مقالات

السياسة العراقية .. وإنهيار الضمير الجمعي

الإباء / متابعة ………

يرى الفيلسوف والباحث في علم الاجتماع  الفرنسي “دايفيد إميل دوركهايم”، أن الأفراد مُجبرين على القيام بأداء أدوار مجتمعية مُحددة بِعينها سواء شاءوا أم لم يشاؤوا ..

وفي سياق عِلم الاجتماع  هذا، الذي أعتمده الفيلسوف “دايفيد إميل دوركهايم”، يقوم على أساس إعتماد العِلم كمنهجية مُستقلة للمجتمع والافراد،ويستند على النظرية والتجريب في آن معا على الرغم من الاختلاف بين الناس على (العمل الجمعي) ..

ويشدد “دوركهايم” ، أنه على الرغم من وجود العدد الهائل من الأفكار والمعتقدات الفردية، فأن هناك طريقة مُعينة للتصرف تستند على ما يُسمى بــ (الحقائق الاجتماعية)،وهذه الحقائق هي (أساليب السلوك التقليدية المتموضعة) عند الناس والمتمثلة بالعادات والقوانين والأنظمة ..

وتعد (الاساليب المتموضعة) من المُحركات الأساسية للمجتمع التي يجب أن يقبل بها الأفراد ويلتزمون بها للمحافظة على إستقرار المجتمع،وهذا ما يُطلق عليه بــ (ضمير جامع) أو (الضمير الجمعي) بحسب القاموس الشعبي لكن “دوركهايم” حذر من الأخطار التي تؤثر عليها والتي أطلق عليها (حالات الشذوذ) التي تظهر في المجتمع عندما تصبح الاحتياجات الشخصية والطموحات غير مشروعة ، وعندما تخرج الرغبات عن السيطرة التي لا يُمكن إحتوائها ضمن إطار المجتمع ، عند ذلك سيكون إنهيار (الضمير الجمعي) هو السائد ، ما يؤدي بالنتيجة إلى الفوضى العارمة في ظل غياب القانون ، وإنتشار الفساد ..

وفي واقع الحال يُمكن القول أن هذا ما حصل في العراق فعلا ، ذلك أن كل قراءات “دوركهايم” اليوم تنطبق عليه بعد أن حدث تحول العراق من (النظام الشمولي) في عام الاحتلال الامريكي ٢٠٠٣ إلى (النظام الديمقراطي) الذي يُعد من أهم مرتكزاته إعتماد (نظام الاتصال الجماهيري) في ممارسة الشعب لحرية الرأي والاعلام في تداول المعلومة ، وإبداء رأيه في تفاصيل حياته اليومية، على العكس من الانطباع القديم الذي كان سائدا آنذاك وهو (المجتمع الجماهيري)، الذي يُعد شكلا من أشكال سلطة الحكم الشمولي المطلق في السيطرة علي حرية الرأي وتداول المعلومة والتحكم بالمجتمع عبر وسائل الاعلام الخاضعة لإدارة السلطة المركزية ..

إن هذا التحول السريع المتمثل بـ (النظام الديمقراطي) ودساتيره، أدى إلى إنهيار المنظومة القيمّية الكبيرة بسبب ممارسات وتصرفات السياسيين الجدد في كيفية إدراة شؤون الحكم في البلاد ، مستغلين قبول الجماهير الفطري لمسميات عديدة إستهدفت تبوأ مواقع مهمة في البرلمان والحكومة تحت مسميات (الإصلاح والتضامن والتغيير) التي وعدوا من خلالها المجتمع لبناء دولة نموذجية وحضارية، لكن هذه الوعود سرعان ما إنكشفت وبان زيفها ، على العكس من توقعات وطموح الجماهير الراغبة في بناء دولة حقيقية يتوفر فيها للمجتمع كل مقومات الحياة أسوة بدول عديدة كانت قد مورست فيها الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع وأثمرت عن إختيار رجال دولة حقيقيين يحترمون شعوبهم وثورات بلدانهم ..

إن المشكلة الحقيقية في العراق تتمثل في النخب السياسية التي تمتلك زمام أمور الدولة من خلال ممثليها في أجهزة الحكومة والبرلمان، والمبنية على أساس الولاءات الحزبية والطائفية من دون أن تضع نصب أعينها إعتبارات خدمة الوطن والمواطن قبل كل شيء، إذ إنهم لم يروا الديمقراطية في العراق كطوق يشمل مجاميع رئيسية في العملية السياسية وإنما أخذت النخب الصغيرة تتحكم بأمور الحكم في السلطتين التشريعية والتنفيذية، من الذين يمتلكون رأس المال والشركات الكبيرة للسيطرة على إستثمارات الحكومة ، وهذه النخب تمكنت في واقع الحال من أن تسيطر عن طريق الاعلام والمؤسسات الاجتماعية الأخرى ، ومن ضمنها النظام التعليمي ، وجعلها وسيلة من وسائل بسط نفوذها في المجتمع ..

ولهذا السبب وغيره شَعَر المواطن العراقي بِعدم الاهتمام به ، وهو الذي لا حول له ولا قوة ، إزاء محاولته تغيير الوضع الجديد السائد في العراق بشكل عام، فإختار طريق الرفض لما يجري وبشتى الصنوف ومنها ممارسة حقه في التظاهر السلمي والرفض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما جعل الحكومة والبرلمان أمام إختيارات صعبة لاستيعاب الوضع  العام وكسب قبول وثقة الشعب بسب تداخل وتفاقم الازمات المالية والاقتصادية والسياسية مع بعضها البعض ، ما أثر على الأنظمة والاعراف والقوانين التي أشار اليها “دوركهايم” بـ (ضمير الجامع) او الضمير الجمعي التي تحافظ  بدورها على سلم وإستقرار المجتمع عندما حدث التحول من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي في العام ٢٠٠٣ ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى