مقالات

هل يتعين على أوروبا الاستعداد لموجة جديدة من المهاجرين

الإباء / متابعة ………..

في عام 2015، ومع  إرهاصات موجة المهاجرين التى ضربت الشواطئ الأوروبية على مدار السنوات القليلة اللاحقة ، قالت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”: إن الهجرة واللجوء “ستشغل أوروبا أكثر من أزمة اليونان واستقرار اليورو”، والتى تعد أبرز الأزمات التى واجهتها القارة في أعقاب الأزمة المالية العالمية 2007-2008. وبعد مضى أربع سنوات، لم يجادلها أحد في بيانها.

وخلال عام 2016، صوت المواطنون البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي جزئيًّا كرد فعل على  خشيتهم من تبعات موجات  الهجرة. وارتفع التطرف اليميني الذي تغذيه كراهية الأجانب في جميع أنحاء القارة العجوز،. وبالوقت نفسه، تزايدت حدة المخاوف  بشأن الإرهاب الإسلاموي، ومع ذلك، لا تفتقر القارة إلى سياسة منسقة وإنسانية وشاملة بشأن الهجرة، والتي ستكون أكثر إلحاحًا في الأشهر والسنوات المقبلة ,فحسب , ولكن يبدو أنها غير قادرة أيضًا على الاتفاق حتى على تدابير قصيرة االمدى .

إذ لايمكن  نسيان صور الآلاف من اللاجئين الفارين من العنف عقب سيطرة تنظيم داعش على االعراق وسوريا، واستعانة الغالبية العظمى منهم بالمهربين مقابل مبالغ كبيرة من الأموال ليحملوهم على متن قوارب مطاطية زائدة الحمل على الساحل الغربي لتركيا. وفي أثناء سفرهم حاملين حقيبة قمامة للاحتفاظ بأمتعتهم وهواتفهم المحمولة، كانوا غير متأكدين مما إذا كانوا سيستمرون في العبور إلى اليونان، ومنها  إلى أوروبا ، حيث يخططون للاستقرار.

وخلال زيارة قصيرة إلى إسطنبول، شاهد الوفد الذي سافرت معه عدة مئات من اللاجئين,  كانوا محبوسين على ما يبدو في حديقة بجوار محطة الحافلات, بينما كانت السلطات التركية غير متيقنة  مما ينبغى اتخاذه من اجراءات حيال هؤلاء الوافدين الجدد، وغير راغبةٍ في السماح لهم بالانتقال إلى الحدود التركية في محاولتهم للعبور  إلى أوروبا.

وعقب  أشهر من الارتباك وعدم اليقين والإحباط الشديد، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تركيا ليبرم معها صفقة مالية في مارس 2016 لإبقاء اللاجئين والمهاجرين لديها، معتقدًا أنها ستمنع الوصول غير المقيد إلى أوروبا. ولم يرحب اليسار بهذه الصفقة؛ فقد ألقت جماعات الإغاثة مزيداً من  الضوء على القضايا المتعلقة بإعادة اللاجئين إلى تركيا، لا سيما المتصلة بالمسائل القانونية فى اتفاقية اللاجئين لعام 1951. وفي الوقت نفسه، مع الزيادة المفاجئة في الدعم للأحزاب اليمينية، بما في ذلك في المجر والنمسا وفرنسا، كان هناك اتجاه قوى  بأن الوافدين الجدد يشكلون تهديدًا على الأمن، وعلى هوية أوروبا بحد ذاتها.

وعلى الرغم من نزاع وزير الداخلية الإيطالي “ماتيو سالفيني” المناهض للهجرة مؤخرًا،  وحظره فعليًّا دخول اللاجئين والمهاجرين إيطاليا، فإن موقف اليمين– الرقابة الصارمة على الحدود والقيود المفروضة على مبادرات الاندماج وإعادة التوطين– ما زال يسيطر عمومًا. ولا يزال من على يسار النقاش يدعون إلى فتح حدود، مشيرين إلى بعض الأدلة على أن المهاجرين يمكنهم تحقيق فوائد اقتصادية. ففي أرمينيا، على سبيل المثال، قبلت الحكومة اللاجئين من الشتات الأرمني. وبعد إعادة دمجهم، أثبتت هذه السياسة نجاحها في جذب أشخاص يتمتعون بمهارات جديدة والمساعدة في تنمية الأعمال التجارية في جميع أنحاء البلاد.

ومع استمرار النقاش، هناك أناس على أرض الواقع يعانون بالفعل. ففي ليبيا، وصفت الأمم المتحدة الوضع داخل معسكرات الاعتقال حيث يُحتجز المهاجرون وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا بأنه “مروع”. وفي عام 2017، أعلن رئيس المجلس الأوروبي “دونالد تاسك” أنه سيغلق طريق الهجرة في وسط البحر المتوسط، وهو ما يعني في الممارسة العملية أن هؤلاء اللاجئين والمهاجرين الذين يسعون إلى دخول أوروبا عبر ليبيا سيبقون عالقين في مراكز الاحتجاز.

كذلك اعترضت سفن خفر السواحل الليبية القوارب المتجهة إلى أوروبا وأعادتهم إلى مراكز الاحتجاز الليبية، حيث حُرم اللاجئون والمهاجرون من الغذاء والرعاية الطبية الكافية؛ في حين مات المئات ممن حاولوا العبور من المخيمات إلى أوروبا أثناء محاولتهم عبور المعبر في العام الماضي.

وفي الوقت نفسه، هناك ارتفاع مطرد في عدد اللاجئين والمهاجرين الذين يصلون إلى اليونان، حيث تشير أحدث الأرقام إلى أن 44 ألف من طالبي اللجوء سافروا عبر بحر إيجه بين يناير ونوفمبر، بزيادة قدرها الثلث عن 32500 خلال عام 2018. ويعيش عشرات الآلاف منهم في ظروف مروعة في المخيمات اليونانية. وفي أواخر أكتوبر، قالت “دنيا مياتوفيتش”، مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان: إن المخيمات “على حافة كارثة” و”متفجرة”، وقدّرت أن هناك 100 ألف مهاجر ولاجئ يعيشون في ظروف سيئة في البلاد، مع تأخير طويل في البت في طلبات اللجوء.

وفي نهاية أكتوبر، سنَّت الحكومة اليونانية المنتخبة حديثًا قوانين لجوء أكثر تشددًا؛ ما يعني أن الأشخاص العالقين سيبقون هناك لفترة أطول. وفي 19 نوفمبر، أعلن “الكيفيديس ستيفانيس”، نائب وزير الدفاع اليوناني، أن أثينا ستغلق معسكر موريا في جزيرة لسبوس للبت في طلبات اللجوء التي يبلغ عددها 15 ألف طالب لجوء هناك.  وفي الأسبوع السابق، اكتشفت الشرطة اليونانية 41 مهاجرًا في ثلاجة شاحنة في شمال البلاد. وهذه الحوادث تذكرنا بأن العديد من المهاجرين مستعدون للمجازفة بحياتهم للحصول على فرصة لبدء حياة جديدة.

وفي الأشهر والسنوات المقبلة، يمكن أن تشهد أوروبا تدفق المزيد من اللاجئين الذين يحاولون الوصول إلى حدودها. في ظل النزاعات المستمرة في العراق وسوريا واليمن، وهناك إدراك متزايد بأن الأزمة المناخية ستؤدي إلى تدفق كبير من اللاجئين من أماكن غير صالحة للسكنى في سعيهم إلى إعادة بناء حياتهم من جديد.

بالنظر إلى الاتجاهات الحالية، يحتاج الاتحاد الأوروبي بشكل عاجل إلى سياسة جديدة متماسكة للتعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين الحالية والاستعداد لموجات اللاجئين في المستقبل. ونظرًا لاختلاف وجهات النظر إزاء هذه القضية، فإن هذا الأمر لن يكون سهلاً ميسورًا، لكن الفشل في القيام بذلك يعني زيادة أعداد الناس الذين يعيشون في ظروف سيئة، واستياء عام أكبر مما سينتج عن نجاح أوروبا في سياسة دمج المهاجرين.

بالتأكيد، هناك حاجة إلى حلول وسط. ومن الواضح أن هناك طلبًا لمزيد من عمليات الدمج في جميع أنحاء أوروبا، وليس فقط عند نقاط الدخول. ويبدو من غير المرجح أن يوافق الاتحاد الأوروبي على مثل هذا التقاسم للأعباء على المدى القصير. لذا، بدلاً من ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي على الأقل بدء نقاش حول أربع نقاط أساسية:

أولاً: يتعين على ألمانيا وفرنسا، اللتين كانتا أكثر ترحيبًا باللاجئين، زيادة تدريجية في عدد اللاجئين الذين قدموا من ليبيا ومن أماكن أخرى، مع إظهار فوائد هذا النهج إلى جيرانهما الأوروبيين، خاصة فيما يتعلق بالمهارات الجديدة والنمو طويل المدى الذي قد يقدمه المهاجرون لاقتصاداتهم.

فعلى سبيل المثال، قال صندوق النقد الدولي في عام 2016 إن الاقتصاد الألماني سوف يعوّض المخاطر الناجمة عن شيخوخة السكان إذا استمر في دمج اللاجئين الذين وصلوا في السنوات السابقة. وفي سبتمبر من هذا العام، اتفق البلدان، إلى جانب مالطا، على استقبال بعض اللاجئين الذين جرى إنقاذهم من قوارب قادمة من ليبيا.

ثانيًا: يحتاج الاتحاد الأوروبي والحكومات الوطنية إلى زيادة وتحسين التنسيق بشكل عاجل بين الدول القومية والهيئات الدولية وتوفير تمويل إضافي لكل من الشرطة الوطنية والهيئات عبر الوطنية مثل الانتربول. ذلك أن الطرق الرئيسية التي يستخدمها المهاجرون للسفر إلى مختلف الدول معروفة جيدًا. ويجب على الاتحاد الأوروبي توفير دعم إضافي وموارد وتدريب واستخبارات لقمع شبكات الإتجار التي تستفيد من الهجرة.

وبالإضافة إلى تلك الجهود، ينبغي على الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية زيادة التمويل للمنظمات الإنسانية للمساعدة في منع الإيذاء الجنسي للنساء والفتيات ومعالجته، فبالإضافة إلى القضايا الأخلاقية والإنسانية، يؤدي اضطهاد اللاجئين والمهاجرين إلى انتشار الجريمة والتهديدات الأمنية الأخرى.

ثالثًا: ينبغي على الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل المنظمات الخيرية والشركات وقادة المدن، التنسيق فيما بينها لتعزيز الدعوة الفعالة لمزيد من الحدود المفتوحة، فتحت إشراف وكالات مثل لجنة الإنقاذ الدولية ومنظمات المدن مثل المدن المتحدة والحكومات المحلية، ترى هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية فوائد الهجرة من حيث النمو الاقتصادي والتنوع. ففي جميع أنحاء العالم، يجلب اللاجئون والمهاجرون مهارات ومواهب وابتكارات جديدة أينما حلُّوا. وهذه المهارات ينبغي الاستفادة منها.

أخيرًا: يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز الخطاب الشعبوي الذي يصف اللاجئين والمهاجرين بأنهم “لصوص” و”مغتصبون”.

وأظهرت دراسة أجراها معهد كاتو عام 2018 أن المهاجرين غير الشرعيين الذين يقيمون في تكساس كانوا أقل عرضة بنسبة 50 % لارتكاب الجرائم الجنائية، مقارنة بالأمريكيين، بينما خلصت دراسة صدرت عام 2007 من المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن أولئك الذين يصلون إلى بلد جديد هم أقل عرضة لارتكاب الجرائم، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنهم لا يرغبون في خسارة فرصتهم، ومع ذلك فسوف يزدهر اللاجئون والمهاجرون إذا أتيحت لهم الفرصة للاندماج في مجتمعهم الجديد والمساهمة فيه.

كان الأوروبيون يحشرون من قبل في قوارب مزدحمة متجهة إلى الولايات المتحدة وكندا هربًا من الاضطهاد والتعصب. لذلك، يتعين على حكومات أوروبا التفكير في ماضيها لتحسين سياساتها طويلة الأجل. لكن، على المدى القصير، تحتاج هذه الحكومات إلى اتخاذ خطوات صغيرة للتحضير للمستقبل. لقد فات الأوان لمساعدة الكثيرين الذين فشلوا في محاولاتهم لإيجاد حياة أفضل لهم ولأسرهم.
يجدر تقديم تلك المساعدات دون شروط تضمن سيادة الدولة ووصول طبقة سياسية جديدة غير فاسدة إلى الحكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى