تقارير

هل يكون “التصوف” بديلاً ملائماً لتيارات الإسلام الحركي

هل يكون “التصوف” بديلاً ملائماً لتيارات الإسلام الحركي ؟

الإباء / متابعة ……………………

ثمة اتجاهات فكرية توصى بتقويض حركات الإسلام السياسي وتفكيك مكوناتها عبر دعم التيارات الصوفية باعتبارها البديل الملائم للتنظيمات الجهادية المتشددة على غرار داعش والقاعدة لاسيما مع وجود نوع من التوافق بين الدول الغربية والطرق الصوفية

الدراسة أصدرتها مؤسسة راند الأميركية للأبحاث في العام الماضي تحت عنوان “الإسلام الراديكالي في شرق إفريقيا حيث أوصت خلالها بالحد من تنامي نفوذ الحركات الإسلامية المتشددة وذلك عبر دعم القطاعات الصوفية لمساعدتهم في نشر تفسيراتهم للإسلام الذي يدين الإرهاب ,كما أصدرت نفس المؤسسة دراسة مماثلة فى عام 2007 أثناء الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على الإرهاب والتى جاءت تحت عنوان «بناء شبكات الاعتدال الإسلامي»، تناولت خلالها كيفية تفكيك التيار الإسلامي الراديكالي، وبحثت عن بدائل مناسبة  والتي تركزت حول عدد من الخيارات أبرزها العلمانيون والليبراليون المسلمون، وأخيرًا الطرق الصوفية التي تُمثل -وفق التقرير الأمريكي- الإسلام التقليدي المعتدل.  وفى عام 2015 أظهرت دراسة لجامعة ييل الأمريكية، أن ثلثي مناطق العالم وصلها الإسلام عن طريق المتصوفة والنتيجة تؤكدها الباحثة الأميركية جيزيلا ويب: “الصوفية هم الناقلون -للإسلام إلى مناطق أبعد من الشرق الأوسط، وفي سياق التقليد نفسه ما زال المتصوفة يواصلون هذا الدور في أميركا.

مصوغات الدراسات الأميركية  استندت في طرحها إلى إمكانات أن يحل الفكر الصوفي محل التيارات الجهادية فى ظل حالة الاضطهاد الفكري والعقائدي التي  تعرض لها من قبل السلفية الجهادية فضلاً عن التوافق الغربي مع الحركات الصوفية ودعمها لها ، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض دول الاتحاد الأوروبي؛ بهدف الحدِّ من انتشار تيارات السلفية الجهادية، باعتبار أن التصوف يدعم قيم التعايش والتسامح ,ضارباً المثل بالتجربة السياسية الصوفية في تركيا التي عبر عنها «فتح الله جولن» تؤكد إمكانية أن تقود الصوفية صلحًا تاريخيًّا مع المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من حرص الحركة الصوفية على الاحتفاظ بصورتها النمطية المتمثلة فى الزهد بالحكم وعدم الانخراط في العمل السياسي غير أنه عند سبر أغوار التيار  على مدار تاريخه يتضح أنها مارست السياسة بشكل أو بآخر وأن علاقتها بالأنظمة السياسية القائمة  لا تقتصر على مجتمعاتها المحلية بل تتخطاها إلى المستوى الدولي لاسيما وأن التصوف خرج فى البداية من رحم السياسية ثم تحول إلى  حركة دينية شبه خاملة  .و اتجهت الطُّرُق الصوفية نحو التشبيك الإقليمي والدولي من خلال السعي لوضع نشاطها في أُطر تنظيمية؛ للمساعدة في الانتشار الإقليمي، وممارسة أدوار سياسية تضع الطُّرُق كفاعل مؤثر في مسار التغيرات التي تحدث، ومنها على سبيل المثال تدشين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية، ومع وجود عدد من الطُّرُق العابرة للإقليم مثل (الطريقة البرهانية الدسوقية)؛ حيث انتقل مريدوها من مصر، وليبيا، والجزائر، والمغرب، واليمن، وتونس، وسوريا، والأردن، والسودان إلى دول أوروبية وغربية، وأصبح لتلك الطريقة مريدون وأتباع في السويد، والنرويج، والدنمارك، وألمانيا، وهولندا، ولوكسمبورج، وسويسرا، وإيطاليا، وروسيا، وكندا، والولايات المتحدة.

ومع أن أدبيات الفكر الصوفي لم تؤدلج لمسألة الإرهاب والجهاد غير أن هذا لم يمنع من بعض الممارسات الخارجة على الإطار الصوفي الداعي إلى عدم الامتثال لدعوات العنف. ، ليتم الكشف خلال السنوات الأخيرة عن اتخاذ بعض المكونات الصوفية منحى  التنظيمات المسلحة وذلك دفاعاً عن المقدسات والأضرحة وللرد على بعض هجمات السلفية الجهادية والتي تحالفت معها بادىء الأمر مثلما حدث مع الطريقة النقشبندية الصوفية التى تحالفت مع تنظيم «داعش» بمدينة الموصل، وظهر ما يسمى «جيش الطريقة النقشبندية فى العراق»، إحدى الجماعات التي تحالفت مع التنظيم في العراق والشام. وتضم خارطة التنظيمات الصوفية المسلحة العديد من النماذج منها :

جيش الطريقة النقشبندية فى العراق  فصيل مسلح سنّي صوفي من أتباع الطريقة النقشبندية أسسه عزة الدوري، نائب الرئيس العراقي السابق صدام حسين سنة 2003 لمقاومة الاحتلال الأمريكي ويقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن السنّة المهمّشين، وينشط شمال العراق وله أتباع في المناطق الكردية، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن الجماعة تضم ما بين 1000 و5000 شخص. وشارك جيش النقشبندية، في ثورة العشائر التي أطاحت بالمحافظات العراقية السّنّية سنة 2014،ويمتلك الكثير من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصلت عليها من الجيش العراقي وقادة عملياته الميدانية هم من ضباط الجيش العراقي السابق ويملكون خبرة كبيرة في القتال والمناورة وهو ما ساهم في طردهم للجيش العراقي والسيطرة على الموصل وصلاح الدين في يومين.تحالف الجيش مع داعش غير أنهما اصطدما فيما بعد , فعقب رسالة رسالة صوتية منسوبة لعزة الدوري في يوليو 2014 يشيد فيها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام،نسبت الطريقة النقشبندية إلى داعش إعدام 12 من جيش النقشبندي، ولاحقا صدرت رسائل عن جيش الطريقة النقشبندية يرفض التهجير القسري، مهاجما سلوك تنظيم “داعش” مؤكدا أنه سيقاوم ما وصفه “القوة التكفيرية الإرهابية المدسوسة” وفي ابريل 2015 اتخذ الدوري موقفا يدعو لمحاربة داعش.

جيش المريدية بالسنغال  تشكل على يد الشيخ أحمد بمب مؤسس الطريقة المريدية الصوفية ،وذلك لمواجهة الاستعمار الفرنسى، الذى احتل السنغال منذ عشرات السنين، وتعتبر “المريدية” ثانى أكبر الطرق الصوفية فى قارة أفريقيا، بعد الطريقة التيجانية، وظهر نشاط الجيش وقوته من جديد بعد ظهور التنظيمات الإسلامية المتطرفة، التى خرجت فى العديد من الدول الإفريقية مثل ” نيجيريا والصومال والكاميرون”، ويحصل هذا الجيش على الدعم من قبل الدول التى لها أتباع تابعون لنفس الطريقة مثل “الكاميرون وإثيوبيا”.وتعتبر الطريقة المرديدية الصوفية، دولة مستقلة داخل السنغال، ولذلك لاتتدخل الحكومة فى شئونها مما جعلها تؤمن نفسها من جميع الاحتياجات، حتى قيل عنها إنها دولة داخل الدولة السنغالية.وتعتبر طاعة الأتباع والمريدين فى الطريقة المريدية لمشايخهم واجبًا دينيًا، وهذا ما ساعد على تشكيل هذا الجيش، الذى يحمى الطريقة وأضرحتها ومقامتها من خطر التنظيمات الإرهابية.ويأتى ذلك كله في سياق “طاعة ولي الأمر” ما يجعل لهذا الأمر تأثيرا على الساحة السياسية، ولعل هذا ما دفع معظم السياسيين الطامحين لرئاسة الدولة إلى إعلان انتمائهم إلى الطائفة المريدية وفق بعض المصادر السنغالية.

تنظيم أهل السنة والجماعة بالصومال تيار إسلامي صوفي، مكون من قوات شبه عسكرية، حارب ضد المجموعات الإسلامية الردايكالية في الحرب الأهلية الصومالية من التنظيمات المنضوية تحت تنظيم القاعدة مثل “جماعة الشباب المجاهدين وتنظيم المحاكم الإسلامية وهذا التنظيم يرفض تشدد التيار السلفى الوهابى، وقد تحالف هذا التنظيم مع القوات الحكومية الصومالية ومع إثيوبيا في حرب الصومال (2006-2009) يقود هذا التنظيم محمد فرح عيديد أحد قادة الصوفية بالصومال. صمود التنظيم الصوفى بمواجهة  الجماعات السلفية فى الصومال أرجعه البعض إلى  دعمه من قبل قوى خارجية وداخلية تقاطعت مع الجماعة في ضرب حركات السلفية المتطرفة لاسيما أثيوبيا التى تعد الدولة الوحيدة المستفيدة من تنامى الحركة الصوفية وقد سمحت للميليشيات الصومالية الصوفية، الموالية للحكومة باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية لشن هجمات على مقاتلي الفصائل الإسلامية .

الإرث الصوفي يحوي نماذج أخرى مشابهة , ففى جمهورية مثل داغستان،قام جهاد الشعب ضد الروس على حركة سرية كانت تتم فى الزوايا، و«الحضرات» الصوفية. وكانت الطريقة النقشبندية الأهم، حيث  فجرت فى وجه الروس أول ثورة شعبية مسلحة بقيادة الشيخ شامل لأكثر من ثلاثين عامًا، وواصل هذا الشعب مقاومته حتى استطاع القياصرة حصد معظم شيوخ الطريقة. كما أن  الحركات الصوفية شكلت مقاومة شرسة ضد الجيوش الأوروبية فى إفريقيا، منها ثورة أولاد سيدى الشيخ والطريقة التيجانية ضد الاستعمار الفرنسى فى المغرب العربي، والطريقة السنوسية ضد القوات الفرنسية فى وسط إفريقيا، ثم مقاومتها للقوات الإيطالية فى ليبيا والطريقة المعينية بقيادة الشيخ ماء العينين مؤسس الطريقة على القوات الفرنسية والإسبانية فى المغرب.

لكن تبقى  إشكالية أن تكون التيارات الصوفية بديلاً للتنظيمات الجهادية مسألة صعبة في  ظل حالة السكون السياسي الطويل للمتصوفة وعدم ميلهم للتعاطي مع القضايا ذات الأبعاد السياسية وهوما  فسره البعض على أنه نوع  من المهادنة مع السلطة على الرغم من أنه وفقا لرؤية المتصوفة تكريس لمنهج الإحسان والعبادات الداعمة لذلك يعد افتقار المكون الصوفي للخبرة السياسية أحد العوائق التي قد تحول دون انخراطه في المجال السياسي  وتحد من قدراته على بناء التحالفات المعززة له الأمر الذي قد يفضي إلى  توظيفه من قبل الأنظمة الحاكمة .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى