تقارير

“عقل ماكرون” .. لماذا تتضاءل فرص تشكيل جيش أوروبي موحد ؟

الإباء / متابعة ……………..

موجة عارمة من الجدل أثارها  مقترح الرئيس الفرنسي ماكرون  بإنشاء جيش أوروبي موحد, و على الرغم من أن الفكرة ليست جديدة إذ يتجاوز الطرح  تأسيس الاتحاد الأوروبي ويمتد إلى حقبة الحرب العالمية الثانية  غير أن إحيائها وبصرف النظر عن كونه أغضب الرئيس الأميركي خاصة وأن الرئيس الفرنسي وضع الولايات المتحدة في سلة واحدة مع الصين وروسيا كمصادر للتهديدات المحتملة للتدخل في العملية الديمقراطية والأمن السيبراني للقارة الأوروبية,فتح باب التحليلات على مصراعيها حول قابليتها  للتطبيق من حيث الاقتصاد الدفاعي  وتكلفة تنفيذها .

مطالب ماكرون للمسارعة بإنشاء قوة عسكرية  أوروبية نظامية دائمة بررها بالتهديدات التي تواجه القارة العجوز جراء من صعود قوى “سلطوية” وتسابقها بالتسلح على الحدود مع أوروبا، واعتبر أن الأوروبيين “يتوجب عليهم الدفاع عن أنفسهم بمواجهة روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة”. حيث صرح في حديث لإذاعة “يوروب 1″، في السادس من نوفمبر الجاري: “لن تكون هناك حماية للأوروبيين إذا لم نقرّر تأسيس جيش أوروبي حقيقي”، مضيفاً: “علينا حماية أنفسنا في وجه الصين وروسيا، وحتى الولايات المتحدة”.

الطرح الفرنسي  حظي بدعم حليفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي رأت ضرورة “وضع رؤية لإنشاء جيش أوروبي موحد . وقالت ميركل في الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي للمناقشة حول مستقبل أوروبا، في ستراسبورغ ، الثلاثاء 13 نوفمبر : “علينا تطوير أدواتنا السياسية للعمل على مصلحة مواطنينا، ولكن علينا العمل على رؤية وجود جيش أوروبي حقيقي”. كما رحب الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” باقتراح “ماكرون”، مشيرًا إلى “أن الفكرة ليست جديدة، ولكن الرئيس الفرنسي أعاد إحياءها، وأنه من المنطقي أن ترغب أوروبا في أن تكون مستقلة وذات سيادة في الأمن والدفاع”.لكن على الأرجح  سيوظف بوتين الأمر لتحقيق مكاسب أو على الأقل ترتيب العلاقة مع ترامب على هامش  قمة العشرين  نهاية الشهر الجاري.

الترحيب الأوروبي  لم يقابله حماس باريسي إذ لا تتمتع مبادرة ماكرون بتأييد في الداخل الفرنسي حيث تأتي في إطار مساعيه  لتحسين شعبيته المتدنية وفي التحضير لانتخابات برلمانية أوروبية حساسة في مايو 2019  دفعت ماكرون إلى أن يرفع الصوت عاليا قبل الانتخابات الأوروبية، ويركز على الفارق بين “الوطنية الإيجابية” و“القومية السلبية”عبر استدعاء الإرث التاريخي حول موقع فرنسا القيادي في أوروبا والعالم  .

مقترح ماكرون  تسبب في أزمة دبلوماسية مع الرئيس ترامب والذي ما إن وصل الأراضي الفرنسية  لحضور الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، حتى أعرب عبر تدوينة على توتير  أن وضع بلاده ضمن قائمة الخصوم والأعداء مهين جدا. مضيفاً ربما يجدر بأوروبا أولاً أن تدفع حصّتها العادلة في حلف شمال الأطلسي، الذي تدعمه الولايات المتحدة بشكل كبير”.ومن ناحيته اعتبر وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير، أن تغريدة  ترامب تشكّل “دافعاً إضافياً” لإقامة جيش مشترك للاتحاد الأوروبي، مشدّداً على ضرورة أن تؤكّد أوروبا “سيادتها”.

وعلى الرغم من محاولة ماكرون احتواء الموقف  بعد ذلك خلال اللقاء الذي جمعه بترامب في قصر الإليزيه غير أن هذا لم يهدئ من حفيظة الرئيس الأميركي والذي يبدو أنه يتسلح في مواجهة نظيره الفرنسي بثقته حيال بقاء المملكة المتحدة إلى جانب بلاده. لذلك  تستدعى حالة السجال السياسي   البحث  المتزايد في أسباب التوجه الأوروبي لتأسيس نظام دفاعي موحد  وآليات  وعقبات تحقيق ذلك فضلاً عن أسباب الغضب الأميركي.

دوافع  تشكيل قوة عسكرية أوروبية موحدة  والتي جاءت خلافاً للمعتاد بالتزامن مع تصاعد القوة الروسية ترتبط بتصاعد مخاوف الحلفاء الأوروبيين من انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو و تخلي واشنطن عن مسؤولياتها الدفاعية الأمر الذي دفع  الدول الأوروبية إلى تبني إرادة مستقلة لتوفير أمنها بنفسها لكن انتقادات ترامب لحلفاء واشنطن الأوروبيين, ليست حدثاً جديدا، بل أفاد بها من قبل سلفه باراك أوباما، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي “ناتو”.فضلاً عن اختلاف الروىء بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيما يتعلق ببعض التهديدات غير التقليدية والتى قد لا تحمل تداعيات على الأمن الأميركي منها على سبيل المثال مباشر مثل أزمة اللاجئين الأمر الذي دفع بروكسل إلى البحث عن آلية ذاتية لمواجهة تلك المخاطر بشكل منفصل عن واشنطن حيث تتمحور الرؤية الأوروبية حول  توحيد الجيوش الأوروبية بما يعني توحيد الرؤية المشتركة للتهديدات والمخاطر التي تواجه أوروبا ودولها, واعتبار الجيش  أكثر من مجرد أداة عسكرية، فهذه المؤسسة قادرة على جعل المجتمع الأوروبي أكثر تقاربا وتضامنا وهذا ما تفتقر إليه أوروبا منذ زمن طويل.

مصوغات اعتراض واشنطن على الفكرة يمكن إيجازها فى تصريح السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي “جوردون سوندلاند” خلال جلسة الاستماع للجنة الشئون الخارجية: “هذا موضوع في غاية الحساسية بالنسبة لنا. نحن نضمن دائمًا إرسال عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا إلى أوروبا لحماية أوروبا من روسيا والقوى غير الصديقة الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار جميع مشاكلنا، على الرغم من أن هذه الأموال يمكن أن تذهب إلى احتياجات الولايات المتحدة الداخلية. طالما أن الاتحاد الأوروبي يرغب في إعلان درجة معينة من قدراته الذاتية في الدفاع عن النفس، لذلك نأمل أن يتم هذا بالاتفاق الكامل مع حلف الناتو، وكإضافة، وليس بديلًا عن حلف الناتو”. بمعنى آخر قدرت مساهمة الولايات المتحدة في نفقات حلف شمال الأطلسي بنحو 686 مليار دولار خلال عام 2017، وهذا الرقم يعادل 71% مما أنفقه باقي الأعضاء ,  فإن لدى الإدارة الأميركية تساؤلات حول كيفية تمويل جيش موحد فى حين تشكو تلك الدول من مساهمتها فى تمويل الناتو والذي  تأسس بهدف حماية الأمن الأوروبي ومع ذلك لم تستجب  الدول الأعضاء من أوروبا للمطالب بزيادة إنفاقها العسكري حتى يصل إلى عتبة الـ2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، ولم يَفِ بهذا الحد سوى الولايات المتحدة وبريطانيا وإستونيا واليونان وبولندا. فضلاً عن رغبة الولايات المتحدة فى الحفاظ على نفوذها داخل أوروبا وتطويق التهديدات الروسية المحتملة .

الصعوبات الحالية تعكس مدى صعوبة تأسيس جيش أوروبي موحد فالفكرة بحد ذاتها ليست جديدة إذ بعود مقترح  الدفاع المشترك في أوروبا، إلى عام 1948 عندما وقعت بريطانيا، وفرنسا واتحاد دول البنلوكس (اتحاد اقتصادي يضم بلجيكا، وهولندا ولوكسمبورغ)، على معاهدة بروكسل.كما تمت الدعوة إلى تأسيس دفاع أوروبي مشترك، في عام 2009 أيضا عند توقيع معاهدة لشبونة التي تعد من أهم معاهدات الاتحاد الأوروبي.وعقب ضم روسيا شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي، جان كلود جكر، عام 2015 إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك بدل الجيوش الوطنية. وفي العاشر من نوفمبر 2016، قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن الاتحاد الأوروبي أصبح “قوة عظمى” لا غنى عنها للسلام العالمي.وأضافت في كلمة بوكالة الدفاع الأوروبية: “يزداد الطلب على أوروبا من جيراننا وشركائنا في أنحاء العالم، ويزداد الطلب على جهة توفّر الأمن العالمي القائم على المبادئ وقوة عظمى تؤمن بالتعدّدية والتعاون”.وتابعت موغيريني: “هذا هو الوقت المناسب -في اعتقادي- لتولي مسؤولياتنا والاستجابة للدعوة للأمن (..) ولن نتمكّن من القيام بذلك إلا إذا كنّا وحدة حقيقية”.

ورغم توقيع 25 دولة أوروبية، لوثيقة التعاون الدفاعي الهادف لتعزيز التكامل الأوروبي في المجال العسكري، تحت مسمّى “تعاون منظم دائم”، إلا أن هذا لا يعني تأسيس جيش للاتحاد الأوروبي.كما خصصت مفوضية الاتحاد الأوروبي، ولأول مرة في تاريخها، أموالا ضخمة للدفاع وصلت إلى 28 مليار يورو، وذلك ضمن إطار ميزانية 2021- 2027.

الهوة الواسعة بين أفكار ماكرون والواقع الأوروبي تتضح  من خلال عقبات التمويل والتدريب وإيجاد عقيدة عسكرية مشتركة وقيادة واحدة؛ لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، المسؤوليات الاقتصادية والمالية التي ستترتب على إنشاء جيش أوروبي موحد فقد لا تستطيع  البلدان الأوروبية تحمل الأعباء الاقتصادية الإضافية والناتجة عن زيادة النفقات الدفاعية.

انقسام الدول الأوروبية بشأن المقترح أحد معوقات دخوله حيز التنفيذ  , فالدعوة التي تدعمها كل من ألمانيا، وإيطاليا وإسبانيا، لا تتمتع  بتأييد ذاته من قبل مجموعة دول “فيشيغراد” التي تضم التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوفاكيا إلى جانب  بريطانيا التي صاحبة أقوى وأكبر الجيوش الأوروبية ناهيك عن الدول التي تمتلك حدوداً  مع روسيا مثل بولندا، ولاتفيا وليتوانيا والتي تفضل حلف الناتو وتتخوف من إخفاق هذا الجيش الناشئ في الدفاع عنهم ضد أي تهديد روسي.هذا إلى جانب التزام بعض البلدان الأوروبية مبدأ “الحياد العسكري” مثل النمسا، والسويد، وفنلندا وأيرلندا، لذلك ستعارض بطبيعة الحال فكرة الجيش الأوروبي الموحد.

وعند تقييم المقترح على الصعيد العسكري سنجد أن الكفة ستميل لصالح الولايات المتحدة وقدراتها الدفاعية حيث أن  القوات المسلحة الأمريكية متناسقة بشكل أوسع ، ولديها مخزون أكثر دقة من الأسلحة، على عكس ما هو عليه حال الدول الأوروبية. فمخزون الولايات المتحدة , على سبيل المثال ,من دبابات القتال الرئيسية، مبنية على دبابات “إم 1 أبرامز”، في حين أن هناك من يقول بوجود 17 دبابة من طرازات مختلفة في عموم أوروبا مثل “إي أم إكس” لوكليرك الفرنسية و”ليوبارد 2″ الألمانية و”بي تي-91″ البولندية، “.الأمر نفسه يتكرر في أنظمة التسليح المختلفة، إذ لدى دول الاتحاد الأوروبي نحو 20 نوعا من مركبات المشاة القتالية و27 نوعا من مدافع الهاوتزر، في المقابل لدى الولايات المتحدة نوعا من كل منهما.بالإجمال، لدى الولايات المتحدة 30 نظاما من أنظمة التسليح الرئيسية، مقابل 178 نظام تسليح لدى الدول الأوربية الأمر الذي يجعل أنظمة التسليح المختلفة غير متوافقة بين الدول الحليفة لاسيما مع التنوع الهائل في المعدات العسكرية الأوروبية التي زادت من حجم التكلفة وخلقت صداعا بين الدول الأعضاء. بالإضافة إلى  ما سبق فأن انتقال الوحدات العسكرية الأوروبية من بلد أوروبي إلى آخر، يعد صعبا للغاية، نظرا للقوانين السائدة والعجز في البنية التحتية في مجال النقل والمواصلات.

فرص تشكيل قوة دفاعية أوروبية موحدة تبدو ضئيلة في ظل المعطيات السابقة لذلك سيبقى الطرح  مجرد فكرة هزيلة أو حلم يهزمه الواقع والإمكانات المحدودة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى