تقارير

“الشعب يريد ” ..لهذه الأسباب سقطت رموز الدولة العميقة فى تونس

الإباء / متابعة ……….

 

رسائل ضمنية عدة حملتها نتائج الاستحقاق الرئاسي فى تونس والتى بدت كزلزال انتخابى هز  الأوساط السياسية والطامحين بالوصول إلى قصر قرطاج  حيث أظهرت  تقدما لمرشحيْن من خارج منظومة الحكم القائمة وسقوط الكبار فى ظل غياب التحالفات .

الاشتباك الانتخابى والذى انحصر حالياً بين مرشحين هما المستقل الأكاديمي قيس سعيد، ورجل الأعمال والإعلام مرشح حزب “قلب تونس” نبيل القروي، القابع حاليًا في السجن على خلفية تهم “فساد وتبييض أموال, بث إشارات عدة من جهمور الناخبين للرئيس المقبل  لعل أهمها ان الثورة لاتزال مستمرة وأن من يسكن قصر قرطاج عليه توخى الحذر من الغضب الشعبى والذى سينعكس من خلال  صناديق الاقتراع , فقد اختار الشعب التونسي  اسلوب التصويت العقابى ليعرب عن رفضه لكل رموز النظام الحالى لاسيما مع عجزهم عن إيجاد حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية .

ارتدادت هيمنة ملف الفساد على حملات الانتخابات اسهمت بشكل ملحوظ فى جنوح الناخبين إلى التصويت العقابي ضد ضد المنظومة السياسية القائمة منذ العام 2012، في إشارة إلى حكم الترويكا (تحالف إسلامي علماني حكم لعامين اثنين من نهاية 2012 وحتى يناير 2014 ) والحكومات المنبثقة عن انتخابات العام 2014. إذ لم تخل حملة انتخابية من شعار الحرب على الفساد  من بينها حملة رئيس الحكومة يوسف الشاهد  والذى بنى جانبا من شعبيته على حملة شنتها حكومته قبل عامين على بعض رموز الفاسد، وذهب إلى الحديث عن “مافيا” تخترق النظام المالي والإعلام والحقل السياسي غير أن أن خصومه من المعارضة ، يتهمونه بالفساد. و تبدو الاتهامات لقسم من الطبقة السياسية ورجال الأعمال بالتواطؤ والاستفادة من أموال التهريب، أمرا مألوفا ليس فقط في شكل اتهامات متبادلة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية، بل في الخطاب الإعلامي والسياسي اليومي بتونس.

ويعد ملف الفساد من أعقد القضايا التي تواجه، ليس فقط انتخابات الرئاسة التونسية، بل الحياة السياسية والإقتصادية برمتها. ويبدأ الحديث عن الفساد في تونس من ملف التهريب (الإقتصاد الوازي أو غير المهيكل). وتتراوح نسبة الإقتصاد الموازي إلى حوالي 34 في المائة مثلا في المناطق الحدودية مع ليبيا أو المعاملات المالية غير المهيكلة، بحسب دراسة للبنك الدولي، وإلى نسبة 52 في المائة بحسب خبراء

“نشر الغسيل” أمام الرأي العام كان أحد عوامل سقوط  رموز الدولة العميقة وذلك من خلال الزج بالجيش والمؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية  وهو ما تجسد بوضوح  خلال المناظرة بين الزبيدى والشاهد  ، وذلك حينما كشف الأول  بأنه كان يفكر في إصدار أمر للجيش بمحاصرة البرلمان و”إغلاق بابه بدبابتين” لمنع ما وصفه بـ”محاولة إنقلابية على الشرعية” متهما نوابا برلمانيين بأنهم كانوا يخططون للإنقلاب على الرئيس الشرعي الباجي قايد السبسي عندما كان مريضا. و قال الزبيدي إنه أخبر رئيس الوزراء بذلك وإن هذا الأخير أبدى تأييده للخطوة وأضاف بأن الشاهد استدرك قائلا: “أتمنى أن لا نصل لهذا الوضع”. ومع أن كلام وزير الدفاع كان يرمى من ورائه إلى استمالة قطاع عريض من الناخبين و تصدير صورة الرجل القوى للشعب التونسى  غير أنه انعكس سلباُ على شعبيته فى الشارع التونسى والذى رأى فى ذلك تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء.

حالة الفراغ والانقسامات بين مؤسسات الدولة العميقة عقب وفاة السبسبى  وتشتت حزبه “نداء تونس” الذي كسب الانتخابات السابقة بنجاحه في تكتيل القوى الليبرالية وبقايا النظام السابق في مواجهة قوى الثورة المنقسمة بدورها على نفسها بين حزب النهضة وحزب الرئيس السابق منصف المرزوقي أفضت إلى  تآكل قوى النظام  وفتحت الأبواب على مصرعيها أمام صعود وجوه جديدة غير مألوفة.

“أزمة الهوية” داخل حركة  النهضة وضعت مرشحها عبد الفتاح مورو بمواجهة اختبار صعب  لاسيما وأن الشيخ معروف بنهجه البراغماتي والليبرالي وووسطيته من الناحية الدينية, فعلى الرغم من أن الحزب الإسلامي يستند إلى خزان انتخابي يقارب 15 في المائة من الناخبين، غير أن  أنصاره  وجدوا أنفسهم مشتتين بين خيارات سياسية ثورية وبراغماتية وأخرى  ثقافية ليبرالية ودينية محافظة. حيث عانت حملة مورو من الانقسامات الموجودة داخل الحركة، وأنه ولم تكن هناك تعبئة كاملة لحملته.

حالة التشظى وغياب التحالفات استفاد منها المرشحون  الذين يتقنون استخدام تقنيات التواصل الإجتماعي والخطابات المباشرة،   وعلى راسهم  قيس سعيد  أو الرجل الآلى كما يطلق عليه التونسيين والذى  لم يتوقع أحد مروره إلى الدور الثاني للمنافسة على الرئاسة. فقبل أشهر استقبل  البعض خبر اعتزام قيس سعيد الترشح للانتخابات الرئاسية بسخرية وتندّر، فهو الرجل البسيط الهادئ الذي لا يملك حزبا أو جهة سياسية تدعمه ولا رصيدا سياسيا قويا يجعله قادراً على مواجهة أسماء بارزة في المشهد السياسي ومرشحين مدعومين سياسياً ومادياً وإعلامياً.غير أن ظهور  صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي باسمه تدعو إلى الالتفاف حوله ودعمه للفوز في هذا الاستحقاق الانتخابي، يقودها خاصة طلبة جامعيون، فتزايد الاهتمام به وبترشحه ونجح في الاستئثار بنصيب واسع من المساندة، حتى برز اسمه في استطلاعات الرأي وتصدر نوايا تصويت التونسيين.

وخلال الحملة الانتخابية ولم تعلق له لافتات كبرى تحمل صورته في الشوارع، حتى إنه لم يكن له مقر لحملته الانتخابية، حيث اكتفى فقط بالتجول على سيارته الخاصة في عدد من مدن البلاد للقاء المواطنين في المقاهي والأسواق الشعبية. أسلوبه المتواضع  فضلاً عن رفضه  التمويل العمومي للمرشحين الرئاسيين، اسهم فى التفاف  العديد من الجماهير المساندة له خاصة من فئة الشباب والطلبة خاصة مع رفعه شعار الثورة “الشعب يريد”  .

ومع ذلك فإن افتقار الرجل الآلى للدعم الحزبى وغياب كتلة برلمانية داعمة له قد يضع برنامجه على المحك حال فوزه بالانتخابات حيث يستند الطرح السياسي لسعيد  إلى  إعطاء دور محوري للجهات وتوزيع السلطة على السلطات المحلية عبر تعديل الدستور، ويعتقد أن الوضع الحالي يقتضي إعادة بناء سياسي وإداري جديد، ينطلق من المحلّي نحو المركزي عبر تأسيس مجالس محلية، وجعلها تشارك في السلطة.

الاشكالية الأخرى التى ستطفو على سطح  الواقع الجديد فى تونس تتمثل فى الجدل القانوني بخصوص استمرار توقيف القروي بتهمة تبييض أموال، رغم تأهله إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، إذ من المرجحّ أن يواجه القضاء ضغوطاً أكبر من أجل الإفراج عن  المرشح للدور الثانى  بفضل قدرته على كسب تعاطف سكان المناطق المهمشة بواسطة أنشطة جمعيته الخيرية “خليل تونس” المدعومة بدعاية قناته الفضائية الخاصة “نسمة ،. وقد يترتب على ذلك إلغاء نتائج الانتخابات والدعوة لانتخابات مبكرة استنادا للفصل 84 من الدستور. أوالبحث عن حلول قانونية ممكنة يمكن تطبيقها في حال فوزه بالرئاسة وقد اعتبرت الهيئة العليا للانتخابات في مؤتمرها اليوم للإعلان عن النتائج أن “القروي كمترشح يملك كامل الحقوق طالما أنه لا مانع قانوني”.

الاشمئزاز من الطبقة الحاكمة أفرز واقعاً سياسياً جديداً أزاح رموزاً عميقة تصدرت المشهد منذ ثورة 2011 لكن الانتصار الذى حققه الشعب التونسى لايزال ممزوجاً بالقلق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى