أخبارمقالات

القراءة كيف استدرجتني إلى فخ الكتابة ؟

الإباء / متابعة

من الغريب حقا أن تحدث بيني وبين اللغة كراهية غير مبرّرة، فليس هناك ما يدعو إلى ذلك، كما أنني لم أكن أعرف لذلك الكره سببا واضحا، لكن الأمر الذي أتذكره جيدا، هو منذ أن أصبحت اللغة عبئاً دراسيا في المرحلة الابتدائية، بدأت الكراهية لها تتسع في أعماقي، وقد كنتُ أتطيّر من قواعد اللغة والنحو، وكل ما يمتّ بصلة لهذه القواعد التي كنت أنظر لها كعدو لدود، يضع حواجز شاهقة بيني وبين درس اللغة العربية!!

أتذكّر جيدا مدرِّس اللغة العربية الأستاذ (جبار الخفاجي) في المرحلة المتوسطة، فهو رغم جماله واستدارة وجهه المضيء، وأناقته وجمال أسلوبه وكلماته، لكنه لم يفلح بإذابة جدار الجليد الفاصل بيني وبين قواعد اللغة العربية، لدرجة أنه كان يبتدئ جميع محاضراته بتوجيه السؤال اللغوي الأول لي حصرا، حتى بلغ الأمر به إلى تسميَتي بـ (المعميل)؛ أي أنه حصر تعامله اللغوي الأول والأهم بي في جميع محاضراته.

الغريب أيضا أنني كنتُ أحصل على أدنى الدرجات في درس اللغة العربية، حتى الإنكليزية الصعبة كنتُ أتفوق فيها على العربية، بالإضافة إلى الدروس العلمية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، فإذا ما تمت مقارنة درجاتي فيها مع درجاتي في اللغة العربية، فإن البون شاسع لصالح الدروس العلمية، والغريب حقا أنني لم أجد سببا مقنعاً لكل هذا الجفاء.

دون قصد مني، ولم أكن أهدف أو أفكر بالتقرّب إلى اللغة العربية، أو مصادقتها، ومن دون نيّة مسبقة لإذابة الجليد بيننا، شعرتُ بدافع داخلي يدفع بي نحو قراءة الكتب والمطبوعات الخارجية، أي (خارج المناهج المدرسية)، وأخذتُ أميل مع الوقت إلى قراءة الكتب والمجلات الأدبية، وفي الإعدادية حدثت النقلة الكبرى في علاقتي مع اللغة العربية وقواعدها.

في قراءة المطبوعات الأدبية أنت حرّ وليسَ مقيَّدا، ليس هناك ما يجبرك على رفع الفاعل ونصب المفعول به، أنت غير ملزم بمعرفة التمييز أو المفعول المطلق أو المفعول معهُ، وغير معني بمعرفة كان وأخواتها وماذا تفعل إنّ وأخواتها حين تدخل على المبتدأ والخبر، هذه القواعد لن تكون حائلا بينك وبين قراءة القصص أو الروايات، ولن تعطّل أجنحة الخيال، ولا تعيق تحليقه في الأعالي، كما أنها لا تسلب جماليات الأسلوب والمكان والألوان والمواسم، هذا ما جعل قراءة النصوص الأدبية محببة لنفسي كما أعتقد.

حين وقعت في يدي رواية (شرق المتوسط) للراحل عبد الرحمن منيف مصادفة، تغيّر كل شيء بيني وبين اللغة، وتمكنتْ القراءة من استدراجي بهدوء وجدارة إلى الكتابة، لكن لم يتم ذلك بصورة مفاجئة، لقد تم كل شيء بصبر وسلاسة وهدوء ومن دون قصدية مسبقة، كنتُ وأنا أقرأ شرق المتوسط، وأعبرُ الصفحات واحدة تلو الأخرى بتأنّ، كنتُ أتعمَّد إبطاء القراءة كي أتلذذ بها أكثر، وأعيش تفاصيلها، صورها، معانيها بعمق، تماما مثل وجبة طعام شهية جدا، ونادرة لا تريد أن تلتهما بسرعة، لكي تطيل زمن اللذة المتأججة في نكهتها.

طيلة صفحات الرواية (شرق المتوسط)، شعرت أنني بطلها (رجب)، لم تخطر في بالي قواعد اللغة، ونسيت تماما أشكال حركات الضبط، الضمّة والفتحة والكسرة والسكون وسواها، ما كنتُ أعيشه في اللغة تلك المشاعر التي تلبّستني كأنها مشاعري، ولم يخطر في بالي أنها مشاعر رجب، وآلامه وأحلامه وإحباطاته وتطلعاته وصبره وبكائه وآماله وانتظاره…

حتى مع رواية السيد الرئيس لـ (ميغل أستورياس/ غواتيمالا) التي فازت بجائزة نوبل، كنت أشعر بأسراب القمّل تدبّ على رقبتي وعنقي وتسرح فوق ظهري، كأنني أحد معتقلي الدكتاتور، هذه البشاعة التي أحالتها الرواية على شخصي كقارئ، لم أشعر معها بالتقزز، أمر غريب حقا أن تجعلك القراءة أسيراً لجمالها حتى مع بشاعة الكلمات والوصف، وهكذا حوَّلتني القراءة إلى شخص لا علاقة له بالوقع حين يقرأ!!

هل يمكن للّغة العربية التي (كرهتها سابقا بسبب قواعدها) أن تفعل كلّ هذا بي، أو تقدّم كل هذا لي، وأن تشعرني بكل هذه المشاعر التي لم أعش مثلها فيما مضى؟، كيف تجعلني أفرح أو أحزن، أضحك أو أبكي، أو أحمل هموماً هي ليست همومي، أو أحصد أفراحا وبشائر ليست موجّهة لي، كيف تمكنتْ اللغة التي لا أحبها أن تقوم بكل ذلك؟؟

هذا السؤال كنتُ أطرحهُ على نفسي في دقائق الاستراحة التي أتوقف فيها عن مواصلة قراءة الرواية أو القصة، ثم أتوجّه إلى نفسي وأوبّخها، إذ لا يجدر بك أن تكره شيئاً بإمكانه أن يقدّم لك كل هذه الحياة الضاجة بالأضداد، والتضاربات، والتجانس، والرغبات الهائلة…

ليس هذا فحسب، بل ما حرَّكتهُ اللغة في أعماقي من مشاعر وأفكار وتضاربات هائلة، أجبرتني على القيام بفعل التفريغ الحتمي عبر الكتابة، فالقراءة التي تملأ وعاءَ عقلك وخيالك بكل هذه العوالم والآلام والأحلام والتطلعات والمشاعر، سوف تدفعك إلى فعل حتمي آخر، نعم هي لا تبوح لك بذلك، ولا تجبرك على فعله، بل تستدرجك إليه بهدوء وتأنّ، ولم يخطر في بالي ذات يوم، أن القراءة سوف تقودني إلى الكتابة وتجعلني أتعلق بها حدّ العشق.

في مشهد تعذيب رجب، في رواية شرق المتوسط، أمسك بي جلادون ثلاثة أو أكثر، جرّدوني من ملابسي حتى بتُّ عاريا تماما، أدخلوني في كيس أطول من كيس الطحين، وقبل أن يغلقوا أو يربطوا الكيس بحبل متين أدخلوا معي قططاً جائعة شرسة، ثم أحكموا ربط عنق الكيس بقوة، هذا المشهد عشتهُ بنفسي، وأقسم أنني كنتُ أحس بأرجل القطط وهي تغرزُ مخالبها في بطني وظهري، وأحس بالألم وأحياناً أصرخُ من شدّتهِ!!

هذا المشهد الذي عشته في شرق المتوسط، سوف يتكرر مع مشاهد أخرى، في العديد من الروايات والقصص التي وقفت إلى جانب الإنسان، فكل الشخصيات المتمردة، الثائرة، المثقفة، المناهضة للظلم، تلك التي قرأتها في روايات وقصص مختلفة، زرعت صفاتها في شخصي.

هكذا أصبحت اللغة قادرة على أن تجعل مني (رجبا)، ذلك الرجل الحسّاس القوي العصامي المفكّر الإنسان، نعم اللغة تمكنت من صنع شخصية جديدة لي، حولتْني من كائن مغلَّف باللامبالاة، إلى نقيضه، أيقظت بي مشاعر الكراهية ليس ضد اللغة كما كان يحدث سابقا، بل حوَّلت هذه الكراهية نحو الظلم بكل أشكاله، وزرعت في أعماقي (الحاجة) إلى التمرد على قوالب الاستبداد بكل أنواعها، ولم يعد بإمكاني اتخاذ الحياد تجاه الظلم.

هكذا تمكنت القراءة من صنع إنسان مختلف، كان يكره اللغة، لكنه في الآخر عقد معها صلحاً (أبدياً)، فمنحته الدافع المطلوب للكتابة، وصارت ثنائية (القراءة/ الكتابة)، إحدى أهم عمليات الإنتاج الملموس في حياتي، فصرتُ أكتب الأفكار المختلفة، عبر أشكال مختلفة من الكتابة (الخاطرة، المقال، القصة، النقد، الرواية، البرنامج الثقافي الفكري …..)…

وبهذا أصبحتُ أحد اللذين صنعتهم القراءة، وشكّلت شخصيتهم، وأسست لأفكارهم وأهدافهم وتطلعاتهم، من خلال استدراجها غير المستشعَر لي نحو الكتابة، لدرجة أنه من النادر، بل من المستحيل يمرّ يوم لا أكتب فيه، ولعلني لا أبالغ إذا قلت لكم، أن اليوم الذي لا أدوّن فيه أفكاري، أيّاً كان نوعها، فإنني أشعر بنقص حادّ يحوم فوق رأسي وفي دماغي، ولن يكتمل إلا بالكتابة التي هي وليدة القراءة واللغة التي كنتُ ذات يوم أكره قواعدها.

 

علي حسين عبيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى