تقارير

أبعاد وأهداف الحراك التركي بالقارة السمراء

الإباء / متابعة …………..

يفتح الحراك التركي بالقارة السمراء عموما ومنطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص شهية التساؤلات حول أهداف أنقرة السياسية والإستراتيجية ، طويلة الأمد من مساعيها الرامية لإيجاد موطئ قدم  في المنطقة.

وإذا ما دققنا النظر بالمناطق التي اختارتها تركيا لإقامة قواعد لها في البحر الأحمر على غرار قاعدة الصومال , تتكشف الأبعاد الجيوسياسية لتحرك أنقرة  لاسيما وأنها منطقة استراتيجية مهمة، تقع على طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، والتي تمثل نقطة اتصال مع الجزيرة العربية الغنية بالنفط، والموانئ الاقتصادية الحساسة الموجودة هناك، كما أن حاملات النفط والغاز والبضائع وحتى الأسلحة تمر من تلك المنطقة. فبالإضافة إلى كون المنطقة ستكون  مدخلا مهما لبيع السلاح وفتح أسواق جديدة للصناعات الحربية التركية  ,فإن تحول منطقة القرن الأفريقي إلى ميدان للعسكرة المتزايدة من قبل جميع القوى  الإقليمي دفع أنقرة  إلى محاولة إظهار نفسها خارج الحدود على أنها قوة إقليمية تقوم بدور عسكري مهم  حيث تعمد إلى توسيع نطاق سياسيتها بالاعتماد على القوة الصلبة بعدما تمكنت من التسلسل عبر التحركات الدبلوماسية الملساء عبر نشر قواعد عسكرية فى أرجاء فضائها الملتهب ولعل هذا ما يفسر كذلك وجود كيانات عسكرية لها في قبرص، والعراق، وسوريا، وقطر ومساعيها الحثيثة لإقامة قاعدة فى جيبوتي ، التي تستضيف بالفعل قواعد أمريكية وفرنسية ويابانية وصينية بشكل ينذر  برغبتها فى الانخراط فى شبكة العلاقات المعقدة بالقرن الأفريقي لاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والتي ترى بالخطوة التركية مجرد بداية  نحو تكريس الوجود العسكري التركي بالمنطقة وأن  الأمر لن يقتصر على مجرد تدريبات عسكرية .

شواهد التحركات التركية فى الآونة الأخيرة تجسدت مطلع نوفمبر الماضي في زيارة وزير الدفاع التركي، الفريق أول خلوصي أكار، ة إلى السودان والصومال، وتضمنت زيارته جزيرة سواكن المُطَلة على البحر الأحمر، والتي منحتها الحكومة السودانية لتركيا لإعادة ترميمها على الطراز العثماني وفق الهدف المعلن لكن تذهب بعض التحليلات إلى أن لدى أنقرة مآرب أخرى من تواجد  خلوصي آكار الأخير ،تتمثل فى بحث إقامة قواعد عسكرية للتدريب في جزيرة سواكن السودانية خاصة وأنها جاءت فى أعقاب إجازة مجلس الوزراء القومي السوداني ,في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ,اتفاقية للتعاون والتدريب العسكري بين السودان وتركيا؛ بهدف تعزيز التعاون في مجال التدريب ودعم السلام والاستقرار في البلدين. وعلاوة على ذلك؛ ذكرت بعض الوسائل الإعلامية التركية أنّ أنقرة تبحث إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي.

الحضور التركي فى الفضاء الأفريقي لا يمكن قراءته بمعزل عن مصالحها الاقتصادية بالمنطقة  , فعلى الرغم من الترويج المتعمد لطموحات الأتراك على أنها تنطلق من الهوية الدينية و الصورة القومية لها كدولة قائدة للعالم الإسلامي  غير أنه لا يمكن التعويل على هذا المبدأ لتفسير الاختراقات التركية المتزايدة فى إفريقيا والتي ترتبط بالدرجة الأولى بحسابات المنافع الاقتصادية حيث تبنى حزب العدالة والتنمية بالتزامن مع وصوله للسلطة استراتيجية تقوم على التوسع فى أفريقيا لتعويض الإخفاقات المتعددة فى الانضمام للاتحاد الأوروبي والبحث عن دور مؤثر على الساحة الدولية فضلاً عن  إمكانية الاستفادة من السوق الإفريقية الواسعة  وكسب تأييد الدول الأفريقية للقضايا التركية في المحافل الدولية  ، وموازنة أدوار القوى الإقليمية في إفريقيا.

وفى سبيل تحقيق ذلك  ولت أنقرة وجهها شطر تطوير العلاقات على الصعيد الاقتصادي  مع دول القارة بداية من عام 2003، وأعلنت عام 2005 كعام لإفريقيا في تركيا. و حصلت فى نفس العام على صفة مراقب بالاتحاد الإفريقي، وفي يناير 2008 اكتسبت  صفة الشريك الاستراتيجي للاتحاد كما حصلت أيضًا على عضوية بنك التنمية الإفريقي في مايو من العام ذاته. كما انضمت تركيا إلى منتدى شركاء الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا “إيجاد”، ووطدت علاقاتها مع المنظمات الإفريقية الأخرى (مثل: تجمع شرق إفريقيا، والجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا-إيكواس)، وتوجت ذلك بآلية أشمل للعلاقات تمثلت في القمة التركية-الإفريقية، التي عُقدت لأول مرة في إسطنبول عام 2008.

وحظيت الصومال بأهمية خاصة ضمن أجندة  الاستراتيجية التركية تجاه دول القارة الإفريقية،وجاءت القاعدة التركية في الصومال؛ وهي الأكبر على الإطلاق حيث، تضم ثلاث مدارس عسكرية بجانب منشآت أخرى، أكبر معسكر تركي للتدريب العسكري خارج البلاد, وتعمل بطاقة تدريب تصل إلى 1500 جندي صومالي تتويجاً للعلاقات الاقتصادية بين أنقرة ومقديشو في الأعوام الأخيرة. وأخذت أنقرة على عاتقها المساهمة الفاعلة في تسوية الصراع الدائر فيها، وإعادة توحيد شطري الصومال، برعاية المحادثات بين الحكومة في مقديشيو، والسلطات فيما يعرف بجمهورية أرض الصومال، والإدارات الإقليمية في بونت لاند وجوبا لاند وغيرهما.

كما استضافت تركيا “مؤتمر إسطنبول” بشأن الصومال، برعاية الأمم المتحدة في مايو 2010، والذي تمخض عن صدور إعلان إسطنبول كخارطة طريق لتسوية الصراع الصومالي، كما وفى عام 2012، نظمت المؤتمر الثانى تحت عنوان “تحديد المستقبل الصومالي: أهداف عام 2015″، لمناقشة قضايا المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار في الصومال. كما تعد أبرز الدول الداعمة  للحكومة الصومالية، حيث تقدم لها أربعة ملايين ونصف دولار شهريًّا. وهي الدولة الأولى في مجال إعادة الإعمار، وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، بما فيها المقر الجديد للبرلمان، وميناء مقديشيو، والمستشفى الصومالي-التركي التي افتتحها أردوغان بنفسه في الخامس والعشرين من يناير 2015، بالإضافة للوحدات السكنية، وشبكات الطرق وخطوط الاتصال، حيث يوجد خط جوي مباشر بين أنقرة ومقديشيو.وتتحمل تركيا أيضًا الدور الأساسي في التعليم بالصومال، باستضافة أكثر من 15 ألف صومالي للدراسة بالجامعات التركية، وإنشاء المدارس التركية بالصومال. وكان حجم التجارة بين تركيا والصومال يبلغ 5 ملايين دولار فقط، عام 2010، ووصل إلى 123 مليون دولار عام 2016 كما حصلت تركيا عبر شركة “البيرق” على حق إدارة ميناء مقديشو، بعد أن منحتها الحكومة الصومالية الاتحادية حق تشغيل الميناء عشرين عاماً في سبتمبر 2014، على أن تعطي 55% من عائداته السنوية لخزانة الحكومة الصومالية.

الانفتاح التركي على إفريقيا لم يقتصر على  الصومال إذ أسفرت المساعي الحثيثة على الصعيد الدبلوماسي وفق تصريحات أدلى بها رئيسها أردوغان في ديسمبر 2017 عن امتلاكها 39 سفارة بدول أفريقيا، وبلوغ الخطوط الجوية التركية نحو  51 وجهة في 33 دولة أفريقية. وحرصها  على الانضمام إلى كافة المنظمات والملتقيات الإفريقية وتضاعف حجم التبادل التجاري بين تركيا والقارة الأفريقية أربع مرات خلال السنوات الـ15 الأخيرة، إذ بلغ العام الماضي 20.6 مليار دولار، علاوة على امتلاك أنقرة استثمارات بالقارة السمراء تزيد على 6 مليارات دولار.

ولعل أهم الدول التي نجحت تركيا في نسج علاقات سياسية واقتصادية متينة معها في القارة الأفريقية هي إثيوبيا؛ ففي عام 2000 كان حجم التبادل التجاري بين البلدين في حدود 27 مليون دولار أمريكي، ليقفز في 2005 إلى 140 مليون دولار، وفي 2012 إلى 441 مليون دولار أمريكي، ليصل لـ500 مليون دولار في 2016.يضاف إلى ذلك أن عدد الشركات التركية في إثيوبيا الآن يزيد على 100 شركة، وهي تعد من أهم الشركاء الاستراتيجيين للبلاد، حيث تعمل في مجالات حيوية ومشاريع استراتيجية وتشغل أكثر من 64 ألف عامل، ويأتي على رأسها مشروع السكك الحديدية الذي تهدف إثيوبيا من خلاله إلى ربط البلاد بشبكة من السكك الحديدية السريعة.كما دخلت تركيا كشريك استراتيجي لإثيوبيا في الصناعات الكهربائية، وفي المجال الزراعي وصناعة النسيج.وعملت تركيا على تمويل الطريق الذي يربط شمال إثيوبيا بجيبوتي وهو طريق (تاجورة- مقلي)، حيث تتولي أنقرة تمويل الجزء الذي يقع داخل الأراضي الإثيوبية، في حين تمول الهند الجزء الذي يقع داخل الأراضي الجيبوتية.

الأنشطة التركية فيما يتعلق بمنطقة البحر الأحمر أثارت حفيظة القاهرة ورفعت من مستوى  التوتر القائم بالفعل بين الدولتين على خلفية تصنيف الأخوان  المسلمين كجماعة إرهابية فالجزيرة السودانية ذات موقع استراتيجي فهي تقع على الساحل الغربي للبحر، وهي واحدة من أقدم الموانئ في إفريقيا،لذا فإن تحولها إلى مركز للتدريب العسكري  يعد تطوراً مقلقاً,  ترى به مصر تهديداً لأمنها القومي، . علاوة على ذلك فإن نسج  أنقرة علاقات سياسية واقتصادية متينة مع أثيوبيا  فى ظل ظهور نزاعات المياه المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي (GERD) على النيل الأزرق، والرافد الرئيس لنهر النيل يمس بشكل أساسي الأمن القومي المصري.

إن أخطر ما في الحضور التركي بالقارة السمراء هو انتشارها عسكرياً فى الصومال والسودان  وإمكانية استغلال تلك القواعد لنقل عناصر بعض التنظيمات المتطرفة  إليها  من العراق وسوريا كمحطة قبل إعادة نشرهم مرة أخرى الأمر الذي ينذر بتزايد المخاطر المحتملة على أمن واستقرار المنطقة .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى