تقارير

الاختبار الأخير ..هل تندلع مواجهة روسية – تركية شرق الفرات ؟

الإباء / متابعة ………..

لم تستطع الابتسامات الدبلوماسية الفاترة أو الصفقات العسكرية  إخفاء النار المستعرة تحت رماد الكتمان  , إذ تؤشر معطيات المعركة الأخيرة فى إدلب والزخم الروسي الإيراني فى قصف كل ما يخص تركيا بالجغراقيا السورية   إلى أن العلاقة بين موسكو وأنقرة باتت قيد الاختبار الأخير ..ومع أن الجانبين حرصا مراراً ألا يطير دخان الخلافات بينهما إلى غريمهما الراهن  فى ” واشنطن ” غير أن صوت الاشتباكات على الأرض و بذور الشقاق المتجذرة فى تاريخ البلدين منذ الحكم العثمانى كانت أشد بأساً من أى تفاهمات مرحلية فرضتها الضرورة السياسية

خطوط التوتر بالعلاقات الروسية التركية يمكن استشعارها من الرسائل المشفرة بين الطرفين حيث اعترفت  روسيا لأول مرة فى 21 أغسطس  بوجود قواتها على أرض إدلب، ثم هددت بالرد على “أي استهداف لعسكرييها هناك”، أنقرة من جانبها أدركت فحوى الرسالة واطلقت هى الأخرى تحذيراً مماثلا على  على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو “على النظام السوري ألا يلعب بالنار”، وذلك على خلفية الهجوم الذي تعرض له رتل عسكري تركي أثناء محاولته الوصول إلى موقع المراقبة العسكري شمال غربي سوريا.

منحى التصعيد بين الجانبين بدا واضحاً أيضاً عندما من خلال دفع تركيا برتل عسكري كبير بعد تمادي النظام وروسيا بحملتهم وتوجيهها باتجاه خان شيخون، ولكن كان الرد الروسي رغم علمها بوجهة الرتل ووجود تنسيق بإعاقة تقدمه ومنعه من الوصول لمبتغاه، واستعجال تطويق مدينة خان شيخون وفرض أمر واقع جديد. ما تعكس المؤشرات  التقدّم السوري باتجاه مدينة إدلب مع مواصلة الدعم الروسي بنفس الزُخم، وهذا ما بدا واضحاً من خلال كلام الرئيس الروسي بعد لقائه مؤخّراً مع الرئيس الفرنسي، كذلك كلام وزير الخارجية الروسي خلال المؤتمر الصحفي مع وزيرة خارجية غانا، ولعلّ الرسالة الروسيّة الأقوى هي مُلاحقة طائرة روسيّة لطائرتين تركيّتين حاولتا مَنْع الطيران الحربي السوري

جنوح موسكو لنقض اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب وتعجيل الحسم العسكري جنوبي إدلب وريف حماة من خلال المشاركة بشكل أكبر براً وجواً,  بل واستدعاء الطرف الإيراني للمشاركة أيضاَ يأتى مدفوعاً بقناعة لدى الكرملين بأن هامِش التنازُلات التركية قد أصبح ضيّقاً، وأنّ أيّ تنازُلٍ لن يكون إلا باستخدام القوَّة العسكرية لاسيما وأن روسيا نجحت خلال الفترة الماضية فى تفكيك كل المعوقات اللازمة لتحرير المحافظة فضلاً عن  نجاح واشنطن وأنقرة في التوصل إلى تفاهمات بشأن المنطقة الآمنة على الجانب الآخر، عقب سلسلة من الخلافات بسبب إتمام صفقة “إس 400” بين تركيا وروسيا،.

اتجاهات عديدة تشير إلى  احتمالات تغير التحالفات في المستقبل مرة أخرى فقد نقلت وكالة الأناضول للأنباء عن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قوله إن مركز العمليات المشتركة مع واشنطن بشأن إقامة وإدارة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا بدأ عملياته بشكل كامل. و نقلت الوكالة عن أكار قوله “مركز العمليات المشتركة بدأ العمل بكامل طاقته. قيادة المركز ستكون بجنرال أمريكي وجنرال تركي”.

ومع ذلك  ,فإن المشهد الراهن  للوضع في إدلب ،يضع تركيا بمأزق يهدد بخروجها خالية الوفاض  ويجعلها الخاسر الأكبر  ,حال استمرار العناد الروسى  إذ لم  تتمكن   من  الحصول على المنطقة الآمنة ، او الاحتفاظ  بمناطق نفوذها  كما ينذر بانهيار  سقف الطموح التركي فى حدوث  تغيير ديموغرافي في الشمال السوري، يتمّ بموجبه تراجُع الكرد عن الحدود السورية التركية ليحلّ مكانهم سوريون يُدينون لها بالولاء وليكون دورهم لاحقاً هو تشكيل حاجِز بين تركيا وبين الكرد خاصة وأن موسكو استقبلت التفاهمات الأميركية – التركية شمال شرقي سوريا بتجاهل وقف النار وتشجيع دمشق على تحدي اتفاق بوتين – إردوغان وتقديم غطاء جوي وسلاح نوي لقوات الحكومة السورية؛,

مؤشرات الأحداث تحمل دلالات على انهيار اتفاقية سوتشي ودخول العلاقات التركية الروسية إلى خندق التصعيد غير المباشر حتى هذه اللحظة ، مما يضعنا بمواجهة سيناريوهات عدة محتملة  من بينها  أنه حال حال تكرار مشهد الضربة العسكرية للرتل فقد يتطور الأمر إلى حد المواجهة المباشرة بين الجانبين .

سجلات التاريخ تخبرنا أن  آخر المواجهات التركية الروسية بين عامي 1917 و1918 حيث خاض الأتراك والروس أكثر من 12 حرباً. وأطلق الروس شرارة كافة هذه الحروب – وانتصروا في جميعها، بشكل عام.  وأن  استمرار مخاوف تركيا من روسيا  خلال القرن العشرين  دفع الأولى لدخول حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) لتصبح بذلك حليفةً للولايات المتحدة بعد أن طالب الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين بأراضٍ من أنقرة عام 1946.

تركيا بدأت في الاستماع لبوتين حين أسقطت  طائرة روسية عام 2015 كانت قد انتهكت مجالها الجوي من سوريا،وهددت موسكو حينها  بتسليح حزب العمال الكردستانى وفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة طلبت على إثرها مساعدة حلفائها ومع تخلى حلف الناتو عنها وإعلانه أن تلك المشكلة تخص النظام التركي بمفرده وعليه التعامل معها ,هنا فقط بدأت تميل لمحور روسيا  وحقق بوتين مبتغاه فقد كان هذا ما يريده بالضبط.

انكشاف أنقرة المفجع على التهديد الروسي دفع أردوغان إلى تجنب التصعيد مع موسكو وقد أدرك بوتين ذلك الأمر وعمد إلى استغلاله واستثمار تزايد المشاعر المعادية للغرب في تركيا إثر محاولة الانقلاب الفاشل  وكان أول المتصلين , فالرئيس الروسي كان لديه رغبة حاسمة في إضعاف  حلف “الناتو” و يدرك أن إحدى الوسائل  لتحقيق ذلك تكمن في إضعاف التزام أنقرة تجاه الحلف. وفى سبيل تحقيق ذلك شجع بوتين تركيا على شراء نظام “أس-400”.

لكن فى ضوء الرؤية الحالية، وفى ظل الإصرار الروسي الواضح في الحسم، من المرجح أن تضطر أنقرة  للقبول بالأمر الواقع  واحتواء الأزمة   لتجنب الدخول بمواجهة مباشرة مع روسيا غير محسوبة النتائج قد تؤثرعلى  ملفات أخرى بين الطرفين ، لاسيما مع تشابك المصالح الدولية والإقليمية بين موسكو وأنقرة، وإدراك  الجانبين لخطورة الصدام العسكري المباشر لذا ليس من المستبعد إطلاقاً ان يتم التوصل  لاتفاق يهدئ الأوضاع المتأزمة من خلال صفقة جديدة على غرار اتفاق  شرق الفرات تصبح بموجبه إدلب منطقة آمنة غير أن هذا يتوقف على  مدى استجابة الجانب الروسى

ومن المحتمل أيضًا أن تلجأ تركيا إلى إلى تغيير تكتيكاتها في إدلب، على غرار دفع قوات المعارضة إلى الواجهة بديلاً لمقاتلي “هيئة تحرير الشام” التي تسيطر عليها، وربما إفساح الطريق أمام روسيا والنظام لمواجهة مع الأخيرة، وهو ما تلمح إليه تصريحات مسئولي وزارة الخارجية التركية من آن لآخر، في إطار مزاعم حول دعم ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” أو قوى المعارضة للنظام، بما يسمح لها بتعزيز فرصة الإبقاء على “مظاهر” اتفاق سوتسي لضمان بقاء قوات المعارضة لحين الانتهاء من الاتفاق السياسي، وبالتالي الحفاظ على النقاط الأمنية التى أقامتها هناك.

وأمام كافة السيناريوهات المحتملة للتصعيد الروسي-التركي يبقى الرهان على مسارات المشهد  عالقاُ باجتماع انقرة ، في السادس من الشهر القادم ، والذي سيلتقي فيه الرئيس التركي ، نظيريه الإيراني والروسي ، وسيكون مخصصا فقط لبحث الأزمة السورية بكاملها ، واحتمالات توقيع اتفاق جديد لإيقاف الهجوم في إدلب، وتحقيق بعض شروط روسيا وتأجيل مسألة الصرا ع  بينهما إلى وقت لاحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى