مقالات

أثر ثقافة المقاومة في المجتمع المقاوم

لماذا تلجأ الأمم والشعوب والجماعات الى المقاومة؟! وهل ثمة تعريف محدد للمقاومة؟! ما هي أشكال المقاومة؟! من هم المقاومين؟! وهل المقاومة فرض على الأمة كلها؛ أم أنها منوطة بفئة محددة منها؟! ومن هؤلاء؟! ولماذا هم وليس غيرهم؟! ومن يقاوم من؟! وهل المقاومة “حق” مشروع للجميع، أم أنه “حق” حكري للمقاومين وحدهم؟! وما هو تكليف الأمة تجاه المقاومة والمقاومين؟! وما هو الشكل المفترض للعلاقة بين المقاومين انفسهم؟! وما هي علاقة الأمة بهم؟! وما علاقتهم بها؟! وكيف تبرز قيادات المقاومين؟! وما هي الشروط الواجب توفرها بالمقاومين؟..

الأسئلة بدأت ولكنها لن تنتهي ابدا، بيد أن مجموع الإجابات للأسئلة الشائعة؛ أو تلك المختبئة في الرؤوس والضمائر، تشكل بمجملها موضوعا كبيرا هو (ثقافة المقاومة).

الكرامة عنوان كبير يتفرع هو الآخر؛ الى مئات العناوين الفرعية، لكن من المؤكد أن الكرامة تعد القيمة الأسمى في مسيرة المقاومة، وهي الدافع الأساس لقيام المقاومة..

(جملة إعتراضية..): لاحظ الترابط اللغوي الفريد؛ بين الأفعال “قام” من المصدر (قيام) قام يقوم، قم، قوما وقياما وقام، فهو قائم وقيم، والمفعول مقوم؛ و”قاوم”.. قاومَ يقاوم، مُقاومةً وقِوامًا ، فهو مُقاوِم ، والمفعول مُقاوَم..فتأمل..!

المقاومة قيامة..!

الدافع الرئيس للمقاومة هو إنتهاك الكرامة بكل أنواعها..الكرامة الوطنية والسيادية وكرامة الدين والمعتقد، والأصل والنوع والأمة، ويعد الظلم والإحتلال، والعدوان على التراب الوطني، وإنتهاك الحريات، أسبابا موجبة للمقاومة وبمختلف أشكالها ووسائلها، بما فيها وسائل العنف، كآخر وسيلة يلجأ اليها من انتهكت حقوقهم وكرامتهم.

من الكرامة تولد الحرية، ومنها تستقي الشعوب هيبتها وعزتها وإحترام ذاتها، والكرامة المصانة طريق للنشاط الإيجابي، وهي قيم وأحوال نفسية، ضرورية لبناء شخصية الإنسان كفرد وكمجتمع، والتمسك بالكرامة وتدعيم مستلزمات قوتها، تحدد مسيرة الشعوب ومصائرها، ومنها تستقى شخصية الفرد المقاوم والجماعة المقاومة، وترسخ إختياراتها وإنحيازاتها.

بارومتر الكرامة هو معيار المقاومة والمقاومين، الذي يؤدي الى إنتاج قيم مجتمعية وإنسانية وسياسية إيجابية، لا يمكن لأي رافض للقهر والظلم، ممانع للجور وإنتهاك الحقوق، أن يستغني عنها، وهي تشكل لب ثقافة المقاومة.

من إرهاصات المقاومة؛ تتبلور ثقافة مقاوِمة متنوعة وواسعة، قوامها العطاء والتماسك والتضامن والتكافل المجتمعي، ويرفدها الفكر والأدب والفن والمعرف ، وتتحول الى سلوك يومي يحمله الافراد والجماعات.

ثقافة المقاومة تحصن المجتمع والأفراد، ضد المضادات السلبية التي تعمل على تآكل روحه، وتعمل على تداعي قدرته على الصمود، وهي تصنع الإطار العام لتقدير الأهداف، وتقدم رؤية تكاملية ببصيرة واعية لما يجب أن تكون عليه الأمور، وتقدير المواقف والأحداث والشخصيات والأفكار.

كلما ارتفع مؤشر بارومتر  ثقافة المقاومة الى حدود الإطمئنان، وكلما كانت مخرجاتها ذات نتائج؛ قابلة للتطبيق على الأرض بشكل إيجابي، بحيث تتحول الى إطار جامع لا تختلف عليه الأمة، أو على الأقل الجزء المقاوم منها، كان هذا الإطار متماسكا منيعا، الأمر الذي يضاعف إمكانيات التصدي، والإنتصار في المنازلة مع العدو، مهما كانت أدواته ووسائله وخططه وحيله ومكائده، لذلك لا غنى للأمة عن المقاومة والمقاومين وثقافتهم، حتى في اوقات السلم والرخاء..المقاومة شكل من أشكال الحياة؛ الفاعلة المنتجة الزاخرة بالحياة والعطاء.

المقاومة عقيدة لها غلالها، وأول تلك الغلال؛ هو رسوخ ثقافة المقاومة، هي مغادرة الخوف وشيوع مشاعر ألإقتدار، وإطمئنان الأمة الى أن لديها من يدافع عنها، وعن كرامتها وعن حقوقها المنتهكة، وأنها ليست أمة خانعة مستخذية مقهورة.

 الحصيلة الثانية وكنتيجة أولية تسود المجتمع المقاوم، فضائل مختلفة تماما عن تلك التي تسود المجتمع الراكد..والمصاديق كثيرة في هذا الصدد، فقدرات الصبر والتحمل الفائق للخسائر والتضحيات، التي تسود مجتمعات غزة ولبنان المقاومة، فاقت بمديات كبيرة؛ ما يتخيله العقل أو ترويه القصص.

الحصيلة الثالثة لشيوع ثقافة المقاومة، هي حيازة الاقتدار المجتمعي، وبالتالي إزدياد حجم المشاركة السياسية، والإنتظام بالأعمال التطوعية الداعمة لخيار المقاومة، وهنا نستحضر قوافل الدعم اللوجستي، التي كانت تدعم الحشد الشعبي العراقي، الذي قاتل الدواعش ألأشرار بفدائية نادرة.

الحصيلة الرابعة هي أن أشكالا أخر،ى للمشاركة المجتمعية في النشاط المقاوم، صنعتها ثقافة المقاومة، ومنها تصاعد الوعي الأمني وألإستخباري المجتمعي، وتحول الأفراد العاديين الى مصادر تطوعية لجمع المعلومات عن العدو، والتحذير من تحركاته، وكشف خططه..غزة في فلسطين، وجنوب لينان، ليست أمثلة متفردة، فقد تلقى الحشد الشعبي العراقي وهو يقاتل الدواعش، سيولا من المعلومات التطوعية عن تحركات الدواعش وأماكن وجودهم، وعن أعدادهم واسلحتهم وعجلاتهم وتنقلاتهم، الى حد أن الدواعش باتوا ورقة مكشوفة.

الحصيلة الخامسة عي الإعلام المقاوم، الذي كان ميدانا مهما صنعته ثقافة المقاومة، وهو الآخر لم يكن منحصرا بالأجهزة المرتبطة بفصائل المقاومة بشكل مباشر، بل أن ظاهرة الإعلام المجتمعي المقاوم، كانت وما يزال فعلها هو الأمضى وألاقوى، والأكثر حصادا للنتائج وألأنتصارات، واليوم على طول الساحة المقومة وعرضها، مئات الآلاف من الناشطين الإعلاميين، المدافعين عن المقاومة وأطروحتها، ومعظمهم أن لم يكن جميعهم، لا يرتبطون بشكل مباشر بأي من فصائل المقاومة، لكنهم يتحركون بوعي وبصيرة مدهشة، حققوا بواسطتها إنتصارات إعلامية مذهلة على العدو.

في المحطة السادسة ومع تقدم الزمن، وظهور الفعل المقاوم، وإتساع القواعد الشعبية، تتغير القناعات، ومن هو سلبي اليوم سيكون إيجابي غدا، وينخرط المزيد من الكتاب والفنانين والشعراء، والأكاديميين والمثقفين، في النشاط المقاوم، وستتراكم ثروة وتراث ثقافي كبير، وذلك عبر الإنتاج الفكري والثقافي، الذي ييتحول الى إطار ثقافي للمقاومة، ثم لا يلبث ان يتحول الى نتاج معرفي خلاق، يصب في نهر المقاومة ويهدف إلى تحرير الانسان واستعادة كرامته.

 

*قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى