أخبارمقالات

الصاروخ الصيني “التائه” بين بكين وواشنطن

د. تمارا برو

ينشغل العالم حالياً بخبر خروج الصاروخ الصيني “لونغ مارش 5 بي” ، الذي يزن 21 طناً، عن السيطرة واحتمال سقوطه فوق منطقة مأهولة بالسكان. وأثار الخبر تفاعلاً كبيراً وموجة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، فضلاً عن  رصد مروره فوق عدد من الدول العربية.

بتاريخ 29 نيسان/إبريل أطلقت الصين بنجاح الصاروخ “لونغ مارش 5 بي ” الذي يحمل الوحدة الأساسية لمحطة الفضاء التي تعتزم الصين اتمام بنائها عام 2022، وكانت الصين قد بدأت العمل على إنشاء المحطة الفضائية بعد أن استبعدتها الولايات المتحدة الأميركية من محطة الفضاء الدولية. ومن المرجح أن يكون لمحطة الفضاء الصينية في حال اكتمال بنائها أهمية كبيرة خاصة بعد انتهاء المدة المحددة لعمل المركبة الفضائية الدولية عام 2024.

وبعد عدة أيام من اطلاق الصين لصاروخها نشر موقع SpaceNews  مقالاً للكاتب أندرو جونز أشار فيه إلى فقدان السيطرة على الصاروخ وهو في محاولة للعودة غير المنضبطة إلى الأرض، وأضاف الكاتب بأنه من المستحيل التنبؤ أين ومتى سيسقط الصاروخ وأن حطامه بعد احتراقه في الغلاف الجوي ، قد يسقط في المحيطات التي تغطي معظم سطح الأرض، إلا أن الصاروخ لا يزال يشكل تهديداً للمناطق المأهولة بالبشر. وسرعان ما انتشر الخبر كالنار في الهشيم ووجدته بعض الدول المعادية للصين مادة دسمة لشن هجماتها على الأخيرة .

وفي تعليقها على خبر الصاروخ التائه قالت وزارة الدفاع الأميركية أن قوات الفضاء الأميركية تراقب الصاروخ وتتابع مسار سقوطه في محاولة منها لإيجاد طريقة لمواجهته. بينما قلّلت صحيفة غلوبال تايمز المدعومة من الحكومة الصينية المخاوف بشأن حطام الصاروخ ونقلت عن خبراء فضاء صينيين قولهم أنه من المرجح جداً أن يسقط الحطام في المياه الدولية، ولا داعي للقلق. ووصفت الصحيفة التحذيرات بأنها لا شيء سوى ضجيج غربي بشأن تهديد الصين فيما يتعلق بتقدم تكنولوجيا الفضاء. وأشارت أنه من الطبيعي في مجال الفضاء أن يتساقط حطام الصاروخ على الأرض. وبحسب وانغ يانان، رئيس تحرير مجلة  Aerospace Knowledge فإن معظم حطام الصاروخ سوف يحترق في أثناء العودة الى الغلاف الجوي للأرض، مما يترك جزءاً صغيراً جداً قد يسقط على الأرض في مناطق بعيدة عن الأنشطة البشرية أو في المحيطات. وتحدث خبير صيني لصحيفة غلوبال تايمز أن الصاروخ يستخدم الوقود الصديق للبيئة ولذلك لن يسبب تلوثاً للمياه إذا سقط في المحيطات.

وفي محاولة للتقليل من المخاوف العربية بشأن خروج الصاروخ عن السيطرة علّقت سفارة الصين في السعودية عبر حسابها الرسمي على تويتر قائلة” هل الصاروخ الصيني خارج نطاق السيطرة؟ مثلما قدمت بعض وسائل الإعلام تغطية غير مهنية في مايو 2020، تعد الشائعات هذه المرة أيضا غير صحيحة” وأضافت: “فيما يلي التعليق المهني للخبراء.. بعد أن يكمل الصاروخ مهمة تسليم الحمولة الفضائية، يفقد قوته، وبغض النظر عن البلد الذي يصنعه، فلا يوجد مفهوم “التحكم” في حطام الصاروخ، لكن مسار رحلة الحطام محسوب بعناية” ، وأشارت إلى ان “الصاروخ الصيني، مثل صواريخ الدول الأخرى حتى الآن، آمن على الأرض”.

تستثمر الصين مليارات الدولارات في برنامجها الفضائي وحققت في السنوات الماضية انجازات في مجال الفضاء حيث تمكنت في العام 2003 من إرسال رائد فضاء، ولكن منذ تسلم الرئيس شي جين بينغ السلطة كثّفت الصين نشاطاتها الفضائية لتحقيق حلم الفضاء الصيني الذي وعد به الرئيس شي جين بينغ، وتعهد بأن تصبح الصين قوة عظمى في مجال العلوم والتكنولوجيا ومن ضمنها الفضاء في العام 2050. في العام 2020 أطلقت الصين مركبة تشانغ آه -5 التي جلبت عينات من القمر، كما تخطط الصين لإرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول العام 2030، ويسعى العملاق الآسيوي إلى بناء محطة بحثية قمرية دولية ولهذا الغرض وقعت الصين مع روسيا مذكرة تفاهم لإنشاء المحطة القمرية التي تنافس برنامج ارتيميس التابع لوكالة الفضاء الأميركية والذي يهدف إلى بناء محطة فضائية صغيرة في مدار القمر(جيتواي) وإرسال رواد فضاء إلى سطح القمر عام 2024. كما أطلقت في تموز/ يوليو العام 2020 أول مهمة مستقلة إلى المريخ وحملت المركبة اسم تيانوين 1، وفي الشهر نفسه أطلقت الولايات المتحدة الأميركية مسباراً إلى المريخ بحثاً عن أدلة بشأن جراثيم فعلية كانت تجوب مياه الكوكب الأحمر. وتحتل الصين حالياً المركز الثاني عالمياً في اطلاق الصواريخ  الفضائية بعد الولايات المتحدة الأميركية إذ اطلقت 39 صاروخاً خلال العالم 2020.

يثير صعود الصين على مختلف الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والفضائية مخاوف الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى بشتى الطرق إلى كبح جماح الصين وإعاقة تطورها خوفاً من أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم. وكان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن قد أعلن أمام مجلس الشيوخ الأميركي أن الفضاء أضحى بالفعل ساحة تنافس للقوى العظمى، والصين هي التهديد الأكبر الآخذ في التقدم.

والسؤال الذي يطرح هنا ماذا لو كانت الولايات المتحدة الأميركية أو أي دولة أخرى قد فقدت السيطرة على صاروخ أطلقته فهل سنشهد نفس هذا الضجيج العالمي؟

بالمحصلة ما بين اذا كانت الصين قد فقدت السيطرة على الصاروخ أو أن الأخبار المتداولة هي مجرد افتراءات وأضاليل وضجيج غربي تبقى الأيام القليلة القادمة كفيلة بان تجيب عن التساؤلات حول الصاروخ” التائه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى