أخبارمقالات

بعد الهروب الأطلسي من أفغانستان.. الهزيمة تتجسد هزيمة والانتصار انتصارا مهما علا ضجيج العالم الافتراضي

قناة الإبـاء /بغداد

 

 

يجد بعض المنتسبين إلى أوطاننا العربية صعوبة كبيرة في استساغة الهزيمة الأمريكية في أفغانستان. إنهم لا يقبلون الإقرارَ بها، ولا يزالون ينافحون مدافعين عن عدم انتصار حركة طالبان وطردها للقوات الأمريكية والأطلسية من بلدهم، يحاولون جاهدين ترويج أن ما جرى في أفغانستان، تمَّ برضى أمريكي أطلسي، ووقع بطيب خاطر الأمريكيين، وليس غصبا عنهم.

 فرغم صور الفرار الغربي الجماعي بالطائرات من أفغانستان، الصور التي نقلتها لنا الفضائيات بشكل مباشر من كابول، ورغم مهرجان اللطم والندب السائد حاليا في الغرب، ورغم حدة الصراخ والولولة التي تملأ المكان في الساحة الأمريكية، والإقرار الرسمي الغربي بالهزيمة، رغم ذلك، فإن هؤلاء المحسوبون علينا لا يزالون يجادلوننا محاولين نفي الهزيمة المنكرة التي منيت بها القوات الأمريكية ومعها الناتو في أفغانستان..

ونفس الشيء فعلوه في لبنان سنة 2006 حين هُزمت القوات الصهيونية على أيدي حزب الله، وفي غزة بعد أن هُزمت الدولة العبرية على أيدي حركة حماس في معركة سيف القدس، فرغم اعتراف الصهاينة بهزيمتهم، فإن هؤلاء المستعربون، يرفضون الإقرار بهزيمة أعداء الأمة العربية والإسلامية في أي بقعة من الأرض، وفي أي معركة يتمُّ خوضها، فبالنسبة لهم، فإن المنتصر دائما هم أعداء العرب والمسلمين، والمنهزم باستمرار هم الحاملون للواء العروبة والمتدينين بالدين الإسلامي..

في مقاربة الهزيمة والانتصار، لا يمكن أن تناقش هؤلاء بالمنطق وبالعلم، إنهم مثل من ينكر وجودك المادي وأنت ماثلٌ أمامه، ويطلب منك أن تثبت له أنك موجود فعلا. كيف ستفسِّرُ له أنك حيٌّ ترزق، وأنك تتحرك في حضرته، وهو ينازعك في وجودك معه ويلغيه، رغم أنه يراك دما ولحما، ويسمعك صوتا ونطقا.

هؤلاء جُبِلوا على الهزيمة واستوطنهم عارُها وتمكَّن منهم، وأصبح من المستحيل بالنسبة لهم وجود نقيض للهزيمة في القاموس وفي الوجود. أسيادهم الغربيون والأمريكيون والصهاينة لا يمكن هزيمتهم، إنهم هم المنتصرون، حتى إن أعلنوا هم أنفسهم عن انهزامهم..

إذا سمعوا شخصا يقول إن أمريكا هُزمت في أفغانستان والعراق وفشل مشروعها في سورية واليمن وليبيا، والكيان الصهيوني انكسر في غزة ولبنان، تثور ثائرتهم، ويسيطر عليهم عضب عارم، وإن كان المرء يجادلهم، في حضورهم، حول هزيمة الأمريكان والفرنسيين والصهاينة، يتصرفون، وكأنهم قد مُسُّوا في كبريائهم الذاتي، وجُرحوا في كرامتهم الشخصية..

البعض من هؤلاء يمكن القول عنهم إنهم من السذّج والمهزومين نفسيا، والقابلين بوضعية الهزيمة والراضين بها، ويعالج الدكتور مصطفى حجازي في كتابه القيّم: سيكولوجية الإنسان المقهور، مثل هذه الظواهر الإنسانية، ويشير في الكتاب إلى أن بعض الشخصيات من هذه النماذج البشرية، يصل بها الاستلاب إلى حد التماهي مع جلادها وتصبح تعشقه..

 وفي حالاتها القصوى، تتحول تلكم الشخصيات إلى كائنات تجد لذة أثناء ممارسة الجلاد التعذيب عليها، إذ تصير شخصيات غاية في المازوشية، وتهوى أن تعيش مدمنةٍ على وجبات القهر والتعذيب التي تتعرض لها، ولعل هذا هو حال الذين يغضبون للهزائم التي يتعرض لها أعداء الأمة العربية والإسلامية، ولا يجدون ذواتهم إلا في انتصار أعداء العرب والمسلمين عليهم..

وهناك فئة عريضة بات عدد أفرادها في حجم جيشٍ جرار يملؤون مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع الجرائد الإلكترونية، ويحتكرون شاشات الفضائيات، ويصبون يوميا الآلاف من المقالات والتغريدات والتدوينات التي تهدف للتهويل علينا بقوة العدو وجبروته، وتبخيس تضحيات الشعوب العربية والإسلامية، والتقليل من قيمة الإنجازات والانتصارات التي تحققها المقاومة العربية الإسلامية، ونفيها بالكامل.

العديد من هؤلاء يشتغلون مجندين من طرف الأجهزة السرية المحلية في إطار التعاون الاستخباراتي العالمي، ووظيفتهم هي إثارة البلبلة والسعي لبثِّ الفتنة والفوضى وزرع التشكيك في النفس العربية والذات الإسلامية، والتأكيد على أن لا جدوى من المقاومة ولا طائل من ورائها، في تحريض منهم على الاستسلام للأعداء والقبول بمخططاتهم الجهنمية في ديارنا. ويقوم هؤلاء بهذه المهام الخسيسة مقابل تعويضات يحصلون عليها من طرف مشغليهم. إنهم لا يمارسون قناعات، ويدافعون عن وجهات نظر، بقدر ما ينفذون ما هو مطلوب منهم من طرف أسيادهم، بكلمتين: إنهم مرتزقة..

لكن مهما علا صراخ هؤلاء المرتزقة وزعيقهم، ومهما ملأوا الفضاء الافتراضي ضجيجا، فإن الواقع المادي المعاش يظل أكبر منهم، فالهزيمة تتجسد هزيمة في الواقع حتى إن حاول الإعلام تزيينها أو إنكارها، والانتصار ينتصب انتصارا حتى إن سعى الإعلام لحجبه وإخفائه، والغرب العقلاني يميز بين الهزيمة والانتصار، ويتخذ القرارات في ضوء المعطيات الحقيقية والواقعية، رغم الضجيج الذي يسود العالم الافتراضي، ففي الكثير من الأحيان، يدفع صانع القرار الغربي لإحداث هذا الضجيج، للتغطية على القرار المؤلم المتخذ من طرفه..

عبدالسلام بنعيسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى