أخبارمقالات

لا نكسة بعد حزيران

تفاوتٌ كبير بين الحالة الفلسطينية والعربية بين حزيران 1967 وحزيران 2021 بعد أربع وخمسين عاما من ذكرى النكسة، فقد وقعت الهزيمة يوم كانت الحكومات والأنظمة العربية هي صاحبة القرار الأول والأخير، فهي وحدها تقرر متى ستقع الحرب ومتى ستنتهي كما حدث في حرب الأيام الستة لأنها وحدها من كان يمتلك السلاح والجيوش وجميع أدوات الحرب، وهي صاحبة القرار في التعبئة واسناد المعركة بالمتطوعين، فنحن لا ننسى كيف خرج الشباب العربي والاسلامي في جميع البلدان العربية والاسلامية وهم يطالبون حكوماتهم بالتدريب والسلاح وفتح الحدود أمامهم للمشاركة في المعركة التي خرجت منها اسرائيل منتصرة محتلة للضفة الغربية والقدس الشريف وغزة والجولان وشبه جزيرة سيناء حتى ان جيوشها عبرت قناة السويس إلى الضفة الأخرى وأصبحت اسرائيل خلال ستة أيام من المعارك الدامية ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب مخلّفة الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الآلاف من النازحين الذين تركوا ديارهم إلى الأردن وسوريا ومصر.

واليوم ونحن نستقبل ذكرى النكسة هناك الكثير من الأمور التي تغيرت وتحولت إلى حقائق تؤرِّق الدولة العبرية. فقد أثبتت أحداث الأيام الإحدى عشر من المواجهة الاسرائيلية الفلسطينية وانتصار المقاومة أن ثمّة معادلات جديدة دخلت في حلبة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني كان لابد من تأشيرها لأنها هي التي ستحسم اية معركة مع اسرائيل مستقبلا.

فمن جانب دخلت اسرائيل المعركة في الخامس من حزيران من عام 1967 وهي تمتلك كامل التصور عن خصمها؛ عدد قوات كل دولة من الدول المحيطة بها، عدد الطائرات والدبابات والمدافع التي تمتلكها فهي دخلت المعركة وهي تعلم أنها المنتصرة فيها إذ أعدّت العُدّة لكسب المعركة بكل سهولة ولا تكاد خسائرها تُذكر قياسا بخسائر الدول العربية يومها دخلت المعركة بثقة تامة ملحقة أكبر هزيمة بالجيوش العربية لأن كل شيء كان واضحا لها، وكل الطرق مفتوحة أمامها لتحقيق النصر العسكري.

لكن في معارك آيار 2021 تغير الأمر وتفاجأت اسرائيل بحقائق لم تكن في الحسبان، ولم تضع لها الخطط والأساليب التكتيكية لمواجهتها، تفاجأت بصواريخ المقاومة التي لا تكاد تنتهي بالرغم من أنها حولت سماء وأرض غزة إلى أرض محروقة وسماء ملتهبة علها تتخلص من هذه الصواريخ لكنها ومع كل ضربة كان الرد يأتيها أعنف وأقسى فاكتشفت ان غزة ليست هي المدينة التي تعرفها بيتا بيتا وزقاقا زقاقا، فتحت غزة المرئية هناك غزة أخرى لا يُمكن لأية قوة أن تقهرها مهما علت في غطرستها وعنجهيتها، وهذا ما دفع بإسرائيل أن تغير من استراتيجيتها في اقتحام المدينة ولو لعدة أيام والتوغل داخلها وهو ما كانت تتمناها المقاومة التي كانت على أهبة الاستعداد لأسر المئات بل الآلاف من الجنود الاسرائيليين في حالة اقتحامها لمدينة غزة.

لقد كانت هذه الحرب مفاجأة لإسرائيل على عكس حرب حزيران ولو أطالت في عمر عدوانها لاكتشفت المزيد من المفاجآت لذا أسرع نتانياهو بالإعلان عن وقف اطلاق النار من جانب واحد.

لقد كانت حرب غزة بمثابة الامتحان العسير لإسرائيل إذ عرفت من خلالها أنها في هذه الحرب لا تواجه حكومات وجيوش نظامية بل الذي يقف في وجهها هو الشعب الفلسطيني برمته ولم تفلح أساليب التقطيع الجغرافي والجدران العازلة وأساليب الفصل العنصري من انضمام كامل أبناء الشعب الفلسطيني الى المعركة حتى اولئك الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية والذين ولدوا وترعرعوا في ظل الكيان الاسرائيلي وهو ما كان يخشاه نتنياهو عندما علق على معارك اللد انها تُذكّر الشعب اليهودي بماضيه.

لقد اكتشفت اسرائيل انها أصبحت في حرب مع 1,930 مليون فلسطيني وهم فلسطينيو الداخل الذين لم يكن عددهم يزيد عن 150 الف في عام 1948 واليوم أصبحوا يمثلون قوة لا يُستهان بها كما انها اكتشفت انها تواجه 13,700 مليون هم عدد الفلسطينيين حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2020 وهم قد ملؤوا عواصم الدنيا رعيدا مزمجرين بصوت واحد ضد الاحتلال الاسرائيلي وما ترتكبه من جرائم.

واكتشفت اسرائيل أيضا ان الفلسطينيين ليسوا وحدهم في المعركة فقد خرج قادة المقاومة ليشكروا الدول العربية والاسلامية التي ساندتهم في معركتهم وليشكروا الشعوب العربية والاسلامية لما قدمته من مساندة ودعم للشعب الفلسطيني.

وبدأ الاسرائيليون يقرؤون مستقبلهم من جديد وان عليهم أن يغيروا من سياساتهم وان نتنياهو ومن على شاكلته ليسوا رجال المرحلة فعليهم ان يقروا بحقائق أصبحت دامغة بعد أن كانت نائمة ، فمن الآن وصاعدا عليهم أن يتلقوا الضربات الموجعة إذا أرادوا الاستمرار في نهج موشي ديان وأريل شارون ونتنياهو هذا النهج الذي لم يجلب لاسرائيل الا الدمار وأدخل الرعب في بيت كل اسرائيلي.

الدكتور محسن القزويني/ كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى