مقالات

الكيان الإسرائيلي.. ردع متأكّل وخيارات عقيمة

وسام اسماعيل

لقد كان لاختلاف الرؤى بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني حول الأزمة السورية وتعاظم قوة الجمهورية الإسلامية أثر في اختلاف الاستراتيجيات بين الطرفين؛ فبين المشروع الأميركي الذي حرص على إبقاء الحرب وتأثيراتها ضمن حدود الدولة السورية، والمشروع الإسرائيلي الذي أراد الاستفادة من الحرب، لناحية إضعاف الدولة السورية من أجل تحقيق بعض الأهداف، كتسهيل وصول حكومة “معتدلة” توقع “اتفاقية سلام”، وتشرع تنازلاً عن الجولان، وتضمن خروجاً من محور المقاومة، بما يساعد على محاصرة المقاومة في لبنان، نجح بنيامين نتنياهو في العام 2016 في الحصول على قبول أميركي بتنفيذ الكيان مشروعاً عُرف باستراتيجية “المعركة بين الحروب”.

انطلق هذا المشروع من ضرورة استغلال انشغال محور المقاومة بالحرب المصيرية التي يواجهها في سوريا، من أجل تحقيق الأهداف الإسرائيلية التي صنفتها القيادة الأمنية والسياسية والعسكرية في خانة الحيوية والمصيرية الضرورية للحفاظ على ما تعتبره تفوقاً إسرائيلياً في المنطقة، وذلك عبر ضربات جوية مركزة ضد الأهداف الأكثر حيويةً وأهميةً، بأسلوب مدروس بعيد عن الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية. وكان ملاحظاً خلال تلك الفترة مدى الحرص الإسرائيلي على تفادي مهاجمة كلّ الأهداف المتوفرة دفعة واحدة.

وبالفعل، وخصوصاً في الفترة الممتدة بين العامين 2016 و2019، خرج العديد من الأمنيين والسياسيين الإسرائيليين للتنظير لهذه الاستراتيجية، وأكدوا مركزية أهدافها لجهة منع الجمهورية الإسلامية من الاستفادة من الواقع الميداني في سوريا، عبر تعزيز وجودها العسكري على مقربة من الكيان، إضافة إلى إضعاف قوة المقاومة الإسلامية في لبنان، عبر التوجيه الممنهج للضربات الجوية لما يمكن تصنيفه أسلحة استراتيجية كاسرة للتوازن، والمساهمة في تطويع الدولة السورية بما يتناسب مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية لدول الجوار أو ما يعرف بدول الطوق.

واللافت أنَّ الإطار الحاكم لهذه الاستراتيجية لم يبقَ أسير تلك الضربات الجوية التي كانت تتعرَّض لها أراضي الدولة السورية، وفي بعض الأحيان العراقية، وإنما جرى توسيعها لتشمل أيضاً تطويراً لمعركة كانت بوادرها قد بدأت في العام 2002، إذ عمد الكيان الإسرائيلي إلى احتجاز عدد من السفن الإيرانية تحت حجج تتعلَّق بنقل السلاح إلى غزة ولبنان، ثم طور أعماله الأمنية في البحر، لتصل إلى توجيه ضربات إلى بعض السفن الإيرانية، ما استدعى رداً إيرانياً مماثلاً من دون أيّ تبنٍّ من أيّ من الطرفين.

وبالتوازي، تطور الأمر ليطال المجال الأمني والسيبراني، إذ استطاع “الموساد” الإسرائيلي، بحسب ادعائه، الحصول على 55000 وثيقة تخص البرنامج النووي، ثم نجح في العام 2020 في اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده.

ومن خلال تكريس هذه الاستراتيجية عبر الإضاءة على النجاحات التي ادّعى تحقيقها، كإطار حاكم لأسس النشاط الأمني والاستراتيجي الإسرائيلي، استطاع نتنياهو أن يقنع الرأي العام الإسرائيلي والإدارة الأميركية بجدوى هذه المعركة وأهمّيتها الحيوية للكيان الإسرائيلي، وأعلن في عدة مناسبات أنها أفضل ما يمكن للكيان الإسرائيلي أن ينفّذه في ظل الظروف المعقدة في المنطقة، غير أن ما ظهر في الإعلام الإسرائيلي منذ العام 2019 كان عكس ذلك، إذ شكّك العديد من العسكريين والمحلّلين السياسيين في جدوى هذه الاستراتيجية، ودعوا إلى ضرورة مراجعتها وإخضاعها لتقييم يبيّن مدى مساهمتها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي.

ولم يكد نتنياهو يغادر السلطة في الكيان الإسرائيلي حتى بدأت حكومة نفتالي بينيت بإجراء تقييم شامل لواقع الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، في ظلّ المستجدات التي عصفت بها، وما زالت تلقي بتداعياتها على المنطقة، وذلك بما أمكن تصنيفه بكونه انقلاباً على ما سبق لحكومة نتنياهو أن عملت عليه لمدة تزيد على 7 سنوات.

اعتبر بينيت أنَّ الاستراتيجيَّة التي اعتمدها نتنياهو منذ العام 2016 للحدّ من التهديدات على حدوده الشّمالية باءت بالفشل، فإضافة إلى ثبات التمركز الروسي في المنطقة، تعاظمت القوى المعادية للكيان، وأظهرت نتيجة الضربات التي أمعن الكيان في توجيهها إلى قوى المقاومة عقماً، إذ إن تأثيرها لم يخرج من دائرة المحدودية الضئيلة، إضافة إلى أن نتيجة الحرب البحرية غير المعلنة لم تكن في مصلحة الكيان، إذ كان عدد السفن الإسرائيلية التي تعرَّضت لهجمات مجهولة المصدر دليلاً قاطعاً على الفشل وعدم القدرة على التحكّم في مفاصل هذه المعركة.

لم ينتظر بينيت كثيراً، إذ إنه، وبعد توليه رئاسة الحكومة في أقلّ من شهرين، بدأ العمل على ما يؤكّد انقلابه على سياسة رئيس الحكومة السابق وأعضاء فريقه العسكري والأمني، إذ جرت خلال الشهر الماضي تغيرات في “جيش” الكيان الصهيوني، وتم عزل العشرات من قادة القوات الجوية والبحرية والبرية، كما تم تغيير رئيس مجلس الأمن القومي ونائب رئيس الأركان، ثم إنَّ هذه التغيرات ترافقت مع عدد من الإشارات المهمة التي تؤكّد وجود نيّة في تغيير استراتيجية الكيان تجاه الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة.

انطلق بينيت في مشروعه من محاولة إظهار عجز رئيس الحكومة السابق عن التحكم في مفاصل المعركة الوجودية التي يواجهها الكيان الإسرائيلي، كإحدى نتائج الفشل في قيادة السلطة السياسية في البلاد، فعمل على تسليط الضوء على الردع الاستراتيجي الذي استمر في التأكّل طيلة فترة تولي نتنياهو رئاسة حكومة الكيان، وسوّق لقدرته على قيادة الكيان في هذه المرحلة، مستفيداً من تجربته كرئيس لمكتب نتنياهو، ومن ثم وزير للدفاع في حكومة نتنياهو التي سقطت في العام 2018.

وإذا وضعنا جانباً، بسبب الصمت الذي ساد الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، فشل الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي أقرَّها بينيت على سوريا، فإنَّ الضجة التي أثارها الكيان الإسرائيلي بسبب الهجوم الذي تعرضت له حاملة النفط الإسرائيلية زودياك ماريتايم والغارات التي استهدفت الأراضي اللبنانية كانت محاولة للتأكيد على ضرورة الخروج من مأزق الخيارات الاستراتيجية العقيمة التي تبناها نتنياهو.

لقد أراد رئيس الحكومة نفتالي بينيت من خلال هاتين الحادثتين التأكيد على فشل خيارات رئيس الحكومة السابق نتنياهو، والعمل على محاولة تعديل قواعد الاشتباك وشروط المعركة بما يناسب قدراته، فعمل على التراجع التكتيكي عبر محاولة إشراك الأميركي والبريطاني في المعركة البحرية ضد الجمهورية الإسلامية، واندفع في هجوم جوي على لبنان محاولاً كسر الخطوط الحمراء للمقاومة انطلاقاً من تقدير بعدم الرد، بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اللبنانية.

لكنَّ مراقبة سياق الأحداث المتتابعة منذ اتهام الجمهورية الإسلامية بضرب حاملة النفط الإسرائيلية، وكذلك عملية الرد الصاروخي الذي نفذته المقاومة الإسلامية وخطاب أمينها العام في اليوم الَّذي تلاها، يؤكدان عمق الإشكالية التي تعترض مشروع الكيان الإسرائيلي في هذه المرحلة.

من ناحية الحرب البحرية والهجمات الغامضة التي تتعرَّض لها السفن الإسرائيلية، لم يكن الانغماس الأميركي والبريطاني على مستوى تطلّعات حكومة بينيت، إذ أكَّد الطرفان التزامهما بالموقف الإسرائيلي، وصولاً إلى إمكانية رفع الملف إلى مجلس الأمن، الأمر الذي يؤكد عدم وجود نية لتصعيد الموقف، بما يمكن أن يتدحرج إلى حرب إقليمية.

ويؤكّد هذا الأمر أنَّ العديد من الهجمات الإيرانية المباشرة ضد القوات الأميركية، كضرب قاعدة “عين الأسد” في العراق، وهي الأكثر خطورةً من حادثة السفينة، بقيت من دون رد. أما لناحية الضربات الجوية التي شنَّتها الطائرات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، فيكفي الإشارة إلى ردّ المقاومة وأمينها العام، وإلى مسارعة السياسيين والأمنيين الإسرائيليين ووسائل الإعلام إلى الإعلان عن عدم وجود نية لتصعيد الموقف، مع دعوة صريحة لضرورة مراجعة مدى مساهمة هذه الضربات في تعزيز عملية الردع.

إذاً، وبعد يقين بعدم جدوى خطوات بينيت الأخيرة لتعديل قواعد الاشتباك وتغيير قواعد المعركة، يمكن القول إنَّ ما يعانيه الكيان الإسرائيلي على مستوى تأكّل الردع وتعاظم الأخطار الاستراتيجية، لا يرتبط بمجموعة من القرارات أو بشخصية رئيس الحكومة ورؤيته للواقع الإقليمي، وإنما بموازين القوى المستجدة في المنطقة، إذ تعاظمت قوة محور المقاومة بطريقة هندسية أمكن من خلالها التأثير في تأكّل الردع الإسرائيلي، بطريقة أصبحت معها كل محاولة إسرائيلية لتعزيزه من غير جدوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى