أخبارمقالات

لماذا توحدت تركيا في رفض مصطلح “الإبادة الأرمنية”؟

محمد مصطفى العمراني
‏في سابقة هي الأولى من نوعها أعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن السبت 24 أبريل نيسان الجاري بأن ما حدث للأرمن في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى عام 1915م بأنه ” إبادة ” وبهذا يكون أول رئيس أمريكي يعترف بما يسمى بـ ” الإبادة الجماعية للأرمن ” بعد عقود من وصف البيت الأبيض لما حدث للأرمن قبل 100 عام بأنه ” فظائع ” .
هذا الاعتراف الأمريكي ليس الأول من نوعه فقد تبني مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع في 12 ديسمبر كانون الأول 2019 قرارا يعترف بـ ” الإبادة الأرمنية “.
الاعتراف الأمريكي بـ ” الابادة الجماعية للأرمن ” أيام الدولة العثمانية رفضته تركيا وأدانته بشدة وأصدرت بيانا شديد اللهجة رفضت فيه البيان الأمريكي الذي أكدت أنه ” لا يستند إلى حقائق علمية أو شرعية، وغير مدعوم بأي دليل ” . وأكدت الخارجية التركية أنها ” لن تتقبل بهذا الخصوص دروساً من أي أحد “.
أرمينيا من جهتها رحبت بالبيان الأمريكي وأعتبره رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان في رسالة شكر لبايدن ” مسألة حقيقة وعدالة تاريخية وأمن لجمهورية أرمينيا ” .
لقد ظلت تركيا دوما ترفض الاعتراف بحدوث إبادة جماعة للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى لإدراكها لتداعيات هذا المصطلح على تركيا .
ما أسباب الاعتراف الأمريكي وأهدافه ؟
ولماذا ترفض تركيا الاعتراف ب” الابادة الأرمنية ” وتعتبرها مجرد مزاعم؟
ولماذا يتجاهل الغرب المجازر الذي تعرض لها الترك والكرد على أيدي الأرمن ؟
تساؤلات سنجيب عنها في هذا التحليل ..
أسباب الاعتراف الأمريكي
توعد الرئيس الأمريكي بايدن إبان حملته الانتخابية باستهداف تركيا وعلى اثر فوزه طالب تركيا بإيقاف صفقة شراء منظومة ” إس 400 ” الروسية الدفاعية ولكن تركيا رفضت هذا الطلب الأمريكي وأكدت على شراء الصفقة وتطوير قدراتها الدفاعية والمضي بتطوير صناعاتها العسكرية وهو ما دفع واشنطن بتاريخ 24 أبريل نيسان الجاري لإخراج تركيا تماما من صفقة طائرات إف 35الأمريكية .
هناك عامل آخر دفع واشنطن لاتخاذ هذه الخطوة وهو التطور النوعي للطائرات المسيرة التركية والتي كان لها دور بارز في حسم المعركة في أذربيجان نهاية العام الماضي 2020 كما أثبتت فعاليتها في سوريا وليبيا وهو ما أكسبها سمعة عالمية وسارعت دول عديدة لاقتناء الطائرات التركية المسيرة وهو ما اثار قلق الغرب من الصناعات العسكرية التركية هذا إضافة إلى أن تركيا وسعت نفوذها في منطقة القوقاز وفي أفريقيا وفي شرق البحر المتوسط وسوريا وواصلت استقلال قرارها القضائي وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوة الاعتراف بـ ” الإبادة الأرمنية ” قبل لقاء أردوغان وبايدن في يونيو القادم وهي محاولة أمريكية لابتزاز تركيا ودفعها لتقديم تنازلات لواشنطن وحلفائها في المنطقة فواشنطن تسعى لإيجاد موطئ قدم في البحر الأسود وشرق أوربا وتعمل على دعم المليشيا الكردية لاستهداف تركيا ، كما لا يمكننا أن نغفل نشاط الجاليات الأرمنية في الولايات المتحدة لدفع واشنطن لاتخاذ هذه الخطوة وهو نشاط تزايد عقب استعادة أذربيجان لإقليم ” قرة باغ ” بدعم تركي .
رفض تركيا مصطلح ” الابادة الأرمنية “
على مدى العقود الماضية ينفي الترك حدوث المذابح الأرمنية بتلك الأرقام الكبيرة التي يروج لها الأرمن والتي يقولون أنها حدثت أيام وزير الدفاع التركي أنور باشا وتساندهم في ترويج هذه المبالغات العديد من الجهات المعادية لتركيا لتهويل ما حدث يومها للأرمن والمبالغة فيه للضغط على تركيا للاعتراف بهذه القضية وفي حال اعتراف تركيا بهذه القضية فإن الأرمن سيطالبون بتعويضات خيالية وحقوق تاريخية وأراضي واتخاذ الدول الكبرى لهذا القرار كأداة ابتزاز متواصل لتركيا كما يتم ابتزاز ألمانيا بقضية محارق اليهود ” الهولوكوست ” أيام النازية ولذا توحد الموقف التركي لرفض هذه القضية لإدراكهم بتداعيات هذه القضية وخطورة أهدافها المستقبلية .
ولكن الترك يعترفون بحدوث مآسي خلال الحرب الأهلية حيث توفي 300 الف شخص من الأرمن ومن الترك والكرد وغيرهم بسبب الحرب والمجاعة التي رافقت الحرب ، تركيا توحدت في رفض مصطلح ” الإبادة ” لإدراكها لتبعاته الكبيرة التي ستتحملها في حال اعترفت به .
كما جددت تركيا دعوتها للأرمن في البيان الصادر عن خارجيتها في 24 أبريل نيسان الجاري إلى ” إنشاء لجنة تاريخية مشتركة بهدف الوصول إلى ذاكرة عادلة تعكس حقيقة تلك الأحداث في ضوء الحقائق التاريخية لتلك الفترة”. وهو ما يرفضه الأرمن الذين يرون في الاعتراف الأمريكي بـ ” الإبادة الجماعية ” انتصارا لهم .
ماذا عن مذابح الأرمن بحق الترك وغيرهم ؟
بمقابل السعي الحثيث من الأرمن والجهات التي تدعمهم لابتزاز تركيا بهذه القضية والحصول على دعم واعتراف دولي بمظلومية الأرمن وما سيترتب عليها يتناسى العالم جرائم الأرمن ضد المسلمين من الترك والكرد وغيرهم رغم انها حقائق تاريخية وثقتها العديد من الكتب والمراجع التاريخية وهناك أكثر من 80 وثيقة عثمانية، وتقريرين عسكريين روسيين، وتقرير لجنة برلمانية تابعة للحكومة الأميركية تؤكد وجود نصف مليون ضحية من المسلمين المدنيين وليس من الجنود ضحايا للأرمن ولم تتمكن من إحصاء جميع القتلى، إذ إنه حدث الكثير من المذابح وتمت إبادة قرى بكاملها ولم ينج منها أحد ليروي الحادثة. وفي الكثير من هذه القرى قام الأرمن بالتخلص من الجثث بإلقائها في المجاري المائية والآبار ، أو إحراق الجثث، أو هدم البيوت عليها وتركها تحت الأنقاض، أو عمل مقابر جماعية لها، وبالتالي لم يكن من المستطاع حصر وتعيين أعداد هؤلاء الضحايا .
إدارة بايدن بهذا الاعتراف ترسخ أكاذيب ومزاعم تاريخية وتقدم قراءة انتقائية مبتورة للتاريخ بدوافع سياسية حيث تسعى لابتزاز تركيا والحد من نفوذها الإقليمي ونهضتها المتسارعة في مختلف المجالات بترسيخ هذه المزاعم الأرمنية واستغلالها مستقبلا ضد تركيا .
واشنطن بيتها من زجاج وترمي الناس بالحجارة فهي إمبراطورية ارتكبت المجازر والجرائم البشعة بحق الكثير من الشعوب التي تعرضت للاحتلال الأمريكي ففي العراق مثلا تسبب الاحتلال الأمريكي بمقتل أكثر من نصف مليون عراقي فضلا عن الجرحى والمشردين وهذا أبسط مثال على الجرائم الأمريكية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى