أخبارمقالات

افغانستان: غباء أم تغابي؟

قناة الإبـاء /بغداد

حوار الدوحة الذي أنتج معاهدة سلام بين الولايات المتحدة و الطالبان يوم 29 فبراير 2020 نص على انسحاب القوات الأمريكية و حلفائها و بدء محادثات سلام بين طالبان وحكومة أفغانستان و إنهاء العقوبات الأمريكية ضد الطالبان، ما لم تشن الطالبان أعمالا عدائية. و لقد شنت الطالبان ما يكفي من الأعمال العدائية ليلغى الاتفاق الذي جمده ترامب بعد مقتل جندي أمريكي في عمل عدائي لكنه، أي الإتفاق، ما لبث أن اكتسب حيوية من بايدن الذي بدأ بتنفيذ بنوده الخاصة بالانسحاب الذي نرى الآن.

هذا الحوار الأمريكي مع الطالبان لم يتوقف منذ عام 2001 و لكنه مورس بأشكال متعددة من الدبلوماسية النشطة  كان منها القتال و الحصار و العقوبات و الدبلوماسية السرية و العلنية و مر بعدة بلدان شملت باكستان و روسيا و ألمانيا و الأمم المتحدة عبر بعثتها في كابول. و المحادثات رئسها عن الجانب الأمريكي المبعوث عابر الإدارات الجمهورية والديمقراطية، زلماي خليل زادة، الذي هندس الجولة الأخيرة للمحادثات في الدوحة، والتي وقع معاهدتها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، و هو الذي يسعى جاهدا بالمناسبة ليحظى بترشيح الحزب الجمهوري له في الإنتخابات الرئاسية القادمة.

لنا أن نتخيل الكم الهائل من المعلومات الاستخبارية التي جاء بها الأطراف لكل جلسة حوار. بديهية لا تحتاج كثير كلام. و لنا أن نتخيل الكم الهائل من المعلومات الاستخبارية التي تجمعها الطائرات و الأقمار الصناعية و العملاء عن كل ما دار ويدور بأفغانستان. هذا أيضا بديهي. لماذا إذا فورة التفاجئ التي يصفع بها الناتو و أعضاءه العالم عن سوء تقدير سرعة طالبان و انهيار جيش كابول؟ و كيف لهم أن لا يتوقعوا خوف الناس خاصة الذين دفعتهم الظروف للتقارب معهم، و هرعهم للمطار للخروج مع الخارجين؟ و أين تقديرات الأمم المتحدة بكل محلليها و الخبراء؟

الحقيقة أن أحدا ما مسؤولا في كل هذه الجهات إما أنه غبي أو أنه يتغابى. أشك بالغباء كسبب لأن ما أن محترف بمكان مثل أفغانستان يمكن أن يكون غبيا لهذه الدرجة. الأغلب أننا نرى عملية تغابي تمارسها الحكومات و ستستمر لفترة. بغيرها كيف نفسر استمرار إجلاء الأجانب و تشغيل المطار؟ واستتباب الأمن الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام عبر مراسليها الباقين بأفغانستان؟ وغياب صور همجية طالبان التي اعتدنا عليها بل ظهورهم كالأقزام السبعة في قصة سندريلا و هم يحتفون بالأميرة أو الإمارة؟  و تصريحات طالبان للناس بممارسة أعمالهم؟ حتما، لطالبان فلسفة حياة و حكم تجعل النساء و الأقليات قلقين، و يحق لهم ذلك. لكن ألم يعلم زلماي خليل زادة و بومبيو و ترامب و الأفغان أنفسهم ذلك؟ ألم تعلم الأمم المتحدة و مئات الجمعيات الإنسانية المدنية؟ بالقطع علموا. ولذلك فإن التباكي اليوم على حقوق النساء و الأقليات و الدعوات لطالبان بالتصرف الصحيح تجاه حقوق الإنسان هو تغابي. إنها طالبان و ليست مجلس كانتون سويسري.

يعكس كل هذا واقعية السياسة و سيادة المصلحة. في واشنطن يعلم الجمهوري و الديمقراطي أن أفغانستان أوصلتهم لمرحلة الفوائد المتلاشية و أن استثمار المزيد سيكون بلا طائل. و لكن لم يكن هناك من بأس منذ 2001 في الإستثمار بشبه دولة لتبرير الوجود المكثف العسكري الذي كان يسبر الأغوار الأفغانية بأدق التفاصيل و منها بدون شك أي ثروات طبيعية. لكنها فترة كان يجب أن تنتهي لأن التنافس الكوني تطور كثيرا منذ عام 2001 و لم تعد الصين وروسيا تخجلان من الانكفاء بل تصاعدتا بمد النفوذ ما باتتا الخطر الأصيل للغرب. فلماذا الاستثمار بدولة أفغانستان التي لا يرجى من تطويرها رجاء؟ وهكذا أصول الحكم الأمريكي عندما تتلاشى الفوائد و تتغير المصالح مع الدول و داخليا في لعبة اللوم الحزبي. الآن الجمهوريون يقتنصون الفرصة ليضعفوا الديموقراطيين مستخدمين الإنسحاب الذي هم مهروا معاهدته بتوقيعهم. و لو كان ترامب الفائز في الإنتخابات لفعل الديمقراطيين ذات الشيء. المصلحة الأمريكية تقتضي الخروج و إعادة رسم الإستراتيجية لمواجهات مع الروس و الصينيين، و أفغانستان ليست بالمهمة كثيرا بشكل مباشر لكنها جزيئ من الإستراتيجية التي ستشغل جيرانها بنوايا و خطط طالبان. نوع من الذباب السياسي القميئ الأثر في الجوار. و لتذهب قضايا حقوق الإنسان للجحيم. ستتناولها الأمم المتحدة و الإعلام و المنظمات غير الحكومية مثلما تتناول قضايا أخرى في ميانمار أو الكونغو أو اليمن.

أنا مؤمن تماما أن أمريكا لم تنهزم في أفغانستان. و لم يكن أي خروج لقواتها ليكون بغير ما تم. و طالبان لم تنتصر. و الإثنان ليسوا أغبياء. الغبي هو الذي يرى في الإنسحاب نصرا. و ما هو إلا لعبة أمم جديدة نحن فيها الضحايا الأغبياء.

 

علي الزعتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى