أخبارمنوعات

“عمالقة مصر”.. هل تنتهي معاناتهما مع التنمر بعد “غينيس”؟

خروجهما من المنزل يعد مهمة صعبة، فما إن تطأ أقدامهما خارج باب البيت حتى تبدأ نظرات الخوف والسخرية في ملاحقتهما بشكل دائم.

تعد تلك أقل الملامح قسوة لمعاناة الشقيقين محمد وهدى عبد الجواد، لكن تحطيمهما 5 أرقام قياسية بموسوعة “غينيس” العالمية بث فيهما الأمل من الجديد لعيش حياة طبيعية مثل الآخرين.

وكانت موسوعة غينيس قد أعلنت مؤخرا عن نجاح الأخوين عبد الجواد، أو “عمالقة مصر” كما أطلق عليهما مستخدمو التواصل الاجتماعي، في تحطيم 5 أرقام قياسية، إذ سجل محمد رقمين قياسيين هما أوسع مدى لذراعي رجل على قيد الحياة بـ 250.3 سنتيمتر، وأعرض مدى ليد رجل على قيد الحياة بـ31.3 سنتيمتر عن يده اليسرى.

وعلى الجانب الآخر، حطمت هدى 3 أرقام قياسية هي أكبر يد لامرأة على قيد الحياة حيث بلغت يدها اليسرى 24.3 سنتيمتر، وأكبر قدم لامرأة على قيد الحياة بـ33.1 سنتيمتر لقدمها اليمنى، وأوسع مدى لذراعي امرأة على قيد الحياة بـ236.6 سنتيمتر.

يعيش الشقيقان بإحدى قرى محافظة الشرقية شمال مصر، ويبلغ محمد من العمر الآن 34 عاما، بينما وصلت هدى إلى عامها الـ29.

ويروي الشقيقان لموقع “سكاي نيوز عربية” رحلة معاناتهما مع التنمر والكلمات القاسية منذ الصغر، وآمالهما في كتابة “فصل سعيد” في قصة حياتهما عنوانه “غينيس قد تقتل المعاناة”، بعد كثير من الفصول السوداء.

البداية

يعود محمد بالزمن إلى الوراء، تحديدا في عامه الحادي عشر، إذ بدأت تظهر عليه علامات العملقة والنمو المختلف عن الآخرين، وتبدلت نظرات من حوله، فالبعض يخشى التعامل معه خوفا من حجمه، والآخرون يرونه صيدا سهلا للسخرية، حتى إن بعض زملائه كانوا يلقون الحجارة عليه من دون سبب.

ويقول محمد: “توفى والدي مبكرا وتسلمت والدتي مهمة الإنفاق على المنزل، لكن إصابتي بخلل في هرمونات الغدة النخامية كان مفاجأة غير متوقعة. حاولت أمي أن تجد حلا لعلاجي حتى أتخلص مما أتعرض له بشكل يومي من تنمر وسخرية، لكن ثمن العلاجات المتاحة وقف عائقا، وبمرور الأعوام ازداد حجمي أكثر وأكثر، وتلك الزيادة مستمرة حتى الآن”.

ويضيف: “كانت والدتي تحاول تدبير المبلغ اللازم لعلاجي، لكنها صدمت بظهور علامات العملقة على أختي هدى أيضا التي أكبرها بـ5 سنوات، بسبب خلل في هرمونات الغدة النخامية مثلي، لتزيد مهمة والدتي صعوبة”.

تلتقط هدى طرف الحديث من أخيها لتسترجع ذكريات الطفولة، وكيف أنها لم تكمل تعليمها مضطرة بعد سيل التعليقات الساخرة الذي كانت تتعرض له كل يوم.

وتقول هدى: “في الصف الرابع الابتدائي، كنت أنمو بشكلٍ مختلف عن زملائي، وكان هذا سببا لتعرضي للتنمر على يد التلاميذ وحتى الأساتذة. ولم أستطع تحمل ذلك لأخبر والدتي برغبتي في مغادرة المدرسة، وإنهاء رحلتي التعليمية، وهذا ما قد كان”.

يشار إلى أن قصور الغدة النخامية هو اضطراب نادر ينتج عنه خلل في إنتاج هرمونات الغدة سواء بالزيادة أو النقصان، وتؤثر على عدد من وظائف الجسم مثل النمو وضغط الدم والتكاثر.

واستمرت معاناة الشقيقين حتى أصبحا حبيسي المنزل، بعدما بات خروجهما إلى الشارع رحلة محفوفة بالمخاطر، فربما يلقي عليهما أحد الأطفال الحجارة، أو يسخر أحدهم من هيئتهما بعلو صوته، وأكثرهم رحمة كان يكتفي برمقهما بنظرة قاسية.

من الطفولة إلى الشباب

ينتقل محمد بحديثه إلى مرحلة الشباب، قائلا: “تخرجت في أحد المعاهد الأزهرية، وبدأ البحث عن وظيفة، لكن كان حجمي يثير مخاوف المؤسسات التي أحاول العمل بها سواء كانت حكومية أو خاصة، وأصبح رفضي في أي وظيفة أمرا معتادا، وكنت أستمع إلى تعليقات مكررة أغلبها يتعلق بخوف الموظفين من أن يزاملهم في العمل عملاق مثلي، وأنه في حالة اشتعال أي خلاف ربما أقتل أحدهم حسب ظنهم، مع أنني خلال حياتي بالكامل لم أتعرض لأحد، ولم أستخدم قوتي للرد على السخرية التي أتعرض لها بشكل يومي”.

ويتابع: “وصل طولي إلى حوالي 2 متر و40 سنتيمتر، وهذا الرقم يزداد خلال السنوات الأخيرة، لذا أصبح من الصعب إيجاد ملابس مناسبة، أو مواصلة عامة للانتقال مثل البقية، فاعتمدت على الملابس المفصلة خصيصا لي، وكان هذا مكلفا للغاية، خاصة أنني في العام التالي اضطر إلى تعديل مقاسات تلك الملابس مرة أخرى بسبب زيادة حجمي التي لا تتوقف، وللانتقال إلى مكان خارج قريتي، كنت أجلس في الصندوق الخلفي لإحدى عربات النقل أو (نصف نقل) لأنها الوحيدة المناسبة لي”.

كما يوضح محمد أن خروجه من المنزل أصبح عند الحاجة فقط، محاولا تقليل رحلاته اليومية قدر الإمكان للابتعاد عن تلك الصعوبات، مشيرا إلى أن أخته هدى ترغب في الجلوس بالمنزل طيلة الوقت، لكن المرض وقف عائقا أمام رغبتها، حيث تضطر إلى حضور جلسات الغسيل الكلوي بشكلٍ دوري.

وتقول هدى: “أخرج من المنزل عند الضرورة فقط، والحقيقة لا أرغب في الخروج إلى الشارع مطلقا، فحتى الذهاب إلى جلسات الغسيل الكلوي رفقة أخي محمد صار حملا ثقيلا على قلبي، قام أحدهم بتصويرنا منذ أيام، وهناك أطفال ألقوا علينا الحجارة، والتعليقات الساخرة ونظرات التعجب لا تتوقف طيلة الطريق. لا نرغب أبدا بالرد ونكمل طريقنا في صمت، لكن بكثير من الألم بداخلنا”.

تزوج محمد منذ سنوات، ليصبح منزل العائلة يضم 6 أشخاص: محمد وزوجته وهدى وأختان أخريان لم ينل منهما المرض، والأم، وتعيش الأسرة بالكامل على معاش الأم من زوجها الذي رحل عن الحياة منذ قرابة 27 عاما.

ويشير محمد إلى أن أسرته تلقت وعودا كثيرة من المسؤولين لتقديم المساعدة لكن أيا منها لم يتحقق، ورغم حصول محمد على شهادة التأهيل للشخص ذوي الإعاقة التي تؤهل للحصول على وظيفة ضمن الخمسة في المئة من الوظائف الحكومية المخصصة لأصحاب الهمم، فإنه لم يتم توظيفه حتى الآن.

موسوعة غينيس

تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى جانب المنصات الإعلامية المختلفة قصة الشقيقين محمد وهدى خلال الأشهر الأخيرة، ليأتي موعد فصل جديد من حياة الأخوين عبد الجواد، بدأ بمكالمة هاتفية من أحد مسؤولي الموسوعة العالمية “غينيس”، ليقول أن عليهما القدوم إلى القاهرة من أجل قياس طول بعض الأجزاء من جسديهما، وأنهما قد يحطمان الأرقام القياسية.

ويكمل محمد كواليس تحطيم الأرقام القياسية بـ”غينيس”، قائلا: “بعد تلك القياسات الجسدية عدنا إلى الشرقية، وبمرور الأيام وصلتنا شهادات رسمية من (غينيس) توثق تحطيمنا لخمسة أرقام قياسية، وكانت المرة الأولى التي نشعر خلالها أن أجسادنا مميزة ومختلفة، وليست تدعو إلى الخزي أو العار”.

كما توضح هدى أن الوصول إلى تلك الأرقام القياسية بعث فيهما الأمل من جديد، حيث “نعتبر تلك الشهادات إشارة قوية لمن حولنا بأن أجسادنا مميزة، وأن هذا الاختلاف ليس بأيدينا، وأن ما كان يستخدمه الآخرون مادة للسخرية، كان سببا لدخول موسوعة عالمية معروفة مثل (غينيس)”.

أحلام المستقبل

طوى الشقيقان صفحة الماضي من أجل التفكير في مستقبل أفضل يشغل حيزا كبيرا من عقليهما وذكر أحلامهما المستقبلية، إذ يقول محمد: “أحلامي ليست كبيرة. كل ما أرغب به أن أعيش حياة طبيعية وأن تكون لدي وظيفة وبيت مستقل، وأن أملك من المال ما يكفي لعلاجي أنا وشقيقتي هدى، وأن تكون هناك تسهيلات لمن يواجهون نفس ظروفي مثل وجود مواصلات عامة مناسبة، وملابس تناسب أحجامنا الاستثنائية، وأن يتحقق جزء لو بسيط من الوعود التي اعتدنا على سماعها خلال السنوات الأخيرة”.

ويردف محمد: “بعد تحطيمنا تلك الأرقام القياسية، احتفت بعض أهالي قريتنا بنا، فأغلب من تعامل معنا يدرك جيدا أننا لا نرغب في إيذاء أي شخص، وكل ما نريده هو الحصول على حياة طبيعية مثل الآخرين”.

كما تقول شقيقته: “ما حدث خلال الأيام الأخيرة جعلني أشعر للمرة الأولى بالتميز، وأنني لا أقل شيء عن بقية الفتيات، بل إن الخالق ميزني عنهم، لكنني ما زالت أخشى الخروج من المنزل، لكن أتمنى عند الخروج إلى الشارع أن تكون نظرة الناس إلي قد تغيرت”.

كما تمنى الشقيقان التدخل العاجل من المسؤولين للحصول على العلاج المناسب لحالتهما، إذ أوضحا أن نموهما لا يتوقف، بل يزداد حجم جسديهما بشكل مستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى