مقالات

مظلومية الجنوب .. الجبايش انموذجاً

الإباء / متابعة ……………

 

(1)

بمناسبة تصويت مجلس النواب على مشروع تحويل قضاء حلبجة الى محافظة رابعة لاقليم كردستان والمحافظة 19 للعراق التي تعرضت الى قصف كيمياوي من قبل نظام صدام ذهب ضحيتها خمسة الاف مواطن كردي عام 1988. وهي جريمة انسانية بكل المقاييس. ومحافظة حلبجة تبلغ تعدادها 186 الف مواطن وبمساحة 3060كم وهذا المشروع يعتبر انجاز سياسي يسجل لحكومة كردستان وللاحزاب الكردية ونوابها اكراما لضحايا حلبجة وذويهم. وهذا المشروع يجبرنا بالحديث عن مظلومية الجنوب عامة وقضاء الجبايش خاصة.

رغم ان ظلم صدام وحماقاته وجرائمة لم تقتصر على جغرافية محددة او طائفة معينة او قومية معينة بل تساوى الظلم والاجرام على الجميع والمقابر الجماعية والسجون الامنية والتهجير والقتل الجماعي خير شاهد ودليل على ما نقوله, ولكن هول المصائب المتسارعة تجعل ذاكرة العراقيين تزدحم باحداث الماضي وتختلط مع الحاضر.

(2)

الجبايش (الاهوار) تعتبر أكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط, وهي تمثل منطقة عبور للطيور المهاجرة ما بين القارات. إضافة إلى أهميتها البيئية تعتبر مناطق الأهوار تراثاً إنسانياً لا نظير له, تم ادراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وكانت منطقة الأهوار في الزمن الصعب حاضنة لاغلب المعارضين السياسين. وتعتبر إحدى مناطق انتهاكات نظام صدام الدموي التي تم توثيقها من قبل المجتمع الدولي والتي منيت بكوارث بيئية وطبيعية وبشرية لامثيل لها. فقد اقدم نظام البعث منذ العام 1985 أبان الحرب العراقية الايرانية بتجفيف الاهوار التي ادت هذه الجريمة إلى تحطيم نظام حياة بيئي استمر أكثر من 5000 سنة وتقليص مساحة الأهوار التي كانت تمتد إلى 15000-20000 كيلومتر إلى أقل من 2000 كم2 وتدمير الأهوار بنسبة 97% وتحولت إلى أراض جرداء وما صاحبها انخفاض مجموع السكان من 400.000 مواطن إلى حوالي 85000 مواطن. وهذه الجريمة هي مقدمة لمشروع خطير أدى من خلاله حرق وتدمير هذا المستنقع المائي الشاسع. فقد تم توثيق هذا الحدث من قبل “الدكتور جيمس يراز نكتون” أستاذ قسم الجغرافيا في جامعة كامبريدج البريطانية.

(3)

وبعد انطلاق الانتفاضة الشعبانية عام 1991 خاض نظام صدام معركة شرسة مع المنتفضين في منطقة الاهوار، استخدم فيها أكثر من 150 كيلوغراماً من قذائف النابالم المحرّمة دولياً. أشرف على تلك المعركة المجرم عزت الدوري وإياد الراوي وعبد الواحد آل رباط.وأصيب فيها آل رباط بنيران المنتفضين. واستخدمت فيها الطائرات المروحية التي قتلت آلاف الشباب والشيوخ والنساء والاطفال وحرقت ودمرت بيوتهم وزوارقهم وأرزاقهم من خلال الاشتباك مع المروحيات. وقد أسفرت تلك العمليات إعتقالات وقتل عشوائي. مما ادى إلى اختفاء أكثر من 50 ألف مواطن من أبناء المنطقة. مما عانت تلك المناطق من تلوث كبير في الهواء والمياه والتربة وانقراض أنواع لاحصر لها من الطيور والنباتات وقتل وتهجير الحيوانات. وتفكك جزيئات التربة وانتشار الأملاح فيها وخراب مواصفاتها.

(4)

مناطق الاهوار وسكانها لم تحضى باي تعويض أو اهتمام من قبل الحكومات المتعاقبة على سلطة القرار, على مستوى تنمية الثروة الحيوانية والبحرية كالاسماك والطيور المتنوعة والفريدة أو استغلالها بالجانب السياحي. ولا بأي دعم حقيقي سوى شمول سكانها بالمادة 140 العسيرة. والتي لم تشمل سوى 10% من مجموع السكان البالغ عددهم 400 الف وهي 10 ملايين دينار عراقي فقط اما الباقين فتم تسويف معاملاتهم ورهنها بموازنة الدولة العرجاء.

علما ان رئيس لجنة المادة 140 هو السيد هادي العامري البرلماني والوزير السابق ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي استنزفت شباب مناطق الاهوار لمحاربة الارهاب في المناطق الغربية. والجبايش (الاهوار) منطقة حصاد وجباية لاصوات أحزاب السلطة ولكنها تبقى فقيرة ومحرومة.

(5)

عودة بعض المواطنين إلى مساكنهم العائمة في الاهوار لاتوحي بازدهار المنطقة فحالها لايسر من يعرفها, فهي تعاني من انهيار في انتاج حليب الجاموس وقلة الصيد لنوعية الاسماك وانعدام السياحة الداخلية. رغم ارتفاع مناسيب المياه إثر موجة الأمطار الغزيرة التي شهدها العراق شتاء عام 2018, لكن شبح الجفاف والتصحّر الذي أصاب المنطقة في الأعوام المنصرمة مازال يلقي بظلاله على المنطقة. مما ادى الى خسارة الكثير من حيوانات الجاموس التي اصابهن العمى ونفقن بسبب العطش وهذا ما دفع سكان الاهوار الى اللجوء لمراكز المدن القريبة طلباً للرزق.

وذلك بسبب إلاهمال الواضح لملف الاهوار على مدى 17 عام, وهذا ما اكده وزير الموارد المائية الأسبق محسن عصفور الشمري بقوله ” عدم استيعاب أصحاب القرار ورؤساء الكتل السياسية خطورة ملف المياه وحساسيته وانشغالهم بملفات أخرى لا قيمة لها” ومنذ دخول الاهوار في لائحة التراث لم يطرأ على حالها وأحوالها أي تغير أو إهتمام, ولم تخصص الحكومة أي موازنة لها في عام 2019 و 2020 و2021 ويخشى المراقبون رفعها من لائحة التراث العالمي.

(6)

رغم هذا العرض التراجيدي لمنطقة الاهوار عامة ولقضاء الجبايش خاصة ملجأ الثوار وساسة المنطقة الخضراء. لم تطالب أي جهة حزبية أو شخصية سياسية اسوة بشقيقتها حلبجة بتحويلها الى محافظة 19 أو 20. علما انها مؤهلة اكثر من الاخيرة بمساحتها وموقعها وكثافتها السكانية وثرواتها الاقتصادية. ولانريد ان نضع الامور في ميزان السجال رغم الموازين أصبحت ضرورية لمتابعة الملفات المهمة والحقوق المهدورة في زحمة التدافع السياسي. لذلك اطرح هذا المقال للرأي العام أولا وللساسة المعنيين بالبيئة الانتخابية ولاحزاب السلطة في المناطق الجنوبية ثانياً, فالحقوق تنتزع ولاتمنح.

لذلك اخذت حكومة اقليم كردستان قرارا شجاعا في طرح مشروع قضاء حلبجة واعتبارها محافظة احتراماً لضحايا حلبجة. وإجبار مجلس وزراء حكومة المالكي بالموافقة بتاريخ 31 كانون الاول 2013 واليوم حصل المشروع على موافقة برلمانية بتاريخ 18اذار 2021 وسيترتب على هذه الموافقات امور مالية وادارية ووظائف حكومية تدفع من موازنة الحكومة الاتحادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى