تقارير

عيد الغدير في (الزمن الجميل)

الإبـــاء/متابعة

في تسعينيات القرن الماضي وقد كسرت شوكة صدام الانتفاضة الشعبانية وضغطت عليه المنظمات الدولية للتخفيف من حدة استبداده، فقام برفع شعار الحملة الايمانية وجسد النفاق بأتم تجسيد، حرصنا على الحضور عند مرقد الامام علي يوم الغدير رغم كل الظروف.

وكنا نصل بالسيارة الى أقرب نقطة من حرم أمير المؤمنين عليه السلام، لأن عدد الزوار قليل في أجواء الرعب والقمع البعثي، وكيف لا ونصف المتواجدين هم أزلام السلطة البعثية وفدائيو المجرم صدام، منهم من تنكر في ملابس شعبية ومنهم من تجاهر بزيه العسكري الزيتوني المقيت، بينما وضع الفدائيون أقنعتهم السوداء على وجوههم واعتلوا أسطح المرقد المبارك مسلحين متأهبين ومستعدين لأي طارئ!  عيد الله الأكبر كأننا نحيه في زمن بني أمية والعباس، ورأيت بأم عيني ما فعلوا بذلك الرجل الذي ارتفع صوته بعبارة :

” صلوا على محمد وآل محمد ” واذا بهم يحيطون به ويسقطونه أرضا وينهالوا عليه بالضرب ومن ثم يسحلوه خارج الصحن العلوي وسط فزع وذهول الزوار وحتى المندسين منهم، هو لم يقترف جرما سوى ما ذكر من صلوات مستحبات هذا اليوم المبارك.

وما زلت أتذكر جارتنا الطيبة أم حيدر كيف ثكلت بولدها البكر ذي الثمانية عشر ربيعا يوم عيد الغديرعندما اعتقلوه فقط لأنه ردد : ” بايعناك يا كرار وجينا نجدد البيعه ” ليغيب في دهاليز وأقبية أمن صدام العديدة، وليتعرض لأبشع وسائل التعذيب ويحتجزوه لأشهر طويلة وأمه تجوب الشوارع تبحث عنه في دوائر الأمن التي تعددت وانتشرت في كل أحياء بغداد، فلم تعد تكفي المعتقلات الرسمية وانما صاروا يحولون بيوت المواطنين المسفرين الى دوائر قمعية.

عندما عاد حيدر بعد أشهر من يأس سكن قلب أمه وأحال أيامها الى ليالي حزن دائم، وجدته بأرّث حال ومنهك القوى من شدة الجوع والتعذيب، حدّثها أنه كان بين زوّار أمير المؤمنين عليه السلام ويقف الى جانبه رجل معّقل وبمجرد أن ردد بيعة الغدير أمسك ذلك الرجل بيده وأخرج قيودا من جيبه وقيده بها، واقتاده الى مجموعة من أزلام صدام قد تأهبوا يختطفون الزوار وأمام أعين الناظرين! إذن هذا المعّقل واحد من أعوان صدام المندسين وله كل صلاحيات القمع البعثي، وهكذا بلا أمر قضائي ولا مذكرة إلقاء قبض يخفون شابا يافعا إخفاءا قسريا، في ظل غياب تام لحقوق الانسان، ذلك مشهد من  أيام حكم البعثيين المظلمة (الزمن الجميل)، وهكذا كان رأس هذه السلطة القمعية يمنع الناس حتى من البوح بهويتهم الدينية،  فكان حقا يزيد العراق .

نسأل الله بحق هذا العيد الأغر أن يديم علينا نعمة الحرية والكرامة، وأن لا يعود الاستبداد بأي وجه كان، وأخشى ما أخشاه أن يكون هذا المجرم وأعوانه قد استنسخوا أنفسهم، أو قد انتقلت عدوى القمع والقسوة من فلول البعثيين الذين أفلتوا من العقاب وتسربوا في المجتمع وتسللوا الى بعض أحزابنا الاسلامية…إن الله لطيف بالعباد.

 

تقرير/ د. عطور الموسوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى