صحافة

“ذا أتلانتيك”: تقاعس شرطة “الكابيتول” ضد المقتحمين كان مقصوداً

الإباء / متابعة 

لم تكن هذه انتفاضة ضد حكومة استبدادية، بل كانت انتفاضة ضد حكومة متعددة الثقافات. رد فعل الشرطة الهادئ على تلك الانتفاضة يُظهر أنه عندما يتعلق الأمر بالانخراط في أعمال عنف ضد الدولة، فلن يخسر مرتكبو الجرائم البيض شيئاً.

فيما يلي ترجمة لمقال نشرته مجلة “ذا أتلانتيك” حول ازدواجية معايير الشرطة في التعاطي مع المتظاهرين وفقاً لمعايير عرقية، تُظهر تفوق العرق الأبيض على حياة السود:

ما شاهده الأميركيون على شاشات التلفزة، الأربعاء الماضي، لم يكن مجرد تمرد على الديمقراطية الأميركية، بل كان أيضاً تعبيراً عن سيادة البيض.

عندما اقتحمت حشود من مؤيدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبنى الكابيتول لنهب المكاتب، وإرهاب المشرعين، وعرقلة التصديق على الانتخابات الرئاسية، قوبلوا باستعراض ضعيف للقوة من قبل شرطة الكابيتول، الذين كانوا مسؤولين عن قمع التمرد.

وفقاً للتقارير، أصيب أكثر من 50 ضابطاً، وانتشرت على الإنترنت لقطات مصورة للاعتداء الجسدي الذي قام به مثيرو الشغب. إلاّ أنّ عناصر الشرطة ردوا على العديد من أعمال العنف بضبط النفس الشديد أو الاستسلام التام.

في حالات أخرى، كان لعدم استعدادهم عواقب وخيمة: قتلت الشرطة امرأة، وتوفي 3 آخرون، وتوفي ضابط متأثراً بجراحه.

هذا وانتشرت مقاطع فيديو تظهر جانباً آخر من المشهد، وهو نوع من الصداقة بين المتمردين والشرطة: إذ تظهر إحدى اللقطات المنتشرة، أحد المشاغبين يأخذ صورة مع ضابط داخل قاعات الكابيتول، بينما يصور آخرون الشرطة ترافق بهدوء المتمردين خارج المبنى الذي اقتحوه للتوّ.

هذه المشاهد تقدّم تناقضاً صارخاً مع ما شهدته الأمة من الشرطة قبل أشهر فقط، خلال احتجاجات حركة “حياة السود مهمة”: أُطلق على المتظاهرين السلميين حينها الغاز المسيل للدموع.

وفقًا لوكالة “أسوشيتيد برس” ، علمت شرطة الكابيتول بالتهديد المحتمل لأحداث الشغب قبل أيام من وقوعها ، لكنها رفضت عروض المساعدة من الحرس الوطني ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

كما قال مسؤولون إنهم أرادوا تجنّب استخدام القوة الفيدرالية ضد الأميركيين ، كما فعلوا هذا الصيف (أي صيف عام 2020 بعد مقتل جورج فلويد).

إن اختيار رفض المساعدة وسط التحذيرات من التمرد هو أمر مزعج: لماذا افترض مطبقو القانون أنهم سيواجهون عنفاً من قبل المتظاهرين الذين كانوا يسيرون من أجل “حياة السود” في حزيران/ يونيو 2020 ، لكنهم يعتقدون أن حشداً كبيراً من البيض المتطرفين المؤيدين لترامب والمؤمنين بنظريات المؤامرة سيبقون سلميين؟

هذا الاختلاف في رد فعل الشرطة صدم الكثيرين الذين انزعجوا من المعايير المزدوجة.

لكن وحشية الشرطة ضد الأميركيين السود وتقاعس الشرطة تجاه الأميركيين البيض ليست شيئاً شاذاً مفاجئاً. هذا هو الوضع الراهن.

يمكن إرجاع نشأة الشرطة الأميركية الحديثة جزئياً إلى مؤسسة العبودية المتوارثة وعقيدتها المتعصبة على تفوق البيض.

في نص كتبه المؤرخ “ويليام دو بوا” عام 1903 بعنوان “أرواح الشعب الأسود” ، جاء فيه أن “نظام الشرطة وُضع للتعامل مع السود وحدهم، ويفترض ضمنياً أن كل رجل أبيض هو بحكم الواقع عضواً في تلك الشرطة”.

إيديولوجيات الشرطة الأميركية المصممة لمنع حرية وحرمان السود وحماية مصالح البيض لا تزال قائمة في نظام الشرطة اليوم.

ففي كانون الأول/ ديسمبر 2020 ، كشف تقرير استقصائي مؤلف من 111 صفحة عن إدارة شرطة نيويورك أن احتجاجات “حياة السود مهمة” العام الماضي قد أسيء التعامل معها بشكل صارخ من قبل الضباط. التقرير ، الذي أجرته وكالة “إشراف المدينة”، أكد ما شاهده ملايين الأميركيين بعد مقتل الأميركي الأفريقي جورج فلويد في 25 أيار/ مايو: اتسمت ردود فعل الشرطة أثناء الاحتجاجات السلمية بـ “الإنفاذ المفرط” وانتهاك حقوق التعديل الأول.

ومع ذلك، قبل شهر واحد من وفاة فلويد ، في 30 نيسان/ أبريل 2020 ، شاهدت البلاد المحتجين البيض، بعضهم كان مدججاً بالسلاح ، يتدفقون أمام مبنى الكابيتول بولاية ميشيغان للاعتراض على أوامر البقاء في المنزل، ما أدى إلى وقوع حادث بسيط من قبل جنود شرطة الولاية واعتقال اثنين فقط.

وصف “دو بوا” أحداثاً مثل هذه على أنها جزء من “نظام العدالة المزدوجة، الذي أخطأ مع الجانب الأبيض بالتساهل المفرط “.

بعد تمرد المئات الأربعاء الماضي، والذي أدى إلى استقالة رئيس شرطة الكابيتول، تم حتى الآن اعتقال 82 شخصاً فقط. تعطي هذه الحقائق مصداقية لفكرة أنه عندما يتعلق الأمر بالشرطة الأميركية فإن العواقب تنقسم إلى خطوط ملونة.

إن هجمات المشاغبين على مبنى الكابيتول ليست بالأمر “غير المسبوق” بقدر ما تتوافق مع تاريخ أميركا في رد الفعل العنيف للبيض تجاه المساواة العرقية وحق البيض في السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ليس من قبيل الصدفة أنه في اليوم نفسه الذي وقعت فيه أعمال الشغب، تم انتخاب أول أميركيّين من السود واليهود لمقاعد مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا.

لم تكن هذه انتفاضة ضد حكومة استبدادية. كانت انتفاضة ضد حكومة متعددة الثقافات.

ويشير رد فعل الشرطة، الهادئ والمدروس والمتسامح، على تلك الانتفاضة إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالانخراط في أعمال عنف ضد الدولة، فلن يخسر مرتكبو الجرائم البيض شيئاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى