مقالات

الازمة الاقتصادية بين ضعف السلطة .. ومصادر التمويل

الإباء / متابعة …………….

في اي مجال من مجالات الحياة لاسيما المؤسساتية لابد وان  يُعتمد التخطيط كاسلوب مبرمج لتصميم الحدث المستقبلي وصناعته من خلال تنفيذ الافعال والخطوات المحددة زمنيا واستخدامها في تحريك الاحداث او المواقف ، او تغيير ايقاعها الانتاجي ، فهو نتاج نشاط ذهني ومعرفي ومعلوماتي يستند الى رؤى استشرافية والى اهداف ذات معطيات استراتيجية واخلاقية .

ولكن عندما يتخذ التخطيط صيغة المغامرة  بزعم التقدم  الاقتصادي بخطوة غير محسوبة النتائج وبحدس طائش وغير موفق في تقدير المواقف المحتملة ، فلا تستفيق الاقتصادات من اوهامها الا بعد ما تجد نفسها في منتصف المصيدة ، وفي ظروف لاتستطيع العودة عندها الى الوراء بأي شيء ، وهكذا كان الانهيار المالي كسابقاته من الازمات والانهيارات والكوارث الاقتصادية ، مجرد مصيدة اخرى وقعت فيها تلك الاقتصادات اثناء مخاطرتها باللحاق بالطعم الى عمق منطقة المخاطر العالية .

وكذا في عالم السياسة ليس كل ماقد يحصل هو ماتتمنى ان يتحقق ، وليست السياسة بالامنيات ، فقد يفضي سياق الوقائع الى نتائج لاتتمنى حصولها ، وعلى الرغم من ذلك فقد تحصل ، وبهذا فقد يتوقع التحليل العلمي لقضية ما  نتائج لاتتمنى حصولها ، واذا حصلت فهذا لا يعني انك تؤيد تلك النتائج ، كما ان النتائج التي تخشى حصولها او لا تتمناها لايجوز ان تمنعك من استخدام مقاييس التحليل العلمي .

وكما ان الكفاءة الاخلاقية لم تكن كافية وحدها لتغطي مساوئ افتقارصاحب القرار الى الكفاءة العلمية والمعرفية التي تؤهله لواجباته الوظيفية ومهماته القيادية كونها تنعكس على شخصيته الادارية الى المدى الذي تجعله غير قادر على ادارة ازماته الشخصية بالشكل الصحيح ، وبالتالي لايستطيع ان يتصدى للازمات التي تواجهه او اجتيازها لانها  تحتاج الى ثقة وامتلاك مهارات علمية سلوكية وشخصية بأعلى درجات التأهيل والاستعداد لتعزز قدرته على ادارة مسؤولياته بنجاح .

مانريد ان نتتطرق اليه من خلال ماتقدم  لاشك في ان النشاط الاقتصادي رافدا وداعم اساسي لمشروع التغيير الحضاري ، فقد لوحظ ان الاقتصاد العراقي يحتاج الى الانتقال من الانشطة الاقتصادية غير الانتاجية او ذات القيمة المضافة المتواضعة ، او التي لاتحقق نموا حقيقيا في الناتج المحلي ، لانه ناتج نشاط لم يكلف هؤلاء اللصوص او الانتهازيين اي عناء او مجهود معرفي او ابتكاري او ذهني او انتاجي الا عناء التخلص مما التقطوه او وجدوه دون ان يكلفهم اي ثمن مقابل مالي .

فالورقة البيضاءالتي اطلقتها الحكومة لتلافي الازمة الاقتصادية في العراق فهي ، بقدر ماخدمت رؤية وتصور الاطراف والقوى السياسية الحاكمة ، فانها من جانب قد عمقت حالة التدخل الخارجي بالشأن العراقي  وفي الوقت نفسه خدمت ايضا مصالح الاطراف المتنفذة التي ثبنتها وتدخلت في صياغة مفرداتها   ،ومن جانب آخر فان الاجواء الدولية لم تكن توحي بالتفاؤل على صعيد تهيئة الاجواء لمعالجة الازمة ، وكان صعبا على العراقيين ان يتصوروا ان بمقدورهم ايجاد حل لتلك الازمة في ظل السماح لتدخل القوى الخارجية ، وصعب ايضا الرهان على ذلك لان الزعامات الداخلية لم تكن حريصة وجادة في حل الازمة ،بل اسهم البعض في تفاقمها .

ومثل هذه الخطوات قد تلقى بعض التأييد والقبول من فئات عديدة تعيق التغلب على الازمة وتجر اليها اطرافا مستفيدة ، خصوصا اذا ما ادركت ان المجتمع الدولي ، وبالاخص امريكا ، تريد معالجة الحالة الاقتصادية العراقية عبر الممول الخارجي،  فضلا عن الممول الداخلي من بينها المصارف المملوكة لبعض الكتل الحاكمة ، لاسيما وان رؤية هذه الاطراف الممولة لم يكن تدخلها داعما لانقاذ العراق او التغلب على الازمة الاقتصادية ،  بل على العكس  من ذلك هواغراق العراق بالديون ، والضغط باتجاه تعطيل مشاريعه الاستراتيجية وفي مقدمتها مشروع الفاو الكبير ، صاحبها قرار خفض سعر الصرف للدينار العراقي  مقابل الدولاروابقاء الرواتب على حالها مما سبب ارتفاع في نسب الاسعار ووضع البلد في مستوى معاشي لايحسد عليه ، ومن ثم وضع الاملاءات التي تجعل العراق  خاضعا لسياسة التطبيع الجديدة بعد معاناة التجويع ،  لتدفع بعدها الملايين للاحتجاج المدني محاولة منها لتهيئة الانتخابات البرلمانية المقبلة ، ذلك كفيل بالابقاء على النظام الحامي لمصالحها ، والاداة الامينة والمنفذة لسياسياتها ومخططاتها التعسفية .

فلو استعرضنا الامر منذ دخول الامريكان في 2003  والى الآن مالذي جناه الشعب العراقي من هذا التغيير سوى القتل والارهاب  والحيف والجوروالضيم واهدار الحقوق ، والاضرار بالمصالح  ، والاخلال بالتوازنات النفسية والاجتماعية ، وقمع الطاقات والاستعدادات والدوافع الايجابية , والجنح بالمجتمع نحو الكوارث والازمات والاختناقات ،  واذا كانت الاحزاب والكتل السياسية التي تولت السيطرة على مقدرات البلاد ، فان الادارة في التنفيذ كانت من ابناء الشعب الذي دب الفقر في صفوفه وهم ممن عانوا الحاجة والجوع والمرض ، واذا كانت الرؤوس التي تقود المؤسسات الخدمية والامنية ، من الفاسدين والمتنفذين لاوامر ادارة السلطة الفاسدة ، فان هذه

المؤسسات تبقى حاجة وضرورة للاصلاح الاقتصادي .

فعلم المالية العامة ،  والادارة ، والقضاء ، والسياسة ، وعلم النفس ، والتاريخ ، وكلها علوم لازمة للقيادة السياسية المتحفزة للبناء الحضاري ، وليس القيادة القانعة بمجرد الجلوس على كراسيها في انتفاخ وبلادة وغباء وظيفي والتفنن في استغلال نفوذ الكرسي للتمرغ في الغايات والمصالح الشخصية والهوايات التافهة ، وفي تعاطي الفساد الاداري ، وفي احتراف الغطرسة الاجتماعية والبوليسية للتعمية على هذه الممارسات المنحرفة وغير المسؤولة وحماية مكاسبها او سرقتها ، بالاسلوب التعسفي والعشوائي والشخصاني  .

لذلك فان  المعالجة  يجب ان تقترن بالادراك  المنفتح على المتغيرات بوعي متيقظ  بالوطنية المخلصة للدفاع عن ممتلكات وموارد الشعب وحقوقه في توفير العيش الكريم بعيدا عن المساومات والاغراءات السلطوية والولاءات الحزبية والطائفية على حساب مكتسبات المواطن وحقوقه المنهوبة، ثم اخذ العبرة واستقاء الدروس وتلافي الاخطاء التي ارتكبتها التجارب السابقة ، والى الحذر الشديد من الانتكاس وتبعثر الاوراق والتباس الطريق الناجم من اهتزاز اليقين بالمبدأ والتفكير ، مع  الالتفات الى ضرورة ان تكون هناك وقفة شعبية حازمة لابعاد العناصر المندسة والفاسدة من مقاليد السلطة والتي اوصلت العراق الى الهاوية الاقتصادية رغم الموارد المالية المتعددة  والكافية في البلد.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى