرنسية، وبتعزيز شكوكها حيال حرص فرنسا على خوض المعركة إلى جانبها ضد الصّين، الأمر الذي يفسّر إقصاء فرنسا عن التحالف الجديد وإبعاد غواصاتها عن المعركة.

بالتأكيد، شكَّل القرار الأسترالي صدمة عنيفة لفرنسا، وتحدَّث وزير خارجيتها عن نيتها اللجوء إلى “الحزم الكبير”، والَّذي تُرجم باستدعاء السفراء، وإلغاء مشاركتها في احتفالية عسكرية، وبعض العبارات الفارغة سياسياً على قناة “فرنسا الثانية” تجاه أميركا وأستراليا، وبوصف بريطانيا بأنها “العجلة الخامسة في العربة”… هل يمكن لماكرون أن يثأر لنفسه وبلاده، وينجح في اختبار الحكمة والقوة، ويتجه نحو الانسحاب من الناتو، بعدما أثبت أنه أشدّ منتقديه، وأن مهمته الرئيسية هي الدفاع عن أوروبا، وليس بحلّ مشاكل الولايات المتحدة، وبالتحالف معها ضد الصين وروسيا؟

أخيراً، إنَّ سعي أميركا لتكثيف منافستها الحادة لبعض القوى الكبرى، سيؤدي إلى المزيد من التوترات الإقليمية والدولية، وسيفتح باب امتلاك الغواصات ذات الخصائص النووية على مصراعيه، ولن تكون فرنسا الضحية الوحيدة لولادة هذا التحالف الجديد، وسيلتحق بمصيرها آخرون ممن ستجبرهم واشنطن على الانضمام إلى التحالف المناهض للصين، التي يقف على حدود مجالها القومي والحيوي والاقتصادي البركان الأفغاني، الذي لم يبح بكلِّ “حممه” حتى الآن.

وفي اعتقاد الكثيرين، كان على الحكومة الأسترالية التي لا تنافس الصين ولا تصطدم معها جيوسياسياً، أن تفكر في عواقب تحولها إلى غواصة نووية لخدمة المصالح الأميركية، وكذلك في عواقب استهدافها الصين ومواجهتها مباشرة، فقد تجد نفسها في ليلةٍ وضحاها تتحدث عن الطعنة الأميركية في الظهر، على غرار فرنسا وتركيا والسعودية وآخرين. إن التحايل الأميركي على “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” يشكل تهديداً للبشرية جمعاء، وخصوصاً إذا ما استعملت واشنطن سلاح “الغواصات النووية” في عصرٍ جديد للهجمات الإرهابية النووية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى