مقالات

الدستور العراقي وإمكانات التعديل

الإباء / متابعة ……..

 

جرت محاولات عديدة لتعديل الدستور العراقي لسنة 2005 لكنها اصطدمت بالمادتين 126 و142 التي حددتا آلية أي تعديل يجري على مواد الدستور واشترطت أن يخضع التعديل لاستفتاء شعبي وأن لا يتم رفضه من قبل ثلثي ثلاث محافظات عراقية وهذا يعني شبه استحالة أي تعديل في الدستور العراقي 2005 والذي يعتبر من الدساتير الجامدة.

وقد قصد المشرع من وضع هاتين المادتين في الدستور العراقي عرقلة أي محاولة للتعديل في هذا الدستور حفاظاً على استقرار البلد. إذ عانا العراق ومنذ ثورة تموز 1958 التي أطاحت بالملكية من الدساتير الموقتة التي أفقدت العراق استقراره السياسي وثباته المعيشي، فكان على مشرِّع الدستور العراقي أن يأخذ هذه الظاهرة بعين الاعتبار عند كتابة الدستور، إضافة إلى ذلك كانت شريحة الكرد متخوفة من انقلاب الساسة العراقيين على الفدرالية التي كانت هدفهم الاستراتيجي الذي يؤمّن لهم نظامهم السياسي القائم على الفدرالية، بل كانت الفدرالية جزءا من ثقافتهم وحياتهم الفكرية ومعايشتهم الحياتية فحتى أطفالهم كانوا ينطقون بالفدرالية قبل النطق بأية كلمة أخرى، واعتبروا دستور 2005 مكسباً كبيراً لهم حيث نظّم لحياة سياسية قائمة على نظام اتحادي يقسّم العراق إلى أقاليم ومحافظات قابلة للتحول إلى إقليم، وللحفاظ على هذ المكسب تم ادراج المادتين 126 و142 في الدستور لمواجهة أي تعديل باجراءات معقدة بالأخص الصلاحيات التي يتمتع بها الإقليم. وكان أمام المجلس الذي تم انتخابه بعد الجمعية الوطنية فرصة تشكيل لجنة لاجراء التعديلات في الدستور كما نصت المادة 124 لكن عدم تنفيذ هذه المادة، وعدم تشكيل تلك اللجنة قضى على أية محاولة لتعديل الدستور.

وهذه الحقيقة ليست بغائبة على المتصدين للشأن السياسي والتشريعي في العراق فهم يعرفون جيداً ان الدستور العراقي يعتبر من الدساتير الجامدة وأن أي تعديل في الدستور بحاجة إلى إجراءات صارمة الا ان البعض لازال يرفع صوته عالياً مطالباً باجراء تعديلات على بعض مواد الدستور.

لا ينكر أحدٌ أن بعض مواد الدستور بحاجة إلى تعديل بسبب تغير الظروف السياسية والاقتصادية في البلد والتي فرضت واقعاً جديداً كان لابد من مواكبته تشريعياً. وقد جرت محاولات مخلصة لاجراء التعديلات الضرورية لكنها اصطدمت في النهاية بالمادتين المذكورتين وبقت تلك الثغرات الدستورية قائمة، ولعل أهم أسباب وجود هذه الثغرات في الدستور أنه تم إنجازه بتوافق بين ثلاث جهات سياسية كل جهة تحاول أن تترجم مشروعها السياسي من خلال هذه الوثيقة فنتج عن ذلك دستور توافقي قام على إرضاء المكونات الثلاثة للشعب العراقي (الشيعة والسنة والكرد) لكنه لم يستطع أن يحقق الرضا العام لدى هذه المكونات إذ لم يكن بمقدوره أن يحقق طموحات وأهداف هذه المكونات بأجمعها، إذ كانت الأهداف تتضارب بين الكتل فيلتجئ المشرع إلى حالة من التوافق لحفظ التوازن بين الواقع وما تصبوا إليه كل كتلة، وبسبب هذه الآلية التي اتبعها المشرع أثناء سنه للدستور العراقي ظهر بعض الثغرات والتي كانت بحاجة إلى إعادة النظر فيها وقد أوكل الدستور في مادته 142 مسؤولية إعادة النظر لأول مجلس للنواب ينعقد بعد التصويت على الدستور وهو ما لم يحدث مما جعل فكرة التعديل ليست بالأمر الهين.

لقد اكتشف الشعب العراقي وبعد مضي سبعة عشر عاماً من تطبيق النظام البرلماني بأن النظام الرئاسي هو الأصلح له بسبب ما عاناه العراق من تجاذبات الكتل السياسية في البرلمان في اختيار السلطة التنفيذية وقد أثر ذلك الاختيار على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق إذ كان من الأوفق للعراق انشاء نظام سياسي قائم على انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب وليس من البرلمان حتى تصبح له صلاحيات واسعة ويتخلص من املاءات أعضاء مجلس النواب ولا يأتي إلى الرئاسة من رحم الصفقات السياسية التي جاءت برؤساء مجالس وعلى أيديهم قيود مكبلة لا يستطيعون أن يقولوا كلمة أو يخطون خطوة إلا برضا الكتل السياسية التي جاءت بهم إلى السلطة فيصبح وهو صاحب القرار متحيراً بين أن يرضي الشعب أو يرضي الكتلة التي جاءت به.

هذه التناقضات وغيرها التي يعاني منها النظام السياسي في العراق والتي كانت السبب في تأخر العراق في نواحي عديدة يلمسها الشعب لمس اليد، ما كانت هذه التناقضات لتحدث لو كان للسلطة التنفيذية الاستقلال التام عن السلطة التشريعية وهي قادرة على تنفيذ برنامجها السياسي دون ضغوط سياسية ودون سوط الاستجواب الذي بمقدور أي نائب في المجلس أن يرفعه بوجه الوزير أو رئيس الوزراء لغاية في نفسه.

لقد دفع العراق الكثير بسبب صعوبة اجراء التعديل في الدستور لكنه حصد الكثير ايضاَ إذ استطاع بهذا الدستور الجامد أن يتحول إلى جدار سميك أمام أهواء ونزوات بعض الكتل السياسية التي كانت ستمرر كل ما يحلوا لها لتترجمه في مواد دستورية تورط العراق لسنوات في مشاكل كثيرة هو في غنى عنها، وربما كان لنا

دستورا جديدا في كل دورة انتخابية لو كان هذا الدستور يبيح لنا سهولة التعديل وقد قال سبحانه وتعالى وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. صدق الله العلي العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى