تقارير

ليبيا بين الحرب والسلام: صراع متجدد في لعبة الأمم

الإباء / متابعة ………

 

الاتفاق بشأن وقف إطلاق النار بين رئيس البرلمان عقيله صالح وحكومة الوفاق الوطني، والذي شكل بحسب بعض المصادر تحولًا كبيرًا ومفاجئًا لم يتوقع الكثيرون صدوره في هذا الوقت بذات، مايزال محط اهتمام اعلامي واسع داخل وخارج ليبيا، ورغم الترحيب الدولي الواسع بهذا الاتفاق، إلا أن هناك تخوفات عديدة يمكن ان تكون سبباً في عرقلة وفشل مثل هكذا اتفاق كما حدث في لعديد من الاتفاقات والإعلانات السابقة، بسبب الخلافات الداخلية المستمرة يضاف الى ذلك تضارب المصالح بين الدول الداعمة لأطراف النزاع في هذا البلد الغني بالنفط.

ويرى بعض المراقبين إن هدنة وقف إطلاق النار “هشة” والثقة معدومة بين الأطراف، وعوامل ثبات الهدنة لا تزال ضعيفة، في ظل تدخل خارجي وانقسام داخلي”. فالسلام لن يتحقق إلا بوجود قرار وطني موحد ووقف التدخل الخارجي، يضاف الى ذلك العمل على تفكيك الجماعات المسلحة، وقد رفض كل من الناطق باسم قوات حفتر، أحمد المسماري، ومدير إدارة التوجيه المعنوي لدى حفتر، خالد المحجوب، إعلان وقف العمليات العسكرية الذي جاء في بياني السراج وصالح، فالمسماري وصف بيان السراج بالتسويق الإعلامي، بينما قال المحجوب إن قواتهم في مواجهة مباشرة مع الأتراك.

وتواجه حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج، المعترف فيها من قبل الأمم المتحدة، والتي تسيطر على العاصمة طرابلس، تحديات وازمات جديدة فهي وبحسب ما نقلت بعض المصادر، تكافح لمواجهة مظاهرات شعبية خرجت احتجاجا على سوء الخدمات العامة، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه بشأن صراعات داخل البيت الواحد، واحتمالية تأثيره في المعارك القتالية على الأرض، وهو ما سيصب في مصلحة الخصوم ويدفعهم الى زيادة الضغوط والعمل على افشال مثل هكذا اتفاقات. وغرقت ليبيا في صراعات نفوذ منذ سقوط نظام معمر القذافي عقب انتفاضة شعبية عام 2011، وتتنافس حاليا هذان السلطتان في بلد يضم أكبر احتياطات نفطية في إفريقيا، وصار أبرز محطة لتهريب المهاجرين نحو أوروبا.

آمال وشكوك

وفي هذا الشأن يثير إعلان السلطتين المتنافستين في ليبيا وقف المعارك ونيتهما تنظيم انتخابات، آمالا وشكوكا في الوقت نفسه، بالنظر إلى سوابق مشابهة في هذا البلد الذي يمزقه العنف منذ أعوام وتتورط فيه قوى خارجية. وأعلن فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس، وعقيلة صالح رئيس البرلمان المنتخب الذي مقره شرق البلاد، عن وقف “فوري” لإطلاق النار والدعوة لتنظيم انتخابات. ويمثل الاعلان الجديد أول تفاهم سياسي منذ الاتفاق السياسي الموقع عام 2015 في مدينة الصخيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة، والذي أدى إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني.

وقال محمد شعيب رئيس وفد مجلس النواب في حوار الصخيرات الذي لعب دورا مهما في التوصل للاتفاق، “تشهد بلادنا صحوة أسميها في الاتجاه الصحيح… لقاءات متعددة ودعوات تعلن عن رغبتها في القطيعة مع جنون الأمس”. من جهته، اعتبر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ما حصل “خطوة أولى بنّاءة تظهر تصميم المسؤولين الليبيين على تخطي المأزق الحالي وبعث أمل جديد لإيجاد أرضية مشتركة من أجل حل سياسي سلمي للأزمة (…) ولإنهاء كل تدخل خارجي في البلد”.

ومنذ الهجوم الذي شنه المشير خليفة حفتر، رجل شرق البلاد القوي، على طرابلس في 4 نيسان/ابريل 2019، وفي ظل التدخلات الخارجية التي فاقمت النزاع، فشلت كل المحاولات لوقف الأعمال العدائية. وتلقى حكومة الوفاق الوطني دعما من تركيا وقطر، في حين يستفيد خليفة حفتر من دعم مصر والإمارات وروسيا. وبالنسبة للخبير في مركز “المجلس الأطلسي” للأبحاث عماد بادي، سيكون تطبيق وقف إطلاق النار وتنظيم انتخابات “مسارا شاقّا” لأن القوى المحلية “حذرة، ليس فقط من بعضها، بل كذلك من الأطراف الدولية المتورطة” في النزاع. أما الباحث في “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن” ولفرام لاخر، فيعتبر أن “مصالح الفاعلين الخاصة يمكن بسهولة أن تحبط المحادثات مهما كانت المرحلة التي بلغتها”.

وبعد دحرها من طرف القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، انسحبت قوات حفتر وحلفاؤه في حزيران/يونيو إلى مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) وقاعدة الجُفرَة الجوية. منذ ذلك الحين، اكتفى المعسكران بالرصد المتبادل عن بعد بدون مواجهة مباشرة. وبالنسبة للسراج، الذي يرأس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، يجب جعل سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح في سبيل تحقيق تقدم في الحوار، في حين لم يتحدث صالح عن هذه الفكرة. لكن رئيس البرلمان يقترح تشكيل مجلس رئاسي جديد للحكومة، يشكل بديلا من مجلس السراج، يكون مقر عمله سرت، مسقط رأس القذافي الذي تحول لفترة إلى معقل لتنظيم داعش. ويعتبر لاخر أن هذه الخلافات وعدم الخوض في بعض المواضيع “يكشف” ما وراء الأكمة. بحسب فرانس برس.

ويقول الباحث في هذا الصدد إن المنطقة المنزوعة السلاح “خطة أميركية وبريطانية وألمانية تهدف لاحتواء التأثير التركي والروسي في الميدان”. ويضيف أن روسيا تعارض إقامتها، وكذلك الإمارات “التي تدعم الحضور العسكري الروسي في ليبيا”. بدوره، يرى بادي أن المنطقة المنزوعة السلاح ستكون “نقطة خلاف”.

ومن مصلحة روسيا التي تنشر عددا كبيرا من المرتزقة في المنطقتين أن تحافظ على حضور في الجفرة، وتقوّض المسار المدعوم من الولايات المتحدة والذي يرمي إلى تقليص النفوذ الروسي، وفق الباحث في “المجلس الأطلسي”. أما المصرفية الليبية المقيمة في طرابلس كريمة منير فتعتبر أن “لا منتصر في حال تواصل النزاع”، لكنها تقدّر أن مواطنيها لن يتعاملوا بجدية مع وقف إطلاق النار “إلاّ عندما يبلغون القاع. وها قد وصلنا اليه!”.

ترحيب ومطالب

الى جانب ذلك اعلن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في بيان باسم الدول ال27 أعضاء الاتحاد ان اعلان وقف اطلاق النار في ليبيا واستئناف العملية السياسية “يعطيان أملا جديدا” لإيجاد حل سلمي. وقال بوريل في البيان “انه تقدم أولي بناء يدل على تصميم المسؤولين الليبيين على تخطي المأزق الحالي وإيجاد أمل جديد للتوصل إلى توافق لإيجاد حل سياسي سلمي للازمة (…) ووقف أي تدخل أجنبي في البلاد”. وأضاف “نؤكد التزامنا مع الشعب الليبي الجهود الرامية إلى تأسيس دولة ذات سيادة وموحدة ومستقرة ومزدهرة”.

ودعم الاتحاد الأوروبي الاتفاق الذي سيؤدي إلى وقف فوري للأعمال العسكرية في ليبيا “ويتطلب مغادرة جميع المقاتلين الأجانب والمرتزقة الموجودين” واستئناف المفاوضات في إطار عملية تديرها الأمم المتحدة. ودعا بوريل إلى تطبيق الاتفاق على الأرض عبر “وقف دائم لاطلاق النار”. كما أكد الطرفان في بيانيهما “ضرورة” استئناف إنتاج وتصدير النفط وتجميد إيراداته إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية.

وشدد بوريل على وجوب ان تعقب الاعلان “تطورات ملموسة” كاستئناف تام للإنتاج في كل البلاد و”تطبيق الاصلاحات الاقتصادية للاتفاق على آلية عادلة وشفافة لتوزيع إيرادات النفط وتحسين ادارة المؤسسات الاقتصادية والمالية الليبية”. كما رحّبت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز “بنقاط التوافق الواردة في البيانين الصادرين” عن السراج وصالح “واللذين عبرا فيهما عن قرارات شجاعة ليبيا بأمس الحاجة إليها في هذا الوقت العصيب… على أمل أن يفضي هذا الأمر إلى الإسراع في تطبيق توافقات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) والبدء بترحيل جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الموجودة على الأراضي الليبية”. وأُقرّت اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 (خمسة أعضاء من قوات المشير حفتر وخمسة أعضاء من قوات حكومة الوفاق) ضمن حوار جنيف في شباط/فبراير بهدف الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم. وحثّت وليامز “جميع الأطراف على الارتقاء لمستوى المرحلة التاريخية وتحمل مسؤولياتهم الكاملة أمام الشعب الليبي”.

كما رحّب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي تعد حكومته من أبرز داعمي السلطة الموازية التي أسسها حفتر في شرق ليبيا بالإعلان الذي رأى فيه “خطوة هامة” على طريق التسوية السياسية. وكتب السيسي على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك “أرحب بالبيانات الصادرة عن المجلس الرئاسي ومجلس النواب في ليبيا بوقف اطلاق النار ووقف العمليات العسكرية في كافة الأراضي الليبية باعتبار ذلك خطوة هامة على طريق تحقيق التسوية السياسية”.

دعم وشكوك

من جانب اخر قال نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي إن تركيا “ستسعد” إذا نجح وقف إطلاق النار المعلن في ليبيا لكن هناك الكثير من الشكوك بعد أن رفضت القوات المتمركزة في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر تلك الخطوة. ورفضت قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة حفتر وقف إطلاق النار ووصفته بأنه حيلة تسويقية قائلة إن القوات المتنافسة تحتشد حول الخطوط الأمامية في سرت والجفرة، وهما منطقتان استراتيجيتان لكلا الجانبين.

وتقدم تركيا الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، وساعدت في صد هجوم الجيش الوطني الذي استمر 14 شهرا على طرابلس في يونيو حزيران. وتدعم روسيا ومصر والإمارات الجيش الوطني بقيادة حفتر. ويُعتقد أن عقيلة صالح اكتسب نفوذا مقارنة بحفتر منذ تقهقر الجيش الوطني عن طرابلس. وقال أوقطاي خلال حلقة نقاش على الإنترنت “نرى أن هناك نقاطا جيدة في تصريحات السراج وصالح مثل رفع الحظر (النفطي) لكن هناك بعض المشاكل في التصريحات أيضا” في إشارة إلى دعوات مختلفة لمناطق منزوعة السلاح في سرت والجفرة. بحسب رويترز.

وأضاف “يحاول صالح بطريقة ما التوصل إلى اتفاق وحفتر يرفضه بالفعل. إذا تم التوصل إلى اتفاق فسنسعد بذلك ولكن للأسف هناك الكثير من الشكوك. وللأسف هناك حشود عسكرية ضخمة لدول تدعم حفتر”. ويحشد كل جانب والأطراف الأجنبية المؤيدة له قوات حول مدينة سرت بوسط البلاد رغم عدم اندلاع قتال يذكر هناك خلال الأسابيع القليلة الماضية. ويتبادل الجانبان الاتهامات بانتهاك الهدنة سريعا واستغلالها في إعادة التسلح.

وفي وقت سابق قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن تركيا ترغب في استئناف المحادثات بين الجانبين المتحاربين. وأضاف “نؤيد وقف إطلاق النار ونزع سلاح خط سرت-الجفرة بشرط عدم تقسيم ليبيا”. وتنسق الأمم المتحدة الجهود الدولية لإبرام صفقات عسكرية وسياسية واقتصادية في ليبيا عقب قمة عُقدت في يناير كانون الثاني في برلين. كما تجري أنقرة وموسكو محادثات بشأن وقف لإطلاق النار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى