أخبارمقالات

الانتخابات المغربية أوهام وأوحال

قناة الإبـاء /بغداد

 

 

لا جدل في المغرب هذه الأيام غير جدل استعمال المال الفاسد في انتخابات 2021 ، و هذا الجدل قاد النقاش باتجاه فيروس أخطر و هو زواج المال بالسياسة أو السلطان بالتجارة ، و هذا الزواج الكاثوليكي تناولته في أكثر من مقال و محاضرة، بل إني من المحللين الذين اعتبروا  المقاطعة السابقة لبعض المنتجات الأساسية و الحالية لإنتخابات 2021 ، هي  بمثابة رد فعل شعبي رافض لظاهرة زواج السلطة بالمال..فقبل نحو سنتين شهد المغرب انطلاق حملة شعبية  لمقاطعة بعض المنتجات الأساسية ، وقد تباينت المواقف بين معارض للحملة و مؤيد لها، وبين من يقلل ويشكك في جدواها وفعاليتها، وبين من يعتبرها أداة فعالة لمواجهة الاحتكار و التضخم والإثراء بغير سبب…

و قد نجحت حينذاك حملة المقاطعة في تحقيق أهدافها، بدليل الشعبية التي حازتها الحملة و الجدل الإعلامي و الشعبي حولها في الداخل و الخارج، بل تم انتقالها لبلدان أخرى ، و قد قلت في حينه أن أغلبية الناس الذين شاركوا في المقاطعة ، أنهم بهذا الفعل الحضاري البسيط ، والرمزي يعبرون عن رفضهم لأهم معضلة تعوق تقدم البلاد و العباد، و هذه المعضلة عبر عنها العلامة “ابن خلدون” بزواج السلطان بالتجارة، فالجمع بينهما هو أس الفساد وسبب في خراب العمران..

ولطالما نادينا في مناسبات عدة بضرورة فصل التجارة عن ممارسة السلطة السياسية، وتصدر المناصب العامة.. فنحن لسنا ضد الغنى ، ولكن ينبغي ان يكون الغنى بطرق مشروعة، واستغلال المنصب العمومي و ما يتيحه من معلومات اقتصادية يصعب الحصول عليها من قبل رجال أعمال و مواطنين عاديين ، الأمر الذي يقود لتحقيق مكاسب و مغانم غير مشروعة، فحملة المقاطعة لبعض المنتجات الأساسية  تتجاوز منطق الاحتجاج على ارتفاع الأسعار، بل تعبر ضمنيا عن رفض

احتكار التجارة و السلطة و الجمع بينهما، فأغلب أثرياء المغرب يمارسون السلطة السياسية، أو يرتبطون بأهل الحكم و السياسة، برابطة الدم و النسب و المصاهرة..

فشباب المغرب أصبح أكثر اضطلاعا على ما يحدث في البلدان الغربية و البلدان الديموقراطية، حيث تتم محاسبة الساسة على استغلال المال العمومي أو النفوذ، و لنا في قصة محاكمة رئيسة كوريا الجنوبية و حبسها، واعتقال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بتهمة الفساد واستغلال النفوذ، و محاكمة ملك إسبانيا السابق، و سجن رئيس وزراء ماليزيا السابق نجيب عبد الرزاق خير مثال على حساسية الشعوب الغربية و الديموقراطية من زواج السلطة بالمال..

لكن الوضع في المغرب و غيره من البلدان العربية مخالف تماما ، فالسلطة مصدر لتكديس الثروات، وتحقيق المكاسب المالية و التجارية العاجلة في غياب تام لمبدأ المحاسبة و المساءلة..و الهبة الشعبية في 20 فبراير 2011 عبرت عن هذه المطالب بطريقة احتجاجية…وقد تمت الاستجابة شكليا لبعض هذه المطالب عبر إصلاح دستوري أقر العديد من الحقوق و أهمها ضمان الحريات الفردية و الاقتصادية…

فمن حق المواطن أن يفعل أو لا يفعل، بمعنى أن يشتري أو يمتنع، وله أن يختار من السلع و الخدمات ما يشاء و هذا من أبجديات اللبيرالية الاقتصادية و السياسية… كما أن للمواطن الحق في اختيار من يمثله في تذبير الشأن العام ، وله أن يعاقب من يشاء عبر سوط الانتخاب ، و كذلك من حقه المقاطعة و العزوف عن المشاركة، فالمقاطعة من ضمن الأساليب الإحتجاجية المعمول بها في أغلب البلاد الديموقراطية و الديكتاتورية، فعدم المشاركة في المؤسسات و مقاطعتها يضعف شرعية الحاكم و المؤسسات المنتخبة، فنسب المشاركة العامة في الانتخابات مؤشر على مدى شرعية و كفاءة و رشادة الأنظمة الحاكمة ، و ضعف المشاركة مؤشر على عدم الرضى العام…

و في الحالة المغربية فإن الامتناع عن استهلاك بعض السلع،  و مقاطعة التصويت هو رد فعل غير مباشر على ظاهرة الجمع بين السلطة و التجارة ، وهي ظاهرة سلبية تعيق قيام اقتصاد حر سليم، كما أنها تؤدي إلى هدر المال العمومي عبر استصدار تشريعات و قوانين تخدم مصالح الأغنياء على حساب تضييق خيرات العامة..و التأسيس لليبرالية متوحشة تخدم الأقوياء وتقصي الضعفاء ، تغني القلة المتحكمة وتفقر الأغلبية…و الجدل حول استعمال المال بكثرة في انتخابات 2021 لا يخرج عن هذا السياق العام…و علاقة بظاهرة شراء الأصوات و استغلال حاجة فقر و عوز المواطنين، و اسمحوا لي أن أعود بكم للوراء قرائي الأعزاء للوراء…

أذكر أني لما كنت طالبا في الجامعة، و تحديدا في سنة الإجازة، قمت بإعداد بحث بتكليف من أحد أساتذتي حول المناصفة و مشاركة المرأة في السياسة بعد تبني مبدأ الكوطا، و في هذا السياق حاورت الأستاذة نزهة الصقلي ، و كانت في حينه برلمانية عن حزب التقدم و الاشتراكية ، و قمن بزيارتها بشكل دوري في البرلمان، و نظرا لظروف عملي أنداك سنة 2003 في مشروعي الشخصي  لتسمين الأغنام  و العجول، لم يكن لدي ترف الفراغ.. لذلك، إتفقت معها على عقد لقاءات مطولة و استعنت في حينه بأدوات العمل الصحفي و سجلت لها حوالي 6 ساعات في ثلاث لقاءات ..

و الواقع أن السيدة مشكورة عندما شرحت لها ظروف العمل و الدراسة عاملتني بإحترام شديد و مما قالته لي ” من المؤكد في يوم ما ستدخل لهذه القبة كبرلماني” و في حينه قلت لها “مازحا  و لما لا أصبح وزير اقتصاد” ، و قبل اللقاء بها طبعا إطلعت على تاريخها النضالي و انتماءها السياسي و العائلي فتحية لها و لكل نساء بلدي المغرب…

وأذكر اني إختلفت معها في كثير من المواضيع ، اختلفنا حول مدونة الأسرة و كان في حينه نقاش الشارع المغربي، و إختلفنا في الانتخابات و المال السياسي …و أذكر أني قلت لها أنا أفضل أن يعاقب الناخبين  المرشحين الفاسدين بإرهاقهم ماليا و عدم التصويت عليهم، فإذا ارتفعت كلفة الحصول على صوت الناخب سيصبح من الصعب المجازفة بالترشح …

قلت هذا الكلام في حينه و انا لازلت غير ناضج سياسيا و أكاديميا و لم أصوت طيلة حياتي ، انتميت لاتحاد الطلبة و لحزب الطليعة الديموقراطي فترة من الزمن لم تتعدى السنة، لكن فيما بعد و بعد تغير جذري في حياتي المهنية و الأكاديمية، و انتقالي من العمل في الأنشطة الفلاحية إلى التركيز على اقتصاد المعرفة وولوج عالم المضاربة و الاستثمار في الاقتصاد الرمزي، و خوضي لتجربة الصحافة و الإعلام وإدارة مقاولة إعلامية مالكة لجرائد ورقية و إلكترونية و إطلاق قناة تلفزية من لندن، و الدخول في شركات مع شركات قابضة مالكة لأقمار صناعية في الخليج و أروبا.. هذا التحول الأكاديمي و المهني، جعلني أدرك واقع المغرب الذي يعش بالفساد السياسي و الاقتصادي، فساد النخبة السياسية، فساد البيروقراطية ، بل فساد الجامعة التي إنتميت لهيئة التدريس فيها…

 وبدأت بوادر التغيير  تشمل مواقفي السياسية…إنخرطت في المشروع المجتمعي الذي جسدته حركة 20 فبراير ، راهنت بدوري على هذا الحراك و أمنت بمبادئ  20 فبراير، و دعمت هذا الحراك نضاليا و إعلاميا بل دعمت إعلاميا الربيع العربي و ناهضت الهجوم الشرس من قبل أنظمة الخليج على ثورات الشعوب العربية ، خاصة بعد الانقلاب على الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي، موقفي السياسي و الإعلامي في المغرب منذ حراك 2011 ، كان مع مقاطعة الاستفتاء على الدستور الممنوح..و رفضت في حينه عرضين  للترشح للبرلمان من طرف حزبين عتيدين البام و العدالة و التنمية…و لو قبلت ان أشارك في حينه بشهادة الزور لكنت ربما وزيرا أو سفيرا و لصدقت نبوءة الأستاذة نزهة الصقلي و لصدق طموحي المبالغ فيه سنة 2003  …

لكن قناعتي كانت و لاتزال أن السياسة ليست مصدر عيش أو فرصة لتحسين الوضع المعيشي ..هذه الأمور تتحقق بالعمل و بالتعلم ليس بالضرورة التعليم الجامعي أو المعاهد العليا ..تعلم حرفة او مهنة ،  فالحرفي البارع المختص في الزليج أو الصباغة أو البناء أو الرصاص أو الكهربائي يحقق دخلا صافيا أفضل من دخل أستاذ جامعي في مملكة الإستثناء…دخل حلال بكده و جهده و ليس دخلا متأتيا من قول شهادة الزور كما يفعل أغلب محترفي السياسة كمصدر للعيش…

دونت هذه السطور التي هي جزء من تاريخي الشخصي، لا للحديث عن نفسي ، فلست مرشحا حتى أسوق نفسي وأدعي أوصافا و نضالا و دراية قد لا أكون أهلا لها، و لكن من باب ” التعلم بالممارسة” كما يقول إخواننا الصينيون، كما أن انتماءي  للجسد الصحفي و الإعلامي بسيئاته و إيجابياته جعلني مدمنا للتبع الشأن العام، و لكن الجانب الأكاديمي  و العلمي يدفعني إلى التركيز على المسقبل و على صنع التغيير و على التغير الماكرو سياسي و اقتصادي..  …

عندما ذكرت نقاشاتي مع السيدة نزهة صقلي ، أرهقتها بأسئلتي سامحني الله ..و في جزئية شراء الأصوات و توظيف المال السياسي قلت لها موقفي هو : ينبغي إرهاق المرشح ماليا بأخذ ما يقدمه و أكثر لكن لا تصوت عليه ، ينبغي التصويت على الأكفأ و الأجدر لخدمة الصالح العام..و قد أغضبها موقفي بشدة و قالت لي هذا منافي للأخلاق و نوع من النفاق من قبل المصوتين…

واليوم مجددا أقول لمن ابتلاهم الله  بالعمل مع الأحزاب في هذه الحملات الانتخابية مقابل 10أو 20 دولار في اليوم  أو حتى  100 دولار فلا إشكال بنظري ..لماذا!! لأنه قياسا على قول الفقهاء ” ناقل الكفر ليس بكافر”.. يمكن أن نقول ” ” ناقل الكذب ليس بكاذب..” ، و الضرورات تقدر بقدرها، و الإسلام أباح للمضطر أكل الميتة …المفقر و المجوع و المعطل، مضطر فقد نهبت ثروات بلاده بفعل فاعل…

فهؤلاء بنظري مجرد حمالة يعملون بأكتافهم وعرقهم وأحذيتهم..هؤلاء حكمت عليهم الظروف أن  يخدموا أناس لا يحترمونكم ولا تحترمونهم.. فأن يقوم الموجز بتوزيع أوراق لمرشح أمي أو على الأقل لم يحصل على شهادة البكالوريا …فذلك مهزلة و شيء يؤلم حقا في مغرب المفارقات و العجائب…

هؤلاء بوضوح شديد يستحمرونكم ويستغلون نقاط ضعفكم وهشاشة أوضاعكم واضطراركم لبيع أوقاتكم ووجوهكم مقابل دريهمات معدودات.. لا بأس في ذلك.. لكن إياكم ثم إياكم أن تبيعوا ضمائركم ووطنكم، وحاضر ومستقبل أهلكم وأولادكم وجيرانكم..

إياكم والإدلاء بشهادة الزور والتصويت على من استحمركم طوال أيام الحملة مقابل مبلغ مالي زهيد كان أهون عليكم تسوله بشكل مباشر أو البحث عن أي عمل أخر، بدل تحصيله مقابل خدمة السيد وكيل اللائحة.. أو رئيس حزب يريد شراء رئاسة الحكومة..أو مرشح صغير على المستوى المحلي و الجهوي، يريد جزءا من كعكعة مال الوطن !! هذا المرشح الذي يعمل بدوره كخادم مطيع في ضيعة شخص آخر يحركه كيف يشاء من وراء ستار مقابل كذا أعطيات وامتيازات و إكراميات على حساب الفقراء والجوعى والمشردين والمعاقين والاطفال الرضع واليتامى والمساكين.. !!

هل تعلم أيها المواطن المطحون، أن ما تم تخصيصه من ملايير لتمويل الحملة تم غصبه من جيوب الفقراء البؤساء.. من اقتطاعات الماء والكهرباء.. لعلك تعلم، وأكثر..  لكن ما يجب أن تعلمه الآن وتعمل به هو عدم التصويت على الكراكيز يوم 8 شتنبر.. حتى لا تحكم على نفسك بالبؤس المؤبد…

انتهى عملك بانتهاء الحملة كما سينتهي عملهم بانتهائها.. خد نفسا عميقا يوم التصويت.. وإن كنت مضطرا للتظاهر بالمشاركة والذهاب لمكان الاقتراع، فاذهب وشاركهم كارنفال الضحك على الذقون والطنز الديموقراطي..  لكن  دون أن تضع علامة على أي كان.. وقل ” هذه بضاعتكم ردت إليكم” ، أو صوت على من يحاربه سدنة النظام و انتم أعلم مني، واخرج عليهم مبتسما رافعا شارة النصر سائلا الله تعالى أن تكون هذه الانتخابات خاتمة الأوهام ونهاية الأوحال…اما كاتب المقال فهو مع مقاطعة الانتخابات تصويتا و ترشحا…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

**د. طارق ليساوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى