مقالات

العراق في قمة رادار التطبيع الاسرائيلي بضغوط امريكية

الإباء / متابعة ……..

عاشَ العراق ، دولة و شعب ، ما يقارب عقديّن من الزمن في مواجهة تحديات سياسية و أمنية صعبة و أستراتيجية في ابعادها . تخطى وبنجاح نسبي لبعضها  ، ولا يزال مُتعثراً امام البعض الآخر .  أَنْقَذَنا  التحّول السياسي عام ٢٠٠٣ مِنْ الدكتاتورية ، ولكن أوصَلنا الى ديمقراطية مُشّوه بالفساد وبعمالة البعض وبمسار سياسي وسلطوي لحساب اجندات خارجية . وقعَ أولئك الذين رسموا المسار السياسي في  الفخ المنصوب امريكياً لهم ، وبأعتبار امريكا صديقاً و ناصراً لهم ولذاك التحّول  ،فتمادوا في البذخ ( ان لم نقلْ في السرقة ) ،واللامُبالاة لتطلعات الشعب و مستقبله ، وعبثوا  بثروات البلد ، و تجاهلوا بناء الاقتصاد و الاستثمار والمشاريع ، فأستهلكوا ولم ينتجوا و هّدموا ولم يبنوا . بلوغ العراق الى الحالة التي هو فيها الآن هو ما سعتْ اليه الإرادة الامريكية ، ولكن بأدوات عراقية خطّت و نفذّتْ و بخطأ المسار  السياسي الموصوف بالديمقراطي . لدينا انتخابات و نتمتع بحريات وبتداول سلمي للسلطة و بأحزاب وبحركات سياسية متعددة و متنوعة ، ولكن ، هذه الممُرسات الديمقراطية جاءت بنتائج في تضادْ مع المطلوب :فبدلاً من بناء الدولة ،نجدُ الدولة اضعف بكثير من الحزب او من ظاهرة السياسة ، و مُجرّدة من ولاء الفرد او ولاء المواطن ، و بدلاً من تعزيز و ترسيخ السيادة ، نستجدي احترام السيادة اليوم من امريكا او من تركيا او حتى من اقليم كردستان ، بل حتى من احزاب او كتل سياسيّة !

لو كانت الإدارات الامريكية صادقة مع تجربة العراق ،مع التحّول السياسي الذي شهده العراق في عام ٢٠٠٣ ، لتأبطّتها و رعتّها بالنصح و التقويم ! ولما تركت سياسي المرحلة يتمادون في الأخطاء و الخطايا تجاه الشعب و الدولة ، ولما سمحت لظهور و نمو الارهاب وتفاقم جرائمهِ ، والطلب من حلفاءها في المنطقة بتمويل و دعم الجماعات المسلّحة التي عبثت و أجرمت في العراق و في سوريا ( انظر الى تصريحات السيد رئيس وزراء قطر الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثان الى قنوات تلفزيونية بتاريخ ٢٠١٧/ ١٠/٢٧ ، و نُشرت هذه التصريحات في صحف عديدة ،منها صحيفة رأي اليوم الاكترونية الصادرة بذات التاريخ اعلاه ).

تجاهلْ الامريكان عن سوء المسار السياسي في العراق وسوء السلوكيات السياسية، وتغاضيها عن ما جرى من فساد و سرقة ، كان متعمداً و مقصوداً و فَخّاً ، واصبح الآن فلماً مصوراً وسلاحاً تمتلكه الجهات الامريكية المعنيّة للابتزاز والتفاوض.

نتيجة المسار السياسي والتحديات السياسة تتجلى الآن، وبوضوح، من خلال استسلام قيادات المسار السياسي،  واستسلام المواطن ( المغلوب على امره و التائه ) الى القدر الامريكي المرسوم ، ولهذا القدر عنوانين عديدة : فشل الاسلام السياسي في العراق ،فشل حكم الشيعة في العراق ( بيدَ ان الشيعة محكومين في العراق وليس حكّام العراق ) ، التدخل الإيراني في العراق ( و  لا دولة تتدخل في العراق مثلما تتدخل امريكا)، أذرع ايران في العراق .

نتيجة المسار السياسي الآن هو  ضياع المواطن وفقدان  بوصلته السياسية . كيف ؟ خرجتْ تظاهرات في اكتوبر عام ٢٠١٨ مطالبةً بتغيير النظام السياسي و بإلغاء الأحزاب ، و بمعاقبة الفاسدين و استرجاع الأموال و محاربة الفساد و … و … واليوم يشهد الشعب تسجيل اكثر من ٤٠٠ حزب سياسي و حركة سياسية للأنتخابات القادمة ! و يُجازى الشعب باجراءات اقتصادية ( حكومية و سياسيّة لانها بمباركة رؤساء الكتل السياسية ) تمّسُ قوته ، من اجل دعم الاقتصاد و الموازنة ! كان من أهداف تظاهرات او ” ثورة تشرين ” ،على ما نعلم ويعلم الشعب ، هو استرجاع أموال الدولة المنهوبة في تجارة النفط و تجارة المنافذ و تجارة العقود ، وتجارة الاتصالات ، وتجارة النقل والخطوط الجوية ، وتجارة التضخم المقصود والمزّور لموظفي الدولة في بغداد و كردستان الخ … هذا هي أهداف ” ثورة تشرين ” …

تمنّى الشعب و ارادَ تضخيم موارد الدولة من خيرات العراق المنهوبة و المُسّربة ، وليس من استقطاع بنسبة تصل الى ٣٠ بالمئة من رواتب المتقاعدين و الموظفين !

سيواجه العراق، ونحن على أبواب عام جديد ،ليس فقط تحديات سياسية ،توارثها من المسار السياسي في العقدين الماضين من الزمن، و إنما ايضاً من تحديات سياسية جديدة يفرضها الامريكي و العربي المتحالف معه، وكذلك تحديات اقتصادية قاسيّة، تُفرضْ بعنوان الإصلاح ، و لا نشكُ بهدف الإصلاح و بضرورة الإصلاح ، ولكن نجاحها وهدفها مرتبط بالتحديات السياسية الجديدة التي سيواجهها العراق. فما هي تلك التحديات السياسية الجديدة؟

سينال الحشد الشعبي و كذلك المرجعيّة حصصهما من مساحة التحديات السياسية ، وسيحشران اكثر و اكثر في تغريدات التواصل الاجتماعي ، لغرض النيّل من موقعهما و أثرهما الاجتماعي و السياسي .

تشهد منطقتنا العربية حالة طلاق مع أرثها السياسي بمفرداته و بمصطلحاته وبتوجهاته ، لم تعدْ قواسم مشتركة لا بين الانظمة العربية و لا بين شعوبها : لا وجود لما نسميه سابقا ( ولو نظرياً ) أمن قومي عربي ،

لامستقبل لسوق او لأسواق عربية مشتركة ، لا مستقبل حتى لتعاون عربي كلي او جزئي ، ستترسخ اكثر القاعدة التي تحكم السياسة الخارجية لدولنا العربية ، وهي ” كيف تجعل جارك ضعيفاً ” ! ، لم تعد فلسطين  قضية للحلْ وانماّ قضيّة للتصفيّة ، لم تعدْ اسرائيل كيان محتل وانماّ دولة وبحدود مفتوحة وتتمدد بالتدريج من الفرات الى النيل ، اليوم ، ايران ، وللبعض هي العدو في المنطقة ، وتركيا ،اليوم،هي العدو للبعض الآخر ، ينبغي ان يكون التعاون والاتفاقيات بين بعض الدول العربية وفقاً لتوصيات امريكية -اسرائيلية و لأهدافهما الاستراتيجية .

سيشهد العراق انتخابات و وفقاً لقانون الانتخابات الجديد ، والذي يسمح بوصول احزاب  كبيرة وصغيرة متعددة الى مجلس النواب ، وسيكون للبصمة الاكترونية  دور كبير في النتائج ، وستأتي النتائج وفقاً للإرادات السياسية المحكومة ايضاً بالتوافقات و التفاهمات على توزيع السلطات و مزايا السلطات .

اسرائيل ، ومن خلال الإدارة الامريكية ، وصلت حتى الى السودان لطلب الاعتراف بها ، فهل يخرج العراق من حساباتها وحسابات ” دَلالّها ”  امريكا ؟ و لا أظنْ جهل القيادات السياسية العراقية بهذه الحقائق و التوقعّات .

أصبحَ “النضال الامريكي” من اجل اسرائيل الكبرى و المهيمنة يمرُّ عبر محادثات ودّية ، مثلما حصل مع الامارات و البحرين، او يمرُّ عبر مقايضات، مثلما حصلَ مع السودان و مع المغرب ، و يأمل “النضال الامريكي” أنْ يمرّر اعتراف بعض الدول الاخرى بالصبر والتروي ،مثلما يجري الآن مع المملكة العربية السعودية و قطر، وسيسعى “النضال الامريكي” الى انتزاع اعتراف دول اخرى بأسرائيل من خلال التعذيب و التهديد والتجويع ، و لبنان خير مثال على ذلك.

الدولار و الاقتصاد و الديمقراطية المشّوه بالفساد و العمالة و الأجندات هي سلاح امريكا تجاه ما تبقى من الدول، ومنها العراق، لحملها للاعتراف باسرائيل ، وليس لمصلحة العراق وانماّ لمصلحة الهيمنة الاسرائيلية ، وما الحديث عن ايران و عن النفوذ الإيراني في العراق و في المنطقة الاّ حجّة و ذريعة وشماعّة لتصفية القضية الفلسطينية و للاعتراف باسرائيل وضمان هيمنة اسرائيل .

ليس من مصلحة العراق عداء او مخاصمة امريكا أو رفض تعاون سياسي و اقتصادي معها ، ولكن هل تتعامل امريكا مع العراق وفقاً للمصالح الامريكية – العراقية أمْ وفقاً للمصالح الاسرائيلية ؟

كنت سفيرا للعراق في قطر ، حين وصلَ الرئيس اوباما الى الحكم ، وفي لقاء ودّي مع سفير امريكا في قطر ،سألني حينها . ماذا تنتظرون كعرب من الرئيس اوباما؟ كان جوابي له هو ” ننتظر منه ان يكون امريكياً”.

“نضال امريكا ” السياسي والاقتصادي تجاه العراق وتجاه دول المنطقة سيكون محكوماً و مبرمجاً بخطوات تلك الدول تجاه اسرائيل ، ولن تتردد امريكا، وفي ظل قيادة بايدن من الاستمرار في توظيف كافة الوسائل الناعمة والغليظة (اقصد الفدّرلة او التقسيم) من اجل تحقيق الأهداف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى