مقالات

ماذا ينقص لبنان كي يتحوَّل إلى دولة مدنيَّة؟

خالد البوهالي

عندما طرح الرئيس اللبناني العماد ميشال عون في العام 2020 فكرة تحويل لبنان من دولةٍ طائفيةٍ قائمة على المحاصصة الطائفية إلى دولةٍ مدنيةٍ، بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، فإن عرضه لم يأتِ اعتباطاً، لأن الرجل كان، وما زال، جزءاً من تاريخ لبنان الحديث، وهو يعرف أدق تفاصيله، إذ إنه عاش حقبة الحرب الأهلية، وكان طرفاً فاعلاً فيها، حتى رحل عن لبنان إلى منفاه الاختياري في باريس.

ويبدو أن الرئيس عون أدرك أن نظام المحاصصة الطائفية الذي أقرَّه اتفاق “الطائف” في العام 1989 لإنهاء الحرب الأهلية التي دامت 14 سنة، لم يعد مجدياً وصالحاً في خضم المتغيرات التي تطرأ على الساحة الإقليمية والدولية، وبات من الضروري إحداث تغيير في بنية النظام السياسي اللبناني، لأنَّ النظام الحالي أصبح جزءاً من الأزمة اللبنانية، وليس جزءاً من الحل، فكيف ذلك؟

يتيح النظام الحالي لبعض زعماء الطوائف التخندق وراء أتباعهم، وأحياناً الدفع بهم إلى الشارع كلَّما حاقت بهم أزمة، أو الاستقواء بالخارج – الغرب – حتى أصبح الولاء لهؤلاء أكثر من الولاء للوطن، ما أفقد لبنان استقلاليته.

كما أنَّ تمرير القرارات الحسّاسة، كتعيين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والمصادقة على القرارات، لا يتم إلا عبر منطق التوافقات بين الأطياف السياسية اللبنانية، وليس الاحتكام إلى القانون والمؤسسات التشريعية، كما هو الحال في الدول ذات النظم الديمقراطية. يكفي أن ترفض إحدى الطوائف هذه القرارات – إذا كان لا ينسجم مع مصلحتها – حتى تتعطَّل، ما يشكل عائقاً أمام عمل المؤسسات السياسية، يحول دون تحقيق تطلعات الشعب اللبناني نحو العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

ما يحدث في لبنان ليس وليد الأزمة التي اشتعلت منذ سنتين تقريباً، بل نتيجة التراكمات السياسية والاقتصادية التي أفرزتها ممارسات سياسيي هذا البلد منذ نهاية الحرب الأهلية، حيث الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة، علاوةً على الحروب الكلامية بين القوى السياسية اللبنانية في وسائل الإعلام الموالية لهذا الطرف أو ذاك حول قضية ما. هذه الصراعات الجانبية شكلت حائلاً دون تقدم لبنان وتطوره.

وعلى هذا الأساس، إنَّ استبدال نظام المحاصصة الطائفية الذي جاء في سياق وظروف سياسية معينة، أضحى مطلباً ملحاً أكثر من أي وقت مضى، وصار قناعةً راسخةً بالنسبة إلى المواطنين اللبنانيين، فتبني دستور جديد ديمقراطي تعددي يكفل الحق لكل اللبنانيين – بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والمذهبية – في العيش المشترك والمشاركة السياسية على قدم المساواة تحت سقف الوطن، بعيداً عن لغة التوافقات والاصطفافات السياسية والمذهبية والتدخلات الأجنبية في شؤونه، والتي لم تَجُرّ على لبنان واللبنانيين سوى ما يعيشونه حالياً من أزمات، هو السبيل الوحيد لإخراج لبنان مما هو فيه.

لبنان اليوم على مفترق الطرق، فهو يواجه عاصفة من التحديات الداخلية والخارجية التي تهدد أمنه واستقراره، وأخطرها التحرشات الصهيونية التي تتربَّص به وبمقاومته، ولا يمكنه مواجهتها إلا بلمّ شمل اللبنانيين وتوحيدهم تحت رايته، فهو بحاجة إلى جميع أبنائه بكل أطيافهم، مسلمين ودروزاً ومسيحيين وغيرهم، فوحدة لبنان في تماسك شعبه، ولن يتأتى ذلك إلا بإقرار دستور ديمقراطي يكون فيه لبنان لكلّ اللبنانيين، وليس لطائفة على حساب أخرى.

ما ينقص لبنان ليس النخب السياسية والمثقفة، لأن هذا البلد كان وما زال خزاناً لا ينضب منها، وهي تستطيع إخراجه من أزماته والعبور به إلى شاطئ الأمان، لكن ما ينقصه هو توافر الإرادة لدى التيارات السياسية للسير به.

إنَّ لبنان بتاريخه المجيد الوضّاء، وإسهاماته النهضوية والفكرية في العالمين الإسلامي والعربي، لا يستحقّ ما يحدث له، فهل سنرى لبنان جديداً بدستور جديد في قادم الأيام؟ الجواب في قادم الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى