صحافة

زافترا: بمناسبة عيد النصر على النازية.. روسيا قادرة دوماً على الردع

الإباء / متابعة

الكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر

لقد اعتادت روسيا على سماع خطاب معادٍ لها من مقر قيادة الناتو، وهو دائماً ما يؤثر سلباً على الوضع الدولي بصفة عامة. وأي رد فعل من روسيا، كما كانت ردود الفعل من الاتحاد السوفيتي من قبل، يتم إما التكتّم عليه، أو ترجمته على نحو خاطئ، باستخدام التزييف والتخمينات والشعارات المقولبة المناهضة لروسيا. لكن البيان الصادر عن مجلس الناتو في 15 أبريل الماضي، عقب إعلان العقوبات الأمريكية على روسيا، هو سابقة فريدة في تاريخ كل من الناتو والتاريخ الدبلوماسي الأوروبي بشكل عام. حيث بُني البيان بالكامل على أكاذيب صريحة، تعدّ انزلاقاً للدول المشاركة في الحلف إلى أعمال الاستفزاز والتحدي ليس فقط لروسيا، ولكن لجميع الدول الداعية إلى الصدق واللياقة في العلاقات الدولية، سعياً نحو التعايش السلمي.

دعونا ننظر إلى عدة نقاط من هذا البيان:

“تواصل روسيا إظهار نمط مستمر من السلوك المزعزع للاستقرار، بما في ذلك انتهاكات سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا وجورجيا، فضلاً عن الانتهاكات المستمرة، وعدم الامتثال، والالتفاف على عدد من الالتزامات الدولية، بما في ذلك مذكرة بودابست”.

في هذه النقطة، وإذا أزلنا العبارة الفضفاضة حول “السلوك المزعزع للاستقرار” المزعوم، فإن النقطة الرئيسية هي عدم التزام روسيا بمذكرة بودابست. وكانت روسيا دائماً ترفض الاتهامات بانتهاك هذه المذكرة، وانطباقها على الوضع في شبه جزيرة القرم ومناطق أخرى من العالم. وبهذا الصدد شددت روسيا في قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، خلال انعقادها في بودابست عام 1994، على عدم انطباق أحكام مذكرة بودابست على الظروف الناشئة عن عدة عوامل محلية داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية، ولم تتعهد روسيا، في إطار هذه القمة، بإجبار أي كيان أو جزء من أي دولة على البقاء ضمن حدود هذه الدولة ضد رغبة السكان المحليين. الخلاصة أن هذه النقطة خاطئة جملة وتفصيلاً!

“من بين الأمثلة على ذلك محاولات التدخل في انتخابات بعض الحلفاء، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية الأمريكية، من خلال حملات تضليل واسعة النطاق، وأنشطة سيبرانية ضارة. وتعتقد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء آخرون أن جميع الأدلة المتاحة تشير إلى مسؤولية روسيا عن اختراق الحواسيب في شركة (سولار ويندز) SolarWinds… وقد أوضح البيت الأبيض أن المخابرات الروسية هي التي كانت وراء الاختراق. من جانبها، تنفي روسيا أي تورط لها. نحن نقف متضامنين مع الولايات المتحدة”.

لقد خلص الخبراء الذين يحققون في قرصنة حواسيب “سولار ويندز” إلى أن مجرمي الإنترنت الذين ارتكبوا هذه الجريمة نجحوا في تنظيف مسرح الجريمة تماماً، بحيث يستحيل على المحققين تحديد من يقف وراءها. فإذا كان الأمر كذلك، كيف وما هي أسباب إلقاء اللوم على روسيا؟ بل وعلاوة على ذلك، اتهام المخابرات الروسية تحديداً؟ لقد عدنا مرة أخرى إلى التعبيرات المبهمة من عينة عبارة “احتمال كبير” Highly likely الشهيرة لرئيسة الوزراء البريطانية سابقاً، تيريسا ماي، حينما أعلنت عن اتهامها لروسيا بالتسميم المزعوم للعميل المزدوج سيرغي سكريبال. لذلك فإن هذه النقطة أقرب إلى منطقة التكهنات والخيالات الغربية المريضة، منها إلى الحقائق والأدلة الملموسة.

“ندين الهجوم على المعارض الروسي، أليكسي نافالني، بغاز الأعصاب من مجموعة نوفيتشوك المحظورة. ويعدّ أي استخدام للأسلحة الكيميائية تحت أي ظرف من الظروف انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، ويخالف اتفاقية الأسلحة الكيميائية”.

لا يوجد أي دليل على أن مرض المعارض الروسي، أليكسي نافالني، مرتبط باستخدام أي نوع من الأسلحة الكيميائية، وقد أكّد تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، المبني على التحاليل التي أجرتها مختبرات عيّنتها المنظمة، وتمت مشاركتها مع جمهورية ألمانيا الاتحادية، على أن المؤشرات الحيوية لمثبط الكولينستيراز الموجودة في عينات دم وبول السيد نافالني لها خصائص هيكلية مماثلة للمواد الكيميائية السامة التي تنتمي للجدولين 1.A.14، و1.A.15 اللذين أضيفا إلى الملحق الخاص بالمواد الكيميائية  للاتفاقية خلال الدورة الـ 24 لمؤتمر الدول الأطراف في نوفمبر 2019، لكن مثبط الكولينستيراز غير مدرج في الملحق الخاص بالمواد الكيميائية للاتفاقية. بمعنى أن خبراء الجيش الألماني، والذين فعلوا كل ما بوسعهم لإلقاء اللوم على روسيا بسبب مرض نافالني، لم يتحملوا مسؤولية الإعلان مباشرة عن تسميمه بسلاح كيميائي. هذه النقطة أيضاً أقرب إلى الاتهامات الجزافية بلا أي قرينة أو دليل.

“إن التقارير التي تفيد بأن روسيا شجّعت الهجمات على القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان هي أيضاً مدعاة للقلق”.

لقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بأن هذه الرسائل هي من اختراعات البعض ممن يعانون من رهاب الروس وصانعي “الفبركات والقنابل” الإعلامية. ليست هذه الاتهامات سوى أكاذيب فجة وقذرة!

“سيستمر الحلفاء معاً في العمل عن كثب لمواجهة الإجراءات الروسية التي تشكّل تهديداً لأمن المنطقة الأوروبية الأطلسية. وندعو روسيا إلى الإنهاء الفوري لسلوكها المزعزع للاستقرار والوفاء بالتزاماتها الدولية، كما يفعل الحلفاء، بما في ذلك الاتفاقات والالتزامات القائمة في مجال الحد من التسلّح ونزع السلاح وعدم الانتشار…”.

لعل هذا هو الجزء الأكثر لفتاً للانتباه في البيان. فمنذ ما يقرب من أربعين عاماً، دأبت الولايات المتحدة الأمريكية وتابعيها في حلف الناتو على انتهاك كل ما يمكن تسميته بأحكام القانون الدولي. قاموا بتمزيق يوغوسلافيا، والعدوان على ليبيا والعراق واليمن والصومال وسوريا. تدخلوا في الشؤون الداخلية لعشرات الدول، آخرها وأكثرها فجاجة ما حدث ولا زال يحدث في فنزويلا، ومحاولة الإزاحة غير الشرعية لرئيس البلاد. ثم يأتي الناتو، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية بالكامل، ليتهم روسيا بـ “انتهاك القانون الدولي”! حقاً قالوا: إذا لم تستح، فافعل ما تشاء.

فما الذي يمكن الرد به على تقرير الناتو؟

أولاً، إن خطاباً كهذا لا يعزز بل يضعف موقع الناتو، ويجعل شقه الأوروبي أكثر هشاشة. ففي الأشهر الأخيرة من عام 2020، توصّل عدد من خبراء الأسلحة إلى أن أي رد روسي مناسب على العدوان من جانب الناتو، سيتسبب في تدمير 62% من الإمكانات النووية والصناعية للولايات المتحدة الأمريكية إذا استهدف أراضيها، و79% من الإمكانات العسكرية والصناعية لدول حلف الناتو إذا ما استهدف الرد الروسي أوروبا. يعني ذلك أيضاً أنه في حالة نشوب حرب نووية، سيطال الرماد النووي مدن برلين وباريس وبروكسل وبوخارست وغيرها من العواصم الأوروبية.

ثانياً، لن تكون التضحيات في هذه الحالة باسم الخير والحق والعدالة على هذا الكوكب، ولكن باسم وجود ونمو النازية في أوكرانيا. فالملايين من البشر على وجه الأرض لا يريدون تحمّل الخطاب الفاشي للسلطات الأوكرانية، وقتل المدنيين على يد قوات الأمن الأوكرانية في دونباس، وسيل الأكاذيب اللانهائية التي يطلقها الدعاة النازيين في أوكرانيا. إن بيان مجلس الناتو ليس سوى تأييد أعمى للنظام النازي في أوكرانيا.

ثالثاً، ماذا كان الهدف من تحطيم النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إذن، إذا كان مجلس الناتو اليوم يوافق على نمو النازية في أوكرانيا، ومستعد للدفاع عنها في حرب نووية ضد الدولة التي أجهزت على النازية في ألمانيا النازية، وحطمتها خلال حرب ضروس وصراع طويل دامي؟

رابعاً، أصبح من الواضح أن الناتو والاتحاد الأوروبي يتلقون أوامرهم من القيادة في واشنطن، والتي تقوم حرباً هجينة إعلامية ودبلوماسية واقتصادية ضد روسيا. وقد تحلّت الدبلوماسية الروسية طوال الوقت بالصبر، إلا أن مخزون هذا الصبر قد نفد، ونحن نرى اليوم قرار روسيا بإدراج ثمانية مسؤولين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي على القائمة السوداء، وعلى رأسهم رئيس البرلمان الأوروبي، ديفيد ماريا ساسولي، رداً على الإجراءات العقابية الأخيرة من قبل بروكسل.

خامساً، ورداً على الاستفزازات من جانب الحلف، والمتمثلة في مناورات “حامي أوروبا 2021” Defender Europe 2021، الأكبر منذ ثلاثين عاماً، وسائر الاستفزازات فيما يخص الشأن الأوكراني، من جانب السلطات الأوكرانية، أو من المتطرفين المدعومين من قبل الغرب، فقد أنجزت القوات المسلحة الروسية تدريبات لاختبار جاهزيتها القتالية في القرم وبالقرب من الحدود الغربية لروسيا، شارك فيها أكثر من 10 آلاف فرد و1200 قطعة معدات عسكرية. ووجّه وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، قوات الجيش بأن تكون مستعدة دائماً للرد الفوري على أي تطورات سلبية في مناطق إجراءات مناورات الناتو “حامي أوروبا”.

الرسالة واضحة، وهي أن مجرد التفكير في تهديد الأمن القومي لروسيا، ستواجه بأقسى وأعنف رد مدمر. ربما يكون ذلك هو السبب في التراجع الملحوظ للناتو وتحركاته ومناوراته، بالتوازي مع تراجع آخر في لهجة الخطاب الأوكراني الداعي إلى المواجهة، مع بدء ظهور كلمة “التفاوض” في هذا الخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى