تقارير

ثقوب بالرقعة السمراء ..ماذا ينتظر السودان ؟

الإباء / متابعة …………

 

ثمة ثقوب سمراء متزايدة برقعة المشهد السياسي فى السودان ,إذ أن ضعف الثقة بين الفرقاء من ناحية وقيادات المجلس العسكرى من جهة أخرى   فضلاً عن المخاوف من تحرك قوى الثورة المضادة أفضى إلى تعقد الخلافات المطروحة على طاولة التفاوض  والتى انتهت بإعلان العصيان المدنى و صدامات دموية أسفرت عن وقوع ضحايا تنذر بسقوط  البلاد فى بئر الفوضى .

انحراف الأحداث عن المسارات السلمية المعلنة وجنوح القوى الداخلية إلى التنزاع حول نسب التمثيل المقترحة رفعت  من وتيرة المخاوف بشأن مستقبل البلاد  واحتمالات انزلاقها إلى أتون الحرب الأهلية , فعقب أحداث 3 يونيو والتى شنت خلالها  قوات الأمن السودانية حملة دامية ضد معتصمي مقر القيادة العامة في الخرطوم , أسفرت عن مقتل أكثر من مائة من المدنيين “العزل” – بحسب قوى التغيير – وأعداد من الجرحى،انهارت التطلعات فى استمرار حالة “اللاعنف” التى اتسمت بها عملية الانتقال السياسي  بعد الإطاحة بالبشير فى إبريل الماضى وتضاءلت فرص التوصل إلى تسوية بين جناحى الصراع على السلطة ممثلة فى المجلس الانتقالي العسكري وقوى الحرية والتغيير.

التحول اللافت دفع مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الإفريقي  في 6 حزيران/ يونيو إلى اتخاذ قرار  بتعليق عضوية السودان إلى حين تسليم السلطة إلى إدارة انتقالية “مدنية”  كما لفتت انتباه المجتمع الدولي والدول العربية إلى  خطورة الوضع الراهن فى الخرطوم  ولعل هذا ما جعل بعض الدول العربية تتراجع  عن موقفهما السابق المؤيد بشكل غير مشروط للمجلس العسكري السوداني

تعرجات النهر الهدامة افضت بالمشهد التفاوضى إلى الجمود التام ,حيث يتبادل أطرافه الاتهامات بانهيار المحادثات  بشكل مفاجىء من دون التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيلة المجلس السيادي الذي يُفترض أن يؤمن المرحلة الانتقالية على مدى ثلاث سنوات، قبل نقل السلطة إلى المدنيين., وبينما  يتحفظ  المجلس  الانتقالي العسكري على  المبادئ الأساسية لاقتسام السلطة ويرى أنها  “قد تؤدى إلى  تحجيم قياداته العسكرية لاسيما وأن المفاوضات دخلت طريق مسدود عقب الخلاف بشأن ما إذا كان مدنيون أم عسكريون سيسيطرون على مجلس سيادي ستكون له السلطة المطلقة  إذ إن رئيس هذا المجلس سيكون هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي ستؤدي الحكومةُ الانتقالية اليمين الدستورية أمامه. كما ستكون للمجلس سلطة التصديق على القوانين الصادرة عن المجلس التشريعي، والمصادقة على القوانين المتعلقة بأحكام الإعدام وإعلان الحرب، بالتشاور مع مجلس الوزراء والمجلس الشريعي، وتعيين حكام الأقاليم وعزلهم بموافقة مجلس الوزراء، وتعيين وإعفاء سفراء السودان بالخارج، واعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، وتعيين مجلس القضاء الأعلى.

بالمقابل يتهم “تجمع المهنيين السودانيين”، الذي قاد الاحتجاجات ضد حكم البشير ويرأس تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”، المجلس العسكري الانتقالي بالتلكؤ في المحادثات، كما حمّله مسؤولية العنف الذي دار في الشوارع حيث يزعم  التجمع أن  رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان  قام بتوجيه قوات الدعم السريع لفض الاعتصامات ومن ثم بادر بإعلان خطته لتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات خلال فترة تسعة أشهر. ويعتقد معظم السودانيين محمد حمدان دجالو، المعروف على نطاق واسع بلقبه “حميدتي”، قائدً ميليشيات “الجنجويد” هو العقل المدبر وراء القمع الدموي الذي تعرض له المتظاهرون في الخرطوم.

الحركات المسلحة أحد أسباب تعقيد الوضع فى السودان فعلى الرغم من أن معظمها وخاصة  المنضوية تحت لواء نداء السودان  انخرطت في الحراك الثوري ووضعت سلاحها جانبا منذ بداية الاحتجاجات في ديسمبر فضلاً عن حرصها على عدم  التصعيد، وكذا مع عدم مشاركتها في الإضراب العام الذي دعت إليه قوى الحرية والتغيير غير أن القوى الوطنية يخامرهما الشك إزاء تحركاتها حيث تمثل هاجسًا لدى السودانيين، نظرًا لتشرذمها، واختلاف رؤاها لإدارة المرحلة الانتقالية،يضاف إلى ذلك نظرة تلك الحركات للمجلس الانتقالى والتى ترى به امتداداً لنظام البشير وأن أعضائه يسعون لإعادة إنتاج النظام مجدداً  عبر ما يعرف بسياسة الهبوط الناعم

وكانت الحركات المسلحة المتمركزة بالأقاليم الطرفية بالسودان في طليعة القوى الداعية لإسقاط نظام الإنقاذ حتى قبل اندلاع الثورات بالمنطقة العربية عام 2011، وهو ما يجعل ثورة ديسمبر 2018 مختلفة عن الاحتجاجات التي اندلعت بالسودان عامي 1964 و1985، والتي كان مركزها الخرطوم في الحالتين.

وانطلقت حركة التمرد بجنوب كردفان والنيل الأزرق (فرع الشمال) بالنسبة للحركة الشعبية لتحرير السودان من الجنوب، وقادت عملية انفصاله عن الدولة السودانية. فيما تمسّكت حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان بجناحيها، وحركات التمرد الأخرى في دارفور، برفع السلاح في وجه النظام منذ فبراير 2003، بهدف إسقاطه وإيجاد البديل القادر على تحقيق العدل والمساواة بين أبناء الوطن. وبالمثل، دعت الحركات المسلحة بشرق السودان، خاصة حزب مؤتمر البجا، وجبهة أسود الشرق؛ إلى نقض اتفاقها مع نظام الإنقاذ في أكتوبر 2006، والتنسيق من أجل الإطاحة به.

وبالرغم من انتهاجها طريق العمل المسلح، فقد خاضت الحركات المسلحة جولات تفاوضية عديدة مع نظام الإنقاذ، في إنجامينا وأديس أبابا وأبوجا والدوحة وغيرها. كما شارك بعضها في الحكومة بعد تحولها لأحزاب سياسية. لكن أغلبها انضم إلى تحالفات موسعة، تستهدف إسقاط النظام، وأهمها: الجبهة الثورية، وتحالف نداء السودان، الذي رفض مبادرة “البشير” للحوار الوطني في يناير 2014، بدعوى إصرار حزب المؤتمر الوطني الحاكم على إدارة البلاد بعقلية الحزب الواحد، وأن الحوار لم يكن سوى مناورة لشق صفوف المعارضة، والالتفاف حول مطالبها بالإصلاح الجذري، بتقديم تنازلات طفيفة تسمح بمشاركة رمزية للأحزاب في السلطة، دون الوصول لتسوية سياسية شاملة.

التدخلات الخارجية طبعت بصماتها على على خارطة المعركة الحرجة  والتى انعكست فى إشكالية اصطفاف المحاور , صحيح أنه فى لحظات إسقاط الأنظمة  غالبا ما يتماهى ما هو داخلى مع الشأن الخارجى لاسيما وأن أزمات الاستبدال غالبا ما يكون لها تأثيرات متزايدة على دول الجوار , غير أن انعاكسات ذلك على المشهد السودانى  أكثر وضوحاً إذ أن انزلاق الخرطوم إلى مستنقع النزاع المسلح  , يسمح بتحولها إلى مصدر لتهديدات أمنية لدول الجوار  خاصة مصر والتى قد تتعرض لموجة نزوح  جماعي للاجئين الفارين من الحرب , وبغض الطرف عن أعباء ذلك من الزاوية الاقتصادية  , فإنهم قد يشكلون  خطراَ متزايداً من الناحية الأمنية  إذا ما أقدموا على تهريب السلاح معهم واستخدام الأراضى المصرية  لشن هجوم مضاد على السودان , فضلاً عن تصاعد المخاوف من إمكانية استغلالهم لزعزعة الأمن القومى المصرى لحساب دول أخرى وهنا تخشى القاهرة تكرار ماحدث في ليبيا عقب الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011 والذي أسفرعن دخول أسلحة كبيرة ومتنوعة إلى مصر عبر الصحراء الغربية والتي وقع بعضها في يد بعض التنظيمات المسلحة مثل ولاية سيناء، الفرع المصري من داعش أو عناصر جهادية أخرى لها علاقة بتنظيم القاعدة.  كما أن الفوضى المحتملة ستؤثر  على أمن البحر الأحمر وهو ما يعد مصدراً لقلق دول الخليج ,خاصة مع وجود قوى تحاول استغلال سكب مزيد من الزيت على الموقف المشتعل بالأساس على غرار إيران وتركيا .

وثمة سجال دائر لايخلو من اتهامات متبادلة بين الجانبين بالحصول على تمويلات من قوى خارجية بغية العبث بالساحة السودانية  , ففى حين يذهب البعض إلى وجود دعم من قطر وتركيا لا يزال محدود في الفترة الحالية موجه إلى؛ تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود المظاهرات ، حيث تصل تلك الأموال إلى قيادات الإخوان المسلمين الذين يديرونه بطريقتهم الخاصة (للتحكم بمسار المظاهرات الشعبية) لصالح أهدافهم الغير معلنة، انتقدت قوى الحرية والتغيير في السودان زيارة حميدتي للرياض، وزيارة عبد الفتاح البرهان للقاهرة ، معتبرة أنها تفتح  أبوابا للتدخل الخارجي في الثورة السودانية.

غير أن موقف دول الاعتدال العربى  ينبع من أن أمن واستقرار السودان يعد مكوناً راسخاً بعقيدة دول الجوار والتى تدرك حجم الولايلات التى عانت منها شعوبها عقب أحداث الربيع العربى لذا ترمى بكل قوة إلى استتتباب الأمن فى الخرطوم وإجهاض كل محاولات القوى  الداخلية والخارجية إلى هدم المسار السلمى لعملية الانتقال السياسي  لاسيما وأن إقالة البشير تمت بسلاسة بفضل انحياز المؤسسة العسكرية لمصلحة السودان وللإرداة الشعبية بما يعنى أن الدعم العربى يظل مشروطاً بالحوار بين القوى السياسية والتصدى بقوة لعمليات قمع المتظاهرين . وقد انعكس ذلك بجلاء تمام فى الموقف السعودي حيث اعربت المملكة  بعد يومين من الحملة “الدموية” عن “قلقها الشديد” إزاء الخسائر في الأرواح ودعوة الفرقاء إلى استئناف الحوار.

التسوية الشاملة واحتواء الأزمة على مائدة حوار وطني واحد ، حتى لا يتحول السودان إلى سوريا  أو حتى عراق آخر لا تستعر بنيرانه قوى الداخل فحسب، وإنما دول الجوار أيضا.يظل الخيار الأمثل , للخروج من حالة الاستعصاء , إذ أن انفصام عرى التوافق  بين أطراف النزاع  تفتح أبواب الاحتمالات على مصراعيها أمام سيناريو  العنف والحرب الأهلية خاصة إذا ما قررت الفصائل حمل السلاح مجدداً وتبنى سياسة العنف   .

السودان يبدو فى حاجة ماسة إلى تضافر الجهود الدولية والإقليمية وتجاوز حالة الصمت على الوضع  الراهن والتى قد تسفر عن كارثة إنسانية ولعل قرار القوى الوطنية تعليق عصيانها المدني الذي بدأته قبل ثلاثة أيام في أنحاء البلاد بعد موافقة المجلس العسكري الجلوس إلى طاولة المفاوضات بوساطة إثيوبية  يعد بداية جيدة  لابد  وان تترافق مع تحركات صادقه من قبل إخوانه العرب لكي يتجاوز محنته بأقل الخسائر قبل أن يذهب إلى الفوضى والحروب الأهلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى