تقارير

إفرازات الحراك.. هل ينحسر الدور الفرنسى في الجزائر لصالح روسيا والصين ؟

الإباء / متابعة ………..

يبدو أن التيار المتصاعد  فى الجزائر قد شرع بالفعل فى تصفية حساباته مع باريس , إذ أن الدعوات بإحلال اللغة الإنجليزية محل الفرنسية والتى سبقتها إجراءات مشابهة فى مايو الماضى تضمنت رفع الحروف الفرنسية من لافتات وزارة الدفاع الجزائرية، ومن معاملات إدارة شركة سوناطراك النفطية تبعث إشارات خاصة مفادها إصرار النخب الجديدة على التحلل من ميراث الإليزيه وإيجاد مسارات بديلة تتمثل فى تعزيز علاقتها التاريخية مع  روسيا والصين،التوجهات الطارئة لدى القيادات الجزائرية أثارت مخاوف باريس من انتهاء حقبة نفوذها فى بلد طالما اعتبرته قاعدتها الخلفية فى إفريقيا

الشواهد على إفرازات الحراك الشعبى لإعادة ترتيب أوراق البيت الجزائرى بعيداًعن الهيمنة الفرنسية برزت فى تحول مقترح إحلال اللغة الإنجليزية محل الفرنسية من مطلب شعبي متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي ، إلى قرار وزراى  ضمن خطط الحكومة، حيث  أطلقت وزارة التعليم العالي عبر منصة رقمية، في 5 يوليو/تموز الجاري، استفتاء يستمر شهرًا حول تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية في الجامعة. وأظهرت نتائج الأسبوع الأول دعم الغالبية الساحقة من المصوتين للغة الإنجليزية. كما توحي الخطوة غير المسبوقة من جانب  السفارة الفرنسية في الجزائر ونشرها لبيان باللغة العربية بأن علاقات البلدين فى طريقها للتشكل على نحو مغاير .

وبالرغم من رفض  القوى الثورية لكل صور التدخل الأجنبى غير أن باريس كانت الجهة الأكثر استهدافاً من قبل الحراك حيث ساد خطاب معادى للوجود الفرنسي فى الجزائر على خلفية الدعم الذي كانت تقدمه الأولى  إلى نظام الرئيس السابق بوتفليقة، خاصة منذ العام 2013وهو ما تكشف فى إشارة مصادر إعلامية محسوبة على الجيش، إلى مشاركة جهة استخباراتية فرنسية في ما بات يعرف بـ”المؤامرة” التي خططت لها وجوه نظام بوتفليقة، لإجهاض الحراك والانقلاب على قيادة الجيش.

فلم يسبق أن حازت دولة فى الجزائر مستوى النفوذ الذى حصلت عليه باريس فى عهد بوتفليقة حيث تمكنت من حصد العديد من الامتيازات مقابل تثبيت أركان نظامه ودعمه فى مواجهة معارضيه ومنذ ذلك الحين شهد النفوذ الفرنسي في الجزائر نقلة نوعية في مختلف المجالات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. بل وصل الأمر إلى حدّ تدخل خبراء فرنسيين في وضع مناهج التربية والمقررات الدراسية.

المخاوف الفرنسية من الموجة الثورية المعادية لحضورها بالمشهد انعكست فى مداخلة النائب الجمهوري في الجمعية الفرنسية جون لاسال، خلال الشهرين الماضيين ، حول تطور الأوضاع في الجزائر، وتأثيرها على مستقبل علاقات البلدين ومصالح فرنسا تحديدا، حيث ألمح إلى أن باريس تنظر بعين القلق لما بات يعرف بصعود جيل الضباط الجدد المعادين للنفوذ الفرنسي، وأنها غير مرتاحة لانفراد قائد الأركان الجنرال أحمد قايد صالح، بسلطة القرار في بلد ظل يمثل قاعدتها الخلفية في شمال أفريقيا. وشدد في مداخلته، على أن تركيبة الجيش الجزائري، لم تعد مثل تلك المعتادة في أنظمة الرؤساء السابقين كأحمد بن بلة وهواري بومدين، وأن باريس مطالبة بالتركيز على تداعيات الوضع على الاهتمامات المشتركة، لاسيما تلك المتعلقة بالهجرة والجالية والجوار الجغرافي.

تصميم الحراك الشعبى على أن تولى بلاده وجهها شطر موسكو وبكين ، وإنهاء نظام الامتيازات الممنوح لفرنسا من قبل نظام حكم “بوتفليقة”. تمثل في الانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق”، وإعراب النخبة الجديدة  عن رغبتها في تنسيق السياسات مع بكين، وتعزيز إطر التواصل بشكل مستمر فيما يتعلق  بالاستراتيجيات والمخططات والسياسات التنموية فضلاً عن مجالات ترابط المنشآت .

واخترقت الصين في الأعوام الأخيرة السوق الجزائرية عبر مجالات البناء والأشغال العامة. فهي في طريقها إلى الانتهاء من مشروع الطريق السيار شرق غرب الذي يمتد لمسافة 1216 كيلومتر، كما أنها تولت بناء جامع الجزائر الكبير ليصبح ثالث أكبر مسجد في العالم، إضافةً إلى توسعة مطار الجزائر. يضاف إلى كل هذا مشروع ميناء الحمدانية، الذي سيتم ربطه بثلاث مناطق صناعية كبرى وخط جديد للسكك الحديدية، وقدرت ميزانية المشروع بنحو 3.3 مليار دولار أمريكي.

ومن المنتظر أن يرتفع حجم الاستثمارات الثنائية بين الجانبين في السنوات القادمة، خاصة في ظل سياسية الدولة الجزائرية الحالية والتي بدأت تدير ظهرها أكثر فأكثر للأوروبيين.في المقابل، تقدم الصين للجزائر قروضا بنسب منخفضة، ما يتماشى مع أهداف الجزائريين، الذين تضرروا بشكل كبير من تراجع أسعار النفط. وما يعد بارتفاع الاستثمارات أيضا هو أن الاقتصاد الجزائري بيد مؤسسات الدولة ورجال السياسية فيها، وبالتالي فإن درجات التعاون الاقتصادي تحركها المصالح الجيوستراتيجية.

عيون روسيا راقبت الاحتجاجات بحذر ,لاسيما وأنها  حافظت على علاقات حميمة مع الجزائر ،و كانت موسكو حريصة على تجنب الرد الرسمي على الاحتجاجات التي بدأت في الجزائروبرز الدور الروسي خلال احتجاجات الجزائر بشكل واضح، إذ حرصت موسكو على التواصل بانتظام مع النظام الجزائري، وأكد وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” في مارس 2019 على رفض روسيا لأي تدخل خارجي في الشأن الجزائري

على المستوى الاستراتيجي تبعد السواحل الجزائرية 70 كيلومترًا عن سواحل دول الناتو (إسبانيا وفرنسا)، لذا فالجزائر حليف استراتيجي؛ لاسيما في ظل أزمات روسيا مع الناتو .كما تعد من المشترين الخمسة الأوائل للأسلحة الروسية، إذ تتلقى من موسكو أكثر من 80 في المائة من معدّاتها، واستحوذت عام 2016 على 10% من صادرات الأسلحة الروسية. وفي عام 2006، أعفت موسكو الجزائر من دين قدره 4.7 مليارات دولار كانت الجزائر تدين به للاتحاد السوفييتي، ما أتاح للدولتَين تحسين علاقاتهما وتوطيد روابطهما السياسية والاقتصادية وأبرم على إثر ذلك  اتفاق أسلحة مع الجزائر هو أكبر عملية بيع للأسلحة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بلغت  قيمته نحو 7.5 مليار دولار . ويرى محللون أن روسيا تعمل على تسليح جيش الجزائر “كما تسلّح جيشها الخاص، لتعطي رسالة لأوروبا بأن من يغامر بالاقتراب من الجزائر كأنه يقترب من روسيا”. لافتين إلى أن العلاقة الشرعية المتوارثة بين روسيا والجزائر من عهد الاتحاد السوفييتي كانت وراء أن تعتبر موسكو الجزائر واحدة من الدول القلائل التي تزودها بـ6 غواصات (كيلو) المعروفة باسم الثقب الأسود والتي تتميز بهدوئها وعدم قدرة العدو على مراقبتها. ولا يقف الدور الروسي عند توريد الأسلحة المتطورة إلى الجزائر فحسب، بل يتضمن كذلك المُساهمة عبر إمدادهم بالخبراء العسكريين الروسي لتطوير صناعة السلاح والمعدات. وفي عام 2016، بدأت الجزائر وروسيا تتبادلان المعلومات الاستخباراتية حول تحركات الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء شمال أفريقيا

وعلى الرغم من رغبة موسكو في تفعيل حضورها بقطاع النفط  في الجزائر غير أن كون الأخيرة أكبر مزود للغاز الطبيعي إلى أوروبا بعد النرويج وروسيا جعل روسيا تنظر إليها باعتبارها منافس وليست شريك و تعتمد موسكو على هذا النهج في التعاون مع الجزائر للسيطرة على أسعار الغاز العالمية  ومع ذلك فشركة “غازبروم” الروسية تملك أصولاً في الجزائر، وقد فازت بعقود للتنقيب عن النفط والغاز وتطوير استخراجهما، لكن القوانين الصارمة التي تحكم الاستثمارات الأجنبية في الجزائر تحدّ من الإمكانات الاستثمارية لهذه الشركات وبلغ التعاون الجزائري-الروسي مستويات غير مسبوقة في المجالات العسكرية، والاقتصادية، والتجارة، والطاقة، كما تشير بعض التقارير الصحفية إلى احتمالية قيام الجزائر بشراء منظومة “إس-400”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى