تقارير

خريف ساخن في الجزائر …. ماذا وراء موجة الإقالات ؟

الإباء / متابعة …………

رغم وجوده على فراش المرض..يواصل الرئيس بوتفليقه  حملة الإقالات التي تعد الأكبر في تاريخ الجزائر حيث أطاح حتى الآن ، بأكثر من 10 من كبار قادة وجنرالات الجيش , ومع أن  التصريحات شبه الرسمية تحصرها فى دائرة ضخ دماء جديدة والقضاء على موجة الفساد غير أن واقع الأحداث يؤشر إلى ارتباطها بإعادة توزيع التوازن داخل هرم السلطة وبسيناريوهات خلافة الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة قبيل استحقاق مرتقب بعد نحو 6 أشهر .

عاصفة  التغييرات الثقيلة التي أجرها  بوتفليقة على المؤسسة العسكرية الجزائرية أمس ,  تضمنت قيادات في القوات البحرية والبرية حيث أحال قائد القوات البرية اللواء أحسن ظافر، وعين اللواء حميد غريس أمينا عاما جديدا لوزارة الدفاع, كما أعفى قائد القوات الجوية اللواء عبد القادر الوناس إلى التقاعد، وعين مكانه اللواء بومعزة محمد. وأزاح  كذلك خدمة  اللواء سعيد شنقريحة، عن تولي قيادة الناحية العسكرية الثالثة من منصبه، وقام بتعيين اللواء إسماعيلي مصطفى بدلا منه.وعين كذلك الرئيس الجزائري اللواء غريس حميد أمينا عاما لوزارة الدفاع الجزائرية، بعد إنهاء مهام اللواء زناخري، بجانب إنهاء مهام مدير صندوق الضمان الاجتماعي العسكري العميد رميل.

خريف الجزائر الساخن اشتمل على إصدار قرارات بمنع السفر بحق قيادات عسكرية وأمنية بارزة سابقة في الجزائر.شملت كلا من قائد الدرك الوطني السابق، اللواء مناد نوبة، وقائد الناحية العسكرية الثانية السابق، اللواء سعيد باي، ومسئول الشؤون المالية بوزارة الدفاع الجزائرية سابقا، اللواء بوجمعة بو دواو، وقائد الناحية الرابعة، السابق اللواء عبد الرزاق شريف، واللواء لحبيب شنتوف، قائد الناحية العسكرية الأولى سابقا.

موجة التغييرات كانت قد انطلقت  يوم 26 يونيو / حزيران الماضي، حيث تم الإعلان عن إنهاء مهام المدير العام للأمن الوطني اللواء عبد الغني هامل وهو المنصب الذي ظل يشغله منذ عام 2010، وبعد أسبوع أقال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة اللواء مناد نوبة، من على رأس قيادة الدرك الوطني، ليعين اللواء غالي بلقصير خلفا له. وفي 17آب (أغسطس) الماضي، عزل بوتفليقه اثنين من كبار قادة الجيش، هما: اللواء سعيد باي، واللواء لحبيب شنتوف. وكان اللواء باي قائداً للناحية العسكرية الثانية، بينما كان اللواء لحبيب شنتوف قائداً للناحية العسكرية الأولى.

التأويلات السياسية صبغت المشهد على الرغم من وصف الجهات الرسمية  سلسلة التغييرات التي تشهدها المؤسسة العسكرية بـ”الإجراءات العادية”، وأنها “تأتي في سياق مخطط تجديد الهيكل القيادي للجيش تتمثل في منح الفرصة لقيادات جديدة  تتماشى مع متطلبات الظرف الراهن لاسيما وأن أغلب الألوية الذين شملهم قرار الرئيس هم من الضباط السامين الذين احتفظوا بمناصبهم لفترة قاربت أو تجاوزت 14 سنة، وهذا هو العامل الذي فرض التعديل والتغيير.

إذ لا يمكن فصل تغيير القيادات العسكرية النافذة التي لها ارتباطات سياسية عن صعوبات توافق النخب السياسية والعسكرية حول خليفة جديد يمكن الدفع به في الانتخابات الرئاسية 2019 لاسيما وأن الحملة شملت  الدائرة المحيطة بالرئيس بوتفليقه والتى يرتبط نفوذها ببقائه واستمراره على رأس السلطة لذلك تدفع نحو ولاية خامسة . وهنا تدور التكهنات على أن الإقالات  تعكس رغبة نائب وزير الدفاع الفريق أحمد قايد صالح في غلق جميع قنوات التأثير والضغط  في اختيار الرئيس المقبل ، بل وتتخطى إلى إعادة بلورة المربع الأسود  الذي يعين الرؤساء بعد أن قام بوتفليقه بتفكيكه  وكان آخر عرّاب به الفريق محمد مدين مدير جهاز المخابرات السابق والذي  توالت الدعوات لترشحه لرئاسية 2019 ، فبعد دعوة مكتب الفدرالية الوطنية لأبناء الشهداء بتيزي وزو، أطلقت جمعية في الجزائر العاصمة هي الأخرى دعوة للجنرال توفيق من أجل الترشح للرئاسيات وقالت الجمعية الثقافية قصباوية بالجزائر العاصمة، في بيان لها الأحد 16 سبتمبر، إن مبادرتها جاءت بناء على “القناعات الوطنية للجنرال مديين محمد ، ومواقفه الوطنية والتزامه الراسخ للجزائر: فقد كان منذ سن مبكرة جنديا نموذجيا في جيش التحرير الوطني، وساهم مع إخوانه في تطوير الجيش الوطني الشعبي، وعمل على ضمان استقراره بشكل فعال وحماية وحدة الأمة في العشرية السوداء”.

الخطوة الاستباقية لترتيب البيت السياسي داخليا  يرغب من خلالها قائد الجيش في أن يكون صاحب الكلمة العليا لإدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة وأخذ زمام المبادرة لتفادي أي صراعات بين أجنحة السلطة إذ يعمد رأس المؤسسة العسكرية إلى  تحصينها ضد أي موجة ارتدادية محتملة تنجم عن فراغ كرسي الرئاسة والتي من المحتمل حدوثها حال الإخفاق بالمرحلة الانتقالية وذلك عبر تصعيد قيادات جديدة على رأس الجيش وإبعاد الأخرى المرتبطة بالرئيس بوتفليقه  خاصة وأن ضخ دماء جديدة بالمؤسسة العسكرية وتحملها المسؤولية  من شأنه أن يحول دون وقوع صدام مباشر بينها وبين القوى السياسية فى المستقبل , . لذلك، الإجراءات المعتمدة منذ مرض الرئيس بوتفليقة ترمي إلى التخلص من فئة العسكريين  المرتبطين بعشرية الدم أو الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي.

مساعي النخبة المتمثلة في سعيد بوتفليقة وقائد الجيش إلى إقصاء عسكري الصف الأول، مستغلة فى ذلك ذريعة  تطهير  المؤسسة، حتى تتسنى لها إدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة بكل حرية وتفادي أي تمرد أو عصيان محتمل داخل الجيش تكشف عن مجموعة من الحقائق لعل أهمها أن إخفاق القوى السياسية في إيجاد مخرج دستوري للأزمة الرئاسية واحتمالات فراغ السلطة ناجم عن أن النظام الجزائري منذ ولادته هو صناعة عسكرية ، وسيواصل الجيش القيام بهذا الدور، فعلى الرغم من صدور قانون الانتخابات غير أن  المؤسسة العسكرية سبق وتدخلت عدة مرات فى عملية اختيار الرئيس ,وذلك فى  أعوام  1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة.

واقعياً الشعب الجزائري ليس طرفا في معادلة الحكم، إذ أن الطبقة المتوسطة التي من المفترض أنها تملك صناعة القرار شبه مستقيلة من الحياة السياسية، لذلك يظل مستقبل البلاد,  مهما تعددت التكهنات وتباينت السيناريوهات, مرتبط بالمقام الأول  بمدى قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة المرحلة الشائكة فيما بعد بوتفليقه لاسيما وأنها تضطلع بإدارة الدولة منذ الاستقلال لكن يظل اختيار بديل من خارج المؤسسة العسكرية هو الأصعب لذا تبدو احتمالات صعود قايد صالح هي الأقرب للتحقق رغم  إمكانية العودة إلى المربع الأول؛ أي إلى العام 1999، واستنساخ تجربة مرشح الإجماع التي سمحت لبوتفليقة بحكم الجزائر لعقدين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى