أخبارمقالات

يبدو أن العلاقات المغربية الأوروبية ماضية في طريقها نحو مزيد من التوتر والتأزيم. ففي الوقت الذي بدأت فيه دول أوروبا، بقيادة ألمانيا وفرنسا، الاعتراف بالجرائم التي اقترفتها ضد مواطني الدول الإفريقية في حقبة الاستعمار، وعلى رأس هذه الجرائم الإبادة الجماعية في ناميبيا ورواندا، وتعلن أوروبا ضمنيا بذلك أن استعمار بلدان إفريقية واحتلال أراضيها كان السبب المباشر في وقوع  الجرائم الفظيعة ضد الإنسان الإفريقي، في هذا التوقيت بالذات، تتخذ أوروبا موقفا متناقضا مع موقفها هذا تجاه جارها جنوب البحر الأبيض المتوسط الذي هو المغرب.

يعلم السياسيون الأوروبيون، أن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، أراضٍ مغربية بحكم الجغرافيا والتاريخ، وبحكم الساكنة الموجودة فيها، أراضٍ محتلة من طرف إسبانيا، وكان المنطق يقتضي من أوروبا أخْذ هذا المعطى بعين الاعتبار في مقاربة النزاع الحاصل حاليا بين إسبانيا والمغرب. لكن دول الاتحاد الأوروبي انحازت كليا لجهة إسبانيا في النزاع الواقع بين البلدين الجارين، وأعلنت مساندتها لمدريد بشكلٍ كامل ومطلق.

ولم تكتف أوروبا بدعم الموقف الإسباني في ملف الهجرة غير الشرعية من المغرب صوب إسبانيا، فلو أعلنت عن رأي  لموقفها في هذا الملف حصرا، لكان رأيها ربما مستساغا، أو له ما يبرره بالمنطق الأوروبي.. لكن حين يعتبر الاتحاد الأوروبي أن مدينتي سبتة ومليلية هي حدوده الجغرافية، ويصف أي اقتراب منها من طرف المغرب بأنه ممارسة للابتزاز والإرهاب، في هذه الحالة وبهذا الموقف، أشهر الاتحاد الأوروبي تزكيته لاستمرار احتلال إسبانيا للأرض المغربية، وأعلن عن عداء سافرٍ للمغرب، وبات يتصرف تجاه الرباط، بما هو متعارض مع تصرفه الذي أعلن عنه، من الجانب الألماني والفرنسي، تجاه ناميبيا ورواندا.

تتحمل إسبانيا، ومن خلفها أوروبا، مسؤولية تاريخية إزاء الأزمات العويصة التي يتخبط فيها المغرب، فلقد احتلت القوات الإسبانية شمال المغرب وأقاليمه الجنوبية، ومن بينها الصحراء المغربية، وقامت بتجزئته وتقسيمه بمعية فرنسا، الأمر الذي نتج عنه عدم تمكُّنِهِ من استرداد أرضه من المستعمر دفعة واحدة، وفي الحرب التحريرية التي قادها محمد بن عبدالكريم الخطابي في الريف، في عشرينيات القرن الماضي، تعاونت فرنسا وإسبانيا للقضاء على الثورة الريفية..

 ولتجاوز الهزيمة المنكرة التي ألحقتها قوات بن عبدالكريم الخطابي بإسبانيا في معركة أنوال الشهيرة، لجأ الجيش الإسباني إلى استعمال السلاح الكيماوي ضد الثوار الريفيين، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُستعمَلُ فيها هذا السلاح، الممنوع استعماله دوليا، ضد مغاربة فوق أرضهم التي كانوا يناضلون من أجل تحريرها من الإسبان، ولا تزال ساكنة الريف تعاني إلى حدود الساعة من مخلفات استعمال السلاح الكيماوي ضدها، في شكل نسبٍ مرتفعة بين أفرادها من الإصابات بأمراض السرطان بأشكالها المختلفة..

وكان المفترض في إسبانيا والدول الأوروبية، استحضار هذه المعطيات التاريخية، والتصرف مع المغرب كما يفعلون حاليا مع رواندا وناميبيا، بالانفتاح عليه والإنصات إلى همومه، ومساعدته على حل مشاكله، بما فيها دعمه للحفاظ على وحدته الترابية، خصوصا وأن المغرب ينتهج، منذ حصوله على الاستقلال، سياسة معتدلة، وموالية للغرب في جميع الصراعات الدولية والإقليمية، لكن للأسف، لم تراع أوروبا المواقف المغربية الموالية لها، وبادرت، دون تردد، لإعلان موقفها المؤيد لإسبانيا، وبذلك أكدت أوروبا أنها لم تتخلص بعد من العقلية الاستعمارية التي تستوطن أذهان قياداتها، وأنها لا تزال أسيرة هذه العقلية وتتمسك بها في الممارسة، رغم الادعاءات بأنها شرعت في هجرها..

لبُّ الأزمة المتفاقمة بين الرباط ومدريد ومن ورائها أوروبا ليس في استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي بأوراقٍ مزيفة للاستشفاء في الديار الإسبانية من مرضٍ خطيرٍ يعاني منه، الاستقبالُ في حد ذاته ليس هو أصلُ الأزمة ومغذيها، ما جعل الأزمة تتصاعد بين الطرفين هو ما وراء الاستقبال وبواعثه وخلفياته والرسائل التي يتضمنها، فليس استقبال غالي في الديار الإسبانية إلا الشاشة التي انكشفت وتجلَّت فيها دوافع وأسباب الأزمة الخطيرة القائمة بين المغرب وإسبانيا ومعها أوروبا…

 لفكِّ شفرة الأزمة الحاصلة بين المغرب وأوروبا يتعين استحضار أن استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو يأتي بعد الإعلان عن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، وحين تستقبل مدريد زعيم البوليساريو مباشرة بعد هذا الاعتراف، فإنها تبعث بهذا الاستقبال بردٍّ واضح وصريح على ما تعتبره اعترافا أمريكيا بمغربية الصحراء، ردٌّ يقول مضمونه، إننا نحن الإسبان، بخلاف واشنطن، لا نعترف بمغربية الصحراء حالا، ولن نقبل الاعتراف بمغربيتها استقبالا، وأننا نؤيد انفصالها عن المغرب، وسنعمل بكل الوسائل من أجل فصلها عنه، ولأجل هذه الغاية نستقبل زعيم البوليساريو الذي يشتغل في هذا الاتجاه..

 ولقد سبقت إسبانيا، في الإعلان عن هذا الموقف، ألمانيا التي أشهرت هي بدورها في وجه المغرب رفضها الاعتراف بمغربية الصحراء، وعارضت الاتفاق الثلاثي المُوقَّعُ بينه من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى.. ألمانيا التي لم يتعود منها أبناء منطقة المغرب العربي اهتماما كبيرا بشؤونهم السياسية الداخلية، إلى أن قفزت فجأة لتعارض الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء..

المغرب الذي كان يتصور أن التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سيفتحان الباب واسعا أمامه للحصول على مزيد من الاعترافات الغربية بمغربية الصحراء، وأن أوروبا سترحب بالخطوة التي أقدمت عليها الرباط، وستتبناها وتدافع عنها في المحافل الدولية بما يؤدي إلى تعزيز موقف المغرب في تشبثه بوحدته الترابية، المغرب الذي شكلّ دائما حارسا للحدود الجنوبية لأوروبا ومنَعَ عنها الهجرة السرية الكثيفة والغزيرة من أفارقة جنوب الصحراء الكبرى، والمغرب الذي شارك بجيشه لمرات عدة إلى جانب القوات الأوروبية في معارك متعددة في بؤر الصراع في مناطق مختلفة من العالم، والمغرب الذي ساهمت أجهزته الاستخباراتية في تفكيك خلايا إرهابية كثيرة كانت تستعد لاقتراف تفجيرات ومجازر عدة في عواصم غربية، هذا المغرب، لم يشفع له الدور الإيجابي الذي يؤديه نحو الجار الأوروبي الحصول على تأييده لمغربية صحرائه.

 لقد تفاجأت الدولة المغربية بأن أوروبا، مجسدة في الجار الإسباني، والقوة المالية والصناعية العظمى ألمانيا، تعاكسه في معركته المصيرية المتمثلة في الحفاظ على وحدته الترابية، وترفض الإقرار له بها، بل بات المغرب متهما من طرف أوروبا بأنه يمارس الابتزاز والإرهاب ضدها، انطلاقا من سبتة، المدينة المغربية المحتلة. وكان من الطبيعي أن يصاب المغرب، نتيجة لذلك، بخيبة أمل كبرى ترقى إلى درجة الصدمة، فهذا هو جزاء سنمار الذي كان من نصيبه، الجزاء الذي كافأه به حلفاؤه المفترضين الذين هم حكام أوروبا..

وتبعا لما سبق، تأكد أن الاتفاق الثلاثي بين المغرب وأمريكا والكيان الصهيوني الموقع بالرباط والقاضي بالتطبيع مقابل الاعتراف لم تنتج عنه أي مصلحة مغربية، ولعلَّ الاتفاق خلق مشاكل للمغرب في محيطه المغاربي، والعربي، والإسلامي، وخلق للدولة المغربية مشاكل مع الرأي العام المغربي الذي يرفضه، وإذا كان للاتفاق المذكور من مزية، فإنه كشف عن حقيقة الموقف الأوروبي الذي كان مضمرا من معركة المغرب في حفاظه على أقاليمه الصحراوية، فدول أوروبا، كما تجلى ذلك، في موقفها من الخلاف المغربي مع إسبانيا، أبانت عن كونها تناهض، بطرق ملتوية ومختلفة، مغربية الصحراء، وأنها لا تريد إنهاء الصراع حولها، بما يؤكد مغربيتها.

موقف أوروبا هذا يشير إلى أن حفاظُ المغرب على وحدته الترابية بات يقتضي مقاربات مغايرة تماما عن تلك التي ظلت سائدة منذ سبعينات القرن الماضي إلى اليوم، الدولة المغربية مطالبة بإجراء مراجعة شاملة لسياستها المتبعة داخليا وخارجيا، فالرهان على أن أوروبا حليف موثوق به للمغرب، ويجوز الركون إليه في معركة تثبيت مغربية الصحراء، كما كان يحثُّ على ذلك التيار اليميني الفرنكفوني الانعزالي ويفرضه على المغاربة، تأكد الآن أن هذا الرهان كان رهانا خاطئا وخاسرا، والنتائج المحصل عليها توضِّحُ أن اعتماده انتهى بالمغرب إلى الاصطدام بالجدار المسدود.

يحقُّ للمغاربة الاستنتاج بأن خصوم الوحدة الترابية المغربية ليسوا فقط هم أولئك الذين كان المغاربة يتصورونهم خصوما، تُبَيِّنُ الوقائع والأحداث الجارية أمامنا أن أوروبا في صف خصوم الوحدة الترابية المغربية، وفي خندقهم، وأن أمريكا لا تدفع أوروبا بشكلٍ جديٍّ لتغيير موقفها، ولعلَّ هذا هو ما يفسّرُ غضب المغرب ونرفزته في ردّه على إسبانيا ومعها أوروبا وأمريكا ضمنيا.

 والخلاصة هي أن حفاظ المغرب على وحدته الترابية أضحى أمرا شاقا وعسيرا، ويتطلب الاعتماد على النَّفْسِ، وحشد كل الطاقات الوطنية، ومضاعفة الجهود المضنية، على كافة الأصعدة والمستويات، وإعداد العدة لتغيير التحالفات،  بتجذير  العمق العربي الإسلامي الإفريقي للمغرب وترسيخه، بتنشيطه لدعمه للقضية الفلسطينية من موقعه كرئيس للجنة القدس، والتوجه صوب الصين وروسيا وتعميق التعاون معهما، لأن المستقبل لهما، وإعطاء معركة المغرب من أجل التمسك بصحرائه، بعدها النضالي التحرري، باعتبارها معركة انتزاع للوحدة الترابية لبلد من البلدان العالم الثالث، من جهات استعمارية، تسعى لبترها منه..

 وأولى الخطوات التي يتوجب اتخاذها في هذا السياق، هي التخلي عن صفقة التطبيع مع الكيان الصهيوني، لأنها كانت صفقة خاسرة، وأتت بنتائج عكسية، وصارت تُشَكِّلُ حاليا عائقا في طريق المغرب، نحو سنِّ سياسة مختلفة عن السياسة التي ظلت سائدة، والتي أودت بالبلد إلى هذه العزلة الشديدة والقاسية..

عبدالسلام بنعيسي / كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى