تقارير

تعطيل قناة السويس حادثة مقصودة…. وقناة بن غوريون ليست هدفها الوحيد

الإباء / متابعة ……………

في ظل إعلان السلطات المصرية استمرار التحقيقات حول الأسباب التي أدت إلى جنوح سفينة “إيفر غيفن” في قناة السويس يوم الثالث والعشرين من شهر آذار الماضي وتسببت بإيقاف الملاحة فيها مدة ستة أيام، يخرج كيان الاحتلال عن صمته بشكل مفاجئ ويقدم لمصر مجاناً السبب الحقيقي وراء حادثة القناة عبر إعلانه العزم على بدء العمل في إنشاء قناة بن غوريون كبديل عن قناة السويس لربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وبالتالي تحويلها إلى شريان اقتصادي ملاحي عالمي يحقق أرباح طائلة ونفوذ كبير “لإسرائيل” بينما يهدد مكانة قناة السويس ويتسبب بإلحاق ضرر هائل بالاقتصاد المصري المرتكز بشكل كبير على العائدات المالية السنوية للقناة والمقدرة بعشرة مليارات دولار تقريباً.

( ضرب خمس أهداف بسفينة واحدة)

ولعل المثل الشعبي القائل “ضرب عصفورين بحجر واحد” ينطبق على ماجرى في قناة السويس ولكن بصيغة أخرى، إذ أن إنشاء وتجهيز قناة بن غوريون لم يكن الهدف الوحيد من تعطيل قناة السويس وإنما هناك أسباب وأهداف أخرى تقف وراء ما حصل وهي:

أولاً : أن جموح السفينة في القناة جاء بعد أيام قليلة على تأكيد موقع “zhukvesti” الروسي منتصف الشهر الماضي استلام مصر الدفعة الأولى من مقاتلات سوخوي 35 الروسية رغم تحفظ مصر وروسيا على الإدلاء رسمياً بأي معلومات حول هذا الموضوع، إذ جاء في تقرير الموقع :

“تم تسليم الدفعة الأولى المكونة من طائرتين من طراز Su-35SE إلى القاهرة بنهاية عام 2020” وأنه “يجب تسليم الدفعة الثانية (حوالي 10 قطع) من المركبات القتالية Su-35SE إلى مصر في عام 2021”.

وليس من باب المصادفة بالتأكيد أن تجمع سفينة “إيفر غيفن” في قناة السويس معطلةً الحركة الملاحية فيها بعد صدور هذا التقرير، ولعل من الأدلة الأخرى على ارتباط حادثة القناة بصفقة مصر الدفاعية مع روسيا هو أن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى المعروف بتأثيره على سياسة واشنطن في المنطقة أصدر في الخامس والعشرين من شهر آذار الماضي أي بعد يومين من توقف العمل في القناة، تحليل موجز ل”ديفيد شينكر” مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط بعنوان “القسوة لن تنفع مع مصر” يقول فيه أن التهديدات الأمريكية لمصر المتمثلة بإمكانية فرض عقوبات عليها وتقليص المساعدات الأمريكية المقدمة لها بهدف ردعها عن إكمال الصفقة مع روسيا والضغط عليها من أجل التراجع عنها لم تعد نافعة في تحقيق الغاية المرجوة منها وأنه لا بد من “اتخاذ وجهة نظر أكثر صلابة” وكأنه يرسل بذلك إشارات إلى أن تعطيل الملاحة في قناة السويس كان بمثابة رد أمريكي إسرائيلي على الاتفاقية المصرية _ الروسية وتحذير لمصر من استلام دفعة جديدة أخرى، خاصةً أن واشنطن وتل أبيب كانت ولا زالت معارضة جداً لإتمام تلك الصفقة من بوابة المحافظة على “التفوق الإسرائيلي العسكري في المنطقة” بحسب ما أكده الخبير العسكري المصري اللواء جمال مظلوم.

ثانياً : ليس من قبيل الصدفة أيضاً أن تتزامن أزمة قناة السويس مع تصاعد أزمة سد النهضة والفشل في التوصل إلى صيغة تفاهم وحل بين أطرافها الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا، وإذا ما علمنا أن أزمة السد مفتعلة من قبل “إسرائيل” بهدف حث مصر على تزويدها بمياه النيل نتيجة مشكلة شح المياه في الكيان بحسب ما أكده الخبير الدولي بالسدود والموارد المائية، أحمد الشناوي الذي قال أن “إسرائيل ما زالت تأمل في تزويدها بمياه النيل” مؤكداً أنها هي التي تقف وراء مشروع سد النهضة الإثيوبي وتدعمه “من أجل الضغط على مصر”، وإذا ما أشرنا كذلك إلى أن موقع “ميدل إيست أوبزرفر” البريطاني كان قد كشف في تقرير له عام 2016 سعي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتزويد “إسرائيل” بالمياه من خلال إنشاء وحفر ستة أنفاق ضخمة أسفل قناة السويس لربط شبه جزيرة سيناء بالدلتا وإيصال المياه إلى “إسرائيل”، فإننا نستطيع القول أن تزامن حادثة السفينة في قناة السويس التي لها دور أساسي في نقل المياه إلى كيان الإحتلال مع تعثر المفاوضات وتفاقم التوتر حيال سد النهضة ربما أراد منه الإسرائيلي إرسال رسائل واضحة إلى مصر بضرورة إكمال مشروع توصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” في أقرب وقت ممكن.

ثالثاً : من المهم الإشارة أيضاً إلى أن تعطل قناة السويس جاء في وقت تتصاعد فيه التوترات و الإتهامات بين إيران و”إسرائيل” حول استهداف السفن، والتي أطلق عليها البعض اسم “حرب السفن بين إيران وإسرائيل” ونذكر هنا بعض محاورها :

_ 25/2/2021 : سفينة إسرائيلية تحمل اسم “إم. في هيليوس راي” تتعرض إلى انفجار في بحر عُمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” يتهم إيران التي نفت أي صلة لها بالهجوم.

_ 10/3/2021: سفينة إيرانية تتعرض إلى أضرار نتيجة استهدافها بهجوم إرهابي في البحر الأبيض المتوسط بحسب الملاحة الإيرانية.

_12/3/2021: تحقيق لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية يكشف استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو 12 سفينة إيرانية كانت متوجهة إلى سورية خلال العام 2019.

_25/3/2021: سفينة إسرائيلية تحمل اسم “إكس.تي مانجمنت” تتعرض إلى هجوم صاروخي في بحر العرب وأصابع الإتهام تُوجه مجدداً إلى طهران والأخيرة تنفي أي مسؤولية عما حصل.

وإذا ما لاحظنا تاريخ جموح سفينة “إيفر غيفن” في قناة السويس بالثالث والعشرين من شهر آذار الماضي نرى أنه يأتي في خضم الأزمة البحرية بين طهران وتل أبيب وإذا ما أشرنا أيضاً إلى أنه من ضمن السفن التي كانت قابعة في القناة سفن إيرانية وبعضها كانت متجهة إلى سورية، فإننا يمكننا القول أن تعطيل قناة السويس الذي ألحق ضرراً بتلك السفن الإيرانية وبالدول المتوجهة إليها  ربما كان معركة في معارك حرب السفن الدائرة حالياً بين الطرفين.

رابعاً : إذا ما علمنا أن قناة السويس هي شريان الحياة الرئيس للإقتصاد المصري وأنها أحد أهم مرتكزاته الأساسية، فإننا نستطيع القول أن أزمة قناة السويس كان أحد أهدافها توجيه رسالة إلى مصر مفادها أنه عليها السعي إلى إيجاد مجالات أخرى لدعم اقتصادها وعدم التعويل على المردود المالي الذي تدرّه القناة، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع دول الخليج العربي عند هبوط أسعار النفط وانخفاض الطلب على الطاقة الحالية الأحفورية وتزايده على الطاقة المتجددة، حيث حذر صندوق النقد الدولي في تقرير له العام الماضي دول الخليج من احتمال نضوب ثرواتها داعياً إياها إلى إتخاذ “إصلاحات جذرية في سياساتها المالية” وتقليل الإعتماد على النفط.

وإذا ما أشرنا إلى أن تنويع الاقتصاد كان ذريعة الإمارات عند تطبيعها العلاقات مع “إسرائيل” فإننا لا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا أن حادثة قناة السويس تندرج ضمن المشروع الإقتصادي للشرق الأوسط الجديد الذي يستهدف “إعادة تشكيل الخارطة الإقتصادية (للشرق الأوسط) وإيجاد ترتيبات وهياكل جديدة تضمن لإسرائيل دوراً قائداً في المنطقة، لتحقيق حلم صهيوني قديم يضمن التغلغل في النسيج الإقتصادي العربي من خلال المشاريع الإقتصادية المشتركة، بهدف تفتيت الكيانات الإقتصادية العربية وتشكيلها من جديد بما يضمن موقعاً مهماً ومؤثراً لهذا الكيان” بحسب ما أكده “رمزي المنياوي” في كتابه “الفوضى الخلاقة” نقلاً عن مصادر صهيونية وأمريكية تحدثت عن رؤية مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وبعد إعلان كيان الاحتلال عن بدء العمل في قناة بن غوريون شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حملة انتقادات طالت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بسبب تنازله عن جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية في العام 2017، إذ أن تصرفه كان له دور كبير في تحفيز المشروع الإسرائيلي الذي قد يحرم مصر سنوياً من ست مليارات دولار ويحولها إلى حسابات “إسرائيل” عند إكمال إنشاء قناتها المزعومة، وكعادته يحاول السيسي من جديد طمأنة الشعب المصري حيال مستقبل قناة السويس، إذ قال في كلمة له عند زيارته هيئة القناة بعد تحرير سفينة “إيفر غيفن” :

“القناة قادرة وباقية ومنافسة”

ويبقى السؤال الآن هل سيتشبث السيسي بكلامه بعد خمس سنوات (المدة المتوقعة لإنهاء قناة بن غوريون) أم أن الواقع سيضعه في موقف لا يُحسد عليه أمام المصريين والعالم أجمع؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى